|
الاثنين, 31 ديسمبر 2012 12:11 |
لقد كان المؤتمر الثامن للكتاب والأدباء الموريتانيين فرصة عظيمة لنا للاحتكاك بقامات أدبية كبيرة جعلتنا في وضع يمكننا من الاستفادة من هؤلاء ومن تجربتهم الثقافية الجليلة لقد تابعت شخصيا حوارا ممتعا بين أربعة من هذه النجوم علي هامش افتتاح المؤتمر الثامن وهم العميد المتنور محمدٌ ولد إشدو والمثقف الكبير بابه مسكه والشاعر أحمدو ولد عبد القادر وسعادة السفير محمد سعيد ولد همدي.
بدأ الحوار حول تاريخ موريتانيا والمترجمين.. سأل العميد محمدٌ ولد إشدو بابه ولد أحمد مسكه عن الأب المؤسس هل حصل على الباكلوريا بعد أن انتهى من عمله مترجما أم قبل ذلك، بعد أن اختلف في المسألة مع محمد سعيد ولد همدي، فلقد أثار هذا السؤال الشجون وأعاد استرجاع تاريخ من طرف هذه الكوكبة من مثقفينا التي بدأت تتجاذب أطراف الحديث في أكثر من موضع، ولقد أثار انتباهي كثيرا أن الشاعر الكبير أحمدُ ولد عبد القادر لم يشارك في هذا الحوار في موضوع باكلوريا المختار ولد داداه على الرغم أنه -حسب افتراضي- يمتلك لا شك ما يمكن أن يقوله في الموضوع.
دار الحديث بين هذه المجموعة على هذه الشاكلة وكان الحديث ممتعا.. تحدثوا عن بعض النوابغ في الحفظ، تدخل السفير محمد سعيد ولد همدي مخاطبا أحدهم عن عبقرية بزيد الذي حفظ القرآن عن طريق قراءة والدته للقرآن في المساء معلقا على نبوغه وكرمه، فقد كان منزله بأطار محطة لكل الموظفين بمن فيهم الرئيس المختار. علق الأستاذ إشدو مذكرا بعبقري آخر هو محمد يحيى ولد محمد فاضل ولد الدمين – رحمه الله- الذي فقد بصره في صباه بسبب داء الحصبة وحفظ القرآن من تلاوة والدته له، وقد كانت ترقيه به، وكان شاعرا فذا، ومن شعره:
حان المسير إلى أرض البياضين بعد ارعوائك في أرض السوادين
وانزاح ما بك من هم ومن كـدر لما دعتك بها أنغام مســــلين.
وذكر محمد سعيد ولد همدي مثال الفنان الراحل الجيش وأنه يحفظ القرآن مع أنه ضرير؛ وهو الأمر الذي يستشف منه أن موريتانيا الحضارة أنجبت جيلا عظيما على الرغم من تعلمهم في مدارس المستعمر إلا أن الثقافة العربية عمرتهم وخلقت منهم جيلا متميزا مثل نجوم السماء تألقا.
وهنا أسوق في هذا المضمار حديثا شيقا دار في نفس الجلسة بين العميد محمدٌ ولد إشدو والمثقف الكبير أحمد بابه مسكه حين استحث العميد بسؤال نحوي عن معنى "إن" مقررا أنها تأتي بمعني بئس انطلاقا من قصة عبد الله بن الزَّبير الأسدي (من بني أسد بن خزيمة) حين قدم على عبد الله بن الزبير بن العوام رضي الله عنهما، فقال له: نفدت نفقتي ونقبت راحلتي. فقال: ارقعها بسبتٍ واخصفها بهلبٍ وأنجد بها يبرد خفها وسر البردين تصح. فقال: ابن الزَّبِير: إني أتيتك مستحملاً ولم آتك مستوصفاً، فلعن الله ناقةً حملتني إليك! قال ابن الزُّبَير: إنَّ وراكبها. (أي نعم، ولعن راكبها).
إلا أن بابه مسكه لم يجب العميد بما يعتقد، فبادر بمهاتفة شخص عبر الهاتف يسأله عن معنى إن مما جعلني شخصيا (وكنت قربه في المقعد الذي يلي بابه مسكه) أشعر بغبطة غير متناهية من مثل هذا التصرف الذي ينم عن ثقافة عالية ومتميزة وروح رياضية للعميد إشدو؛ إذ لم يجد غضاضة في أن يسأل غيره عما أشكل عليه فخاطبته أنني ألتقط الحديث فرد علي بأن التقاط الحديث في مثل هذه المواقف مهم إن كان بنية حسنة.
ولعل العميد استرجع تاريخ الكدحة والمتابعات البوليسية أيام الأنظمة الشمولية في الستينات ولم يدرك أنّا ككتاب في افتتاح هذا المؤتمر نعتبر وجودهم فيه بمثابة نياشين لنا ومدرسة قد لا تتكرر. إن مثل هؤلاء بمثابة مدرسة نتعلم فيها.
حين بدأت مراسيم افتتاح المؤتمر صعد المنصة شاب وأدى أغنية بأنغام موسيقية عذبة علق العميد مخاطبا من حوله ومعرفا بالشاب قائلا: "هذا ليس من طبقة إيگاون، ولن تبنى موريتانيا ما لم تفتح الدوائر" حينها سألته شخصيا: "ماذا تعني بالدوائر"؟ فرد علي أنه يقصد الدوائر الاجتماعية. وهي دعوة تنم عن ثقافة عالية ووعي مدني متحضر. فما لم تنصهر كل المكونات الاجتماعية في بوتقة واحدة فلن تخرج موريتانيا من قمقمها إلي عالم المدنية والتحضر.
وهنا سنتخذ من دعوة العميد محمدٌ ولد إشدو لفتح الدوائر الاجتماعية موضوعا للتنوير على شبكات التواصل الاجتماعي.
تنبدغة بتاريخ 23/ 12/ 2012
الطالب عبدالله ولد أهن
(كاتب ومدون)
|