دروس وعبر من ذكرى المولد النبوي الشريف
الاثنين, 12 ديسمبر 2016 10:04

 

أكرم عبد الرزاق المشهداني      

altيحتفل المسلمون في الثاني عشر من شهر ربيع الأول من كل عام في مشارق الأرض ومغاربها، بذكرى عطرة عزيزة على القلوب، هي ذكرى مولد فخر الكائنات، نبي الأمة والرحمة المهداة للبشرية جمعاء سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) سيد ولد آدم وخاتم الأنبياء والمرسلين، الذي بمولده وطلعته استنار الكون وأشرقت الأرض بنور ولادته، كيف لا وهو الرحمة المهداة، والنعمة العظيمة، والأمل المنتظر الذي أرسله الله عز وجل للناس أجمعين {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} سورة الأنبياء 107· 

فكان رحمة للبشرية كلها· وببعثته ورسالته ودعوته انقشعت الظلمات وتبدلت الأرض غير الأرض والناس كذلك، فانتشرَ العدل بعد طول سيطرة للظلم، وعمَّ الإحسان بعد طول كراهية وجفاء، وانمحت ظلمات غشيت العقول وأعمت البصائر والأبصار·

ذكرى المولد النبوي ليست مجرد مناسبة لمولد إنسان عظيم فحسب؛ بل إنها ذكرى مولد أمة! فبولادته - عليه الصلاة والسلام- ولدت أمة العرب من جديد·· لتقود العالم وتنشر الفضيلة والعدل والسلام·· وتحارب الظلم والطغيان·· وترفع شعار الفاروق الخالد (مَتىَ أسْتَعْبَدتُمْ الناسَ وَقَدْ وَلَدَتْهُمْ أمّهْاتُهُمْ أحْرَاراً؟)·

أمة لا تفرق ولا تظلم ولا تضطهد.. وما هي إلا عقود قليلة من ولادة المصطفى حتى ارتفعت راية "لا إله إلا الله" في أرجاء الجزيرة العربية وفوق بلاد فارس وعلى تخوم الروم وفي شمال إفريقيا·· ودخل الناس عن طواعية ورضى واقتناع في الدين الإنساني الجديد الذي رفع شعار {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَنْ يَّكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} البقرة 256، و{لَكُمْ دِيِنِكُمْ وَلِيَ دِيْن} الكافرون 6· حتى صار المسلمون اليوم مليارات من البشر·· يدينون بالفضل لصاحب الذكرى العطرة عليه أفضل الصلوات والتسليم·
لقد كَرّمَ الباري عزّ وَجَلّ نبيه المصطفى محمدا صلى الله عليه وسلم، فجعله سيد ولد آدم، وجعل مولده نورا وبركة، اهتز له عرش كسرى وانطفأت به نار فارس بعد أن ظلت مشتعلة ألف عام، وربط الله بين محبة المصطفى وبين وجوب اتّباعه بقوله: {قُلْ إن كُنتُمْ تُحِبّوُنَ اللهَ فاتّبِعُوُنِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذنوبكم} آل عمران 31.. وجعل سبحانه وتعالى طاعة رسوله من طاعته عز وجل {مَنْ يُّطِعِ الرَسُوُلَ فَقَدْ أَطاعَ اَللهْ} سورة النساء 80، واختصه بما لا يعد ولا يحصى من المناقب والمفاخر التي عجز العلماء عن حصرها وعدّها طيلة قرون، رغم ما ألفَّ في ذلك من آلاف الصفحات·

فلا يحصل الإيمان ولا يتم إلا بمحبة الرسول صلى الله عليه وسلم «لا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حَتّى أكوُنَ أحَبُّ إليْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدهِ وَالناسِ أَجْمَعين» رواه البخاري ومسلم.

وجعل الله الشهادة بنبوّته ركنا من أركان الإسلام، واختّصه بمعجزة الإسراء والمعراج، وجعل الملائكة دائمة الصلاة عليه {إنَّ اللهَ وَمَلائِكتَهُ يُصَلّوُنَ عَلى النَبِيء} الأحزاب 56. وأيّده بالمعجزات والبراهين، وبعثه للناس أجمعين؛ عكس باقي الأنبياء والمرسلين الذين أُرسلوا إلى أُمم بعينها وذواتها. وختم الله به الرسالات، وأرسله للناس {بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا}. ومن تمام الكرامات أن حظيت أمته - صلى الله عليه وسلم- أمة الإسلام، بالتكريم وعلو الشأن، ورفع الله قدرها فوق باقي الأمم {كُنتُمْ خَيْرَ أمّة أُخْرِجَتْ للناسِ} آل عمران 110. وما ارتفعت هذه الأمة وما شُرِّفت إلاّ بهِ صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلى المُؤْمِنينَ إذْ بَعَثَ فِيِهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلوُ عَلَيْهِمْ آيْاتِهِ وَيُزَكّيهِمْ}. \آل عمران 164·

لقد كانت ولادته - صلى الله عليه وسلم- نقطة تحول في تاريخ البشرية، التي كانت قبل بعثته تعيش عصرا من الظلام تسوده كل صنوف الزيغ، وتتخبط في كل أنواع الضلالات، فاستطاع - صلى الله عليه وسلم- أن يؤلف القلوب وينير البصائر وينقي العقول ويشحذ العزائم ويرفع الهمم، وصدق الله تعالى إذ قال: {واَذْكُرُوْا نِعْمَةَ اَللهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنتُمْ أعْدَاءً فَألّفَ بَيْنَ قُلوُبِكُمْ فَأصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إخْوَاناً} آل عمران 103. وعبّر عن ذلك الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان رضي الله عنه حين قال: "لقد كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير"·

لقد كان مولد محمد - صلى الله عليه وسلم- في يوم الاثنين، يوم سعادة دائمة للبشر وكل كائنات الوجود، وكان - صلى الله عليه وسلم- يحبّ يوم الاثنين؛ فقد روى مسلم في صحيحه في كتاب الصيام عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه أنه قال: سُئلَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم- عن فضل صوم يوم الاثنين فقال: «هذا يومٌ وُلدتُ فيه وأُنزلَ عَليَّ فيه».

وأخرج الإمام أحمد وغيره عن ابن عباس - رضي الله عنهما- أنه قال "ولد النبي - صلى الله عليه وسلم- يوم الاثنين، واستنبئ يوم الاثنين، وخرج مهاجرا يوم الاثنين، وقدم المدينة يوم الاثنين، وتوفي يوم الاثنين"·

إن ذكرى المولد النبوي الشريف هي مناسبة وفرصة لكل مؤمن كي يتذكر اصطفاء الله - عز وجل- للنبي المصطفى من بين كل الخلائق، واصطفاءه لنا من بين كثير من الخلق لنكون من أمة المصطفى - صلى الله عليه وسلم- ومن أتباعه. ولا شك أن الفرح بهذا الانتساب يجب أن يتناسب مع ما يستحقه من محبة واتباع لنهج المصطفى، والتزام بهديه، كما يجب أن تكون هذه الذكرى موعظة لكل منا يرى فيها حال المسلمين اليوم، الذين تداعى عليهم الأعداء والكارهون، كما تتداعى الأكَلَةُ إلى قصعتها، لأن المسلمين – والعرب- باتوا اليوم غثاءً كغثاء السيل، لا تغني عنهم كثرتهم العددية ولا ثرواتهم الطائلة، ما داموا بعيدين عن منهج الحق الذي جاء به صاحب الذكرى العطرة·

كما يجب أن تكون ذكرى لكل مؤمن يتذكر فيها حاله مع الله عز وجل وموقعه مما أمره الله عز وجل به {يَا أيُّها الذّينَ آمَنوُا اتّقوُا اللهَ وَكوُنوُا مَعَ الصَادقين}· التوبة 119.

 

عن مجلة "العربي" الجزائرية

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

الآن في المكتبات

فيديو

المتواجدون الآن

حاليا يتواجد 1 زائر  على الموقع