سكان شمال إفريقيا: الأصول الحضارية (ح3)
الخميس, 20 نوفمبر 2014 09:23

 علاقة اللغات العروبية وبالعربية الأم:

 altلم يبق بين أيدينا الآن قائما وواضحا إلا اللغات العروبية (أي السامية) فمنها نعرف جذورنا العربية، وعددها كبير، وهي في أربع مجموعات:

- المجموعة الشرقية ومنها الأكدية والبابلية والأشورية.

- والمجموعة الشمالية ومنها العمورية والآرامية.

- والمجموعة الجنوبية ومنها المعينية والحميرية والسبئية والأثيوبية والعربية والأمهرية؛ والمجموعة الغربية ومنها الكنعانية والفينيقية والموابية والعبرانية والأمازيغية البربرية.

 وقبل التطرق إلى هذا المجال أود أن أوضح أن الوطن العربي من عُمان إلى موريتانيا هو عبارة عن حوض حضاري وليس حوضا عرقيا، وفق ما عبر عنه سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم عندما قال: «ليست العربية فيكم بأب ولا بأمّ وإنما هي في اللسان فمن تكلم العربية فهو عربي». وقد سبق بأربعة عشر قرنا ماركس وغيره من محاربي النزعات العرقية.

 وأبدأ بالمصرية القديمة؛ فقد أجمع العلماء مؤخرا أنها لغة عروبية، بدأ في البحث في عروبيتها حتى المستشرقون؛ فعالم المصريات الألماني هينريش بروجش أورد في مقدمة كتابه "المعجم الهيروغليفي ـ الديموطي" الصادر بالألمانية في سبعة مجلدات في القرن التاسع عشر ما يلي: "أتنبأ مقدما أن الدهشة ستعم ذات يوم مجال البحث اللغوي لدى تبيّن مدى عمق الوشائج العائلية الوثيقة التي تربط اللغة المصرية بأخواتها الساميات". وقد حقق ذلك تلميذه المصري العالم أحمد باشا كمال الذي يكتب فيقول: "إن المصريين القدماء أرادوا تخليد ذكرى أصلهم فأثبتوه بالحفر على آثارهم المنقوشة على جدران معبد الدير البحري في طيبة الغربية بمدينة الأقصر قائلين إن أجدادهم يدعون الإعناء (جمع عنو) أي أنهم أقوام من قبائل شتى اجتمعوا في وادي النيل، وأسسوا فيه مدنا كثيرة منها مدينة عين شمس.. إن اللغة المصرية، أي لغة قبائل الإعناء التي سكنت مصر وما جاورها من الأقاليم، هي أصل اللغة العربية بلا مراء بنص النقوش المذكورة..

اعلموا أيها السادة أن كثرة مطالعتي في اللغة المصرية القديمة منذ كنت في الثامنة عشرة من عمري، إلى أن بلغت الستين مهدت لي سبل الوصول إلى اكتشاف غريب مفيد؛ ألا وهو أن اللغة العربية واللغة المصرية القديمة من أصل واحد هو لغة الإعناء. وفي أثناء دراستي كنت أرى للألفاظ العربية مثيلا في اللغة المصرية القديمة وكنت أدونها شيئا فشيئا حتى كثرت".

وقرر أحمد باشا كمال تحرير قاموس يثبت عروبة اللغة المصرية القديمة واستمر في تحريره أكثر من عشرين سنة، اكتمل سنة 1923 في 22 جزءا عنوانه: "الفرائد البهية في قواعد اللغة الهيروغليفية" فحجم الشين مثلا وحده أخذ 368 صفحة. وظل هذا العمل الكبير مخطوطا لم يطبع طيلة ثمانين سنة. وطبع جزؤه الأول فقط بالقاهرة سنة 2002 ضم حرف الألف المصرية (طائر العقاب الهيروغليفية) ويقع في 238 صفحة. ونتمنى أن يطبع المعجم كاملا. وقد عبرت سورية عن الاستعداد لطبعه كاملا على حسابها.. وقد كتب دراسة قيّمة حول المعجم المذكور الأستاذ لؤي محمود سعيد شارك بها في ندوة "الوحدة والتنوع في اللهجات العروبية القديمة" التي أقامها مجمع اللغة العربية في طرابلس ليبيا سنة 2004 وقد استمددت هذه المعلومات منه. وهذه الحقائق هي رد على بيزنطية الكتاب العرقيين الفرعونيين بمصر.

 وقد أصدر العالم الليبي الدكتور علي فهمي خشيم "معجم البرهان على عروبة اللغة المصرية القديمة" من 912 صفحة نشره مجمع اللغة العربية ليبيا سنة 2007.

 

 عروبة اللغة الأمازيغية البربرية:

 أنا أمازيغي أنتمي إلى أكبر قبيلة أمازيغية هي قبيلة اللمامشة، أملك اللغتين العربية والأمازيغية ـ البربرية. مثلما وجد بمصر لويس عوض وسلامة موسى وغيرهما يقولون بلا عروبة مصر، وجد بالجزائر مولود معمري وسليم شاكر وغيرهما يقولون بالمغرب البربري بدل المغرب العربي، تحت توجيه الأكاديمية البربرية في فرنسا، التي أسسها الفرنسيون مباشرة بعد استقلال الجزائر لمنع تأسيس دول عربية بالمغرب العربي. أصدرتُ عدة كتب آخرها "معجم الجذور العربية للكلمات الأمازيغية ـ البربرية" الصادر سنة 2007، الذي كلفني سنوات من البحث قمت خلالها بتفريغ كلمات أكبر خمس لهجات أمازيغية، اثنتان من الجزائر وثلاث من المغرب الأقصى، وأعدت كلماتها إلى اللغة العربية المستعربة العدنانية والعاربة القحطانية الحميرية من خلال المعاجم العربية القديمة والحديثة، ضم هذا المعجم تسعة آلاف كلمة، جذورها عربية تثبت أن تسعين في المائة من الكلمات الأمازيغية عربية عاربة أو مستعربة؛ فمثلا العمود الفقري للغة الحميرية القديمة باليمن وزن "أفعول" وهو العمود الفقري للغة الأمازيغية، وهذا الوزن غير موجود في العدنانية، فمثلا مدينة أسيوط بمصر على وزن "أفعول" سميت لأن الأمازيغ عندما هاجروا من اليمن سلكوا الطريق المار بها فسميت بهذا الاسم، وتوجهوا للغرب وبقي أثرهم في واحة سيوة غربي مصر التي يتكلم سكانها الأمازيغية؛ هذه الواحة التي زارها الإسكندر المقدوني واستمد منها عقيدة التوحيد. ومن الغريب أن الإسكندر لقب في القرآن الكريم بذي القرنين، وأن القرن في اللغة الأمازيغية اسمه "إسِكْ" ويرى الكثير من العلماء أن البربرية واللغات العروبية كانت سائدة بأوروبا قبل هجرة القبائل الهندو أوروبية لها. ويشهد العلماء الغربيون النزيهون بعروبة الأمازيغية؛ فوليام لانغر الأمريكي يقول: "وتتصل اللغة المصرية القديمة واللغات السامية ولغات البربر بأصل واحد".(17)

 ويقول المؤرخ الفرنسي جابرييل كامبس (Gabriel Camps) في كتابه "البربر ذاكرة وهوية" الصادر بباريس سنة 1995 صفحة 11: "إن علماء الأجناس يؤكدون أن الجماعات البيضاء بشمال إفريقيا سواء كانت ناطقة بالبربرية أو بالعربية، تنحدر في معظمها من جماعات بحر متوسطية جاءت من الشرق في الألف الثامن بل قبله، وراحت تنتشر بهدوء بالمغرب العربي والصحراء". (18)

والمستشرق الألماني أوتو روسلر (Otto Rossler) يسمي الأمازيغية النوميدية ففي كتابه "النوميديون أصلهم كتابتهم ولغتهم" يقول: "إن اللغة النوميدية لغة سامية انفصلت عن اللغات السامية في المشرق في مرحلة مغرقة في القدم".

وتعتبر اللغة الأمازيغية البربرية اللغة العروبية؛ أي السامية الباقية حية متداولة، ويقرأ بها الباحث اللهجة التي اشتقت من اللغة العربية الأم. فمثلا صانع الأحذية بالأمازيغية اسمه "أخرّاز" وفي العربية خرز إذا خاط الجلد، والكلمة الأمازيغية أفصح من الإسكافي. والجمل يسمى بالأمازيغية "آلغم" وفي العربية اللُّغام الزبد الذي يخرج من أفواه الإبل.

الأرض تسمى بالأمازيغية "إمّورَثْ" وفي العربية أرض ممرّثة إذا أصابها غيث قليل. والمرأة تسمى بالأمازيغية "تامطّوث" وفي العربية الطمث العادة الشهرية للمرأة، والطامث الحائض، ويبدو أن الاسم الأول للمرأة في العربية الأم كان طامطوث أي الكائن البشري الذي يحيض، ثم تطورت فصارت المرأة. على هذا المنوال يتكون قاموس الأمازيغية.

وقد اعتز الشعراء الأمازيغ بأصلهم القحطاني اليماني الحميري، فقال الشاعر الحسن بن رشيق المسيلي، المتوفى سنة 463 هـ، مادحا الأمير الأمازيغي ابن باديس الصنهاجي:

 يا ابنَ الأعزة من أكابر حِميـــر ** وسلالةَ الأملاك من قحطان

ويعتز الشاعر ابن خميس التلمساني المتوفى سنة 708 هـ بأصله الحميري، فيقول:

 إذا انتسبتُ فإنــني من دَوحـة ** يتفيّـأ الإنسان برْد ظلالهـا

 من حِميرٍ من ذي رُعَينٍ من ذوي ** حَجْرٍ من العظماء من أقيالها

 وفي بيتين يفتخر شاعر أمازيغي طارقي بانتساب قبائل الطوارق الأمازيغ إلى حمير فيقول:

 قوم لهم شرف العلى من حميــر ** وإذا دُعوا لمتونة فهمُ همُ

 لِما حوَوا علياء كل فضيلــــة ** غلب الحياء عليهم فتلثموا (19)

 وحتى السومرية التي يزعم المستشرقون أنها جاءت من أوربا فقد حدد هويتها وعلاقتها باللغة العروبية العالم العراقي أحمد سوسة، فقال: "وقد اعتاد الباحثون - وأكثرهم من الأجانب، مثل بريستد وغيره - أن يعتبروا الحضارة السومرية التي نشأت في جنوب العراق أقدم حضارة وجدت في العراق.. والحقيقة أن الحضارة السومرية الرئيسة ظهرت متأخرة، ولم تزدهر وتبلغ أوج تقدمها إلا بعد أن اتصل السومريون (سكان الأهوار) بالساميين (سكان الريف) وأخذوا يمارسون مع الساميين الزراعة التي تعتمد على مشاريع الريّ فاقتبسوا منهم الخبرة الفنية التي تتطلبها هذه المشاريع، وانتقلوا من ممارسة الزراعة البطائحية المقتصرة على تجفيف الأهوار، إلى طريقة الزراعة على جداول الريّ السّيْحية التي كان يمارسها الساميون في السهول؛ أي أن الحضارة السومرية الرئيسة لم تكتمل في تطورها إلا بعد أن واكب السومريون حياة الساميين (2351 ـ 2159 ق م) فكونوا نتيجة اتصالهم بالساميين المملكة السومرية الثانية (2116 ـ 2003 ق.م) التي ظهرت فيها سلالة أور الثالثة (2111 ـ 2003 ق. م).. وهذه الحضارة لم تدم أكثر من 113 سنة عاش السومريون فيها مع الساميين، ثم كانت نهاية السومريين وانقراضهم سنة 2003 ق. م بعد تغلب الساميين عليهم".

بهذا يحدد تحديدا علميا هذا العالم الكبير مفهوم السومرية..(20).

وقد تناول العالم الليبي الأستاذ عبد المنعم المحجوب المسألة السومرية في كتابه القيّم "ما قبل اللغة". وفي اجتهاد يشكر عليه، وأثار نقاشا طويلا بالوطن العربي، فهمه البعض فهما خاطئا، وفهمته أنا بأنه عروبي في تفكيره.

____________________

17. ويليام لانغر، مرجع سابق ص 45.

18. Gabriel Camps: Les Berberes: Mémoire et Identité P11 Paris 1995.

19. الجزائر في التاريخ مرجع سابق.

20. مرجع سابق، أحمد سوسة، ص 163.

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

الآن في المكتبات

فيديو

المتواجدون الآن

حاليا يتواجد 1 زائر  على الموقع