الحرب على الفساد في موريتانيا.. ما لها وما عليها (ملف ح2)
السبت, 17 سبتمبر 2016 08:13

 

 الفســـاد المستشري

alt{ظهر الفساد في البر والبحر..} ولم ينعقد إجماع الموريتانيين، الذين لا تعوزهم الأمثلة الصارخة في جميع مجالات حياتـهم العامة، على شيء مثلما انعقد على أن أعظم كارثة أصابتـهم في الصميم وهددت وجودهم بالزوال هي الفساد. فتلك "الجمرة الخبيثة" التي تسربت إلى مجتمعنا الفاضل نسبيا، ودبت في أوصاله خلسة تنخره كالسرطان، منذ اندلاع حرب الصحراء، تسارعت وتيرة نموها بشكل رهيب منذ أن استولى الجيش على السلطة في العاشر من يوليو، وبدأ قادتـه ومن كانوا وراءهم من المدنيين يجنون المال والجاه من خلال المواقع والمناصب العليا التي يشغلونـها في الدولة، لتعرف في ظل نظام 12/12 الجمهوري - بصورة أخص - انتشارا واستشراء فاحشين أصبحت معهما تنمية البلد مستحيلة، ومستقبله مرتـهنا، ووجوده مهددا؛ وبالتالي فلا حرية لمعدوم! ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ على ما آلت إليه البلاد في ظل نظام الانقلاب الدائم على الشعب والوطن:

"انعدام الدولة ووجود كشكول يحركه جهاز سياسي حل محل إدارة الدولة ووجودها وأفقدها كل مدلول إلى حد أن الأمور المتعلقة بتسيير الدولة ومؤسساتـها أصبحت لا علاقة لها بما يجب أن تكون عليه دولة ذات مؤسسات دائمة وقائمة وملك للجميع. وتمثلت انعكاسات ذلك في تحكم رأي ومزاج كل مسير في المرفق الذي يتولى مسؤوليتـه، وسادت الولاءات والأمزجة في تسيير الوزارات والإدارات والشركات.. تلك هي الحقيقة دون مجاملة. وكلنا يعرف أن استمرار البلاد على هذا النـهج مآله زوالها بشكل أو بآخر؛ خاصة وأن الأمر يتعلق بعقلية سادت وأصبح معها إسناد الحقائب الوزارية للفرد وللقبيلة، والمؤسسات لهذا أو ذاك من الخواص.. وحين يتقدم المواطن التماسا للخدمة يتحدث عما قدمه له فلان أو فلان في الوزارة كذا أو المؤسسة كذا. وبذلك فإن المواطن لم يعد يتعامل مع الدولة ومؤسساتـها وحَقٍّ له، واجب الإسداء؛ بل أصبح تحت رحمة المزاج والنزوات والأهواء.. الأمر الذي لا مناص - مع استمراره- من القضاء على دولتنا وشعبنا ومستقبلنا. وما نتج عن ذلك هو الحد الأدنى من القيم التي يجب أن يتحلى بـها مسؤول. وكذلك انعدام الحد الأدنى من الحياء الذي يجب أن يكون لدى الناس اتجاه المال العمومي وتسيير الشأن العام في البلاد.

إن ما وصلنا إليه وضعية عرفناها جميعا وعشناها جميعا وتدعو للتساؤل والتعجب؛ لأن من قام فيها بأكبر خيانة – رغم معرفة الجميع لذلك- يصبح بطلا محط التقدير والإعجاب، تتوافد إليه القبائل والمسؤولون! وكذلك شأن اللص المحتال على المال العمومي والمعروف بذلك، حين يؤخذ متلبسا ويقدم للعدالة، يصبح بطلا في الشارع!

 وفي الحقيقة فإن أمة وصلت إلى هذه الدرجة من الانحطاط وتضعضع التفكير وسقوط التصرف لا يمكن التنبؤ بمآلها إلا من قبيل أن هذه هي عين فناء الأمم وخرابـها... ولذلك كان لا بد من وضع حد لهذه الحالة؛ إذ لا يمكن أن يظل أراذلنا هم الأخيار، واللصوص أبطالا والخيانة فضيلة، حيث لا تطلّع مع ذلك إلى المستقبل والتاريخ. وبوضوح شديد ليس ثمة خيار في مثل هذه الحالات؛ لأن مستقبل البلاد في مهب الريح والوضع يستوجب أن يتحمل كل مسؤولياتـه...

وهنا ألفت انتباه جميع الموريتانيين إلى أنـه لا بد من مراجعة النفس وتحمل المسؤوليات، فرديا وعلى مستوى المؤسسات والدولة والأحزاب السياسية والمجتمع المدني، وإلا فسندفع الثمن باهظا".

(العقيد اعلي ولد محمد فال رئيس الدولة خلال الفترة الانتقالية الأولى 2005 - 2007).

 

 ولكن ما هو الفساد؟

 إنـه "الرشوة واختلاس أموال الدولة" حسب تعريف الرئيس المختار ولد داداه في كتابـه "موريتانيا على درب التحديات". وهو أيضا - في أبشع صوره - اللوحة التي رسمها آنفا رئيس الدولة خلال الفترة الانتقالية الأولى، العقيد اعلي ولد محمد فال.

ويعرّف البنك الدولي الأنشطة التي تندرج تحت تعريف الفساد - حسب ما ورد في كتاب الفساد والحكم الصالح في البلاد العربية - بأنـها: "إساءة استعمال الوظيفة العامة للكسب الخاص. فالفساد يحدث عادة عندما يقوم موظف بقبول أو طلب أو ابتزاز رشوة لتسهيل عقد أو إجراء طرح لمناقصة عامة، كما يتم عند ما يقوم وكلاء أو وسطاء لشركات وأعمال خاصة بتقديم رشى للاستفادة من سياسات أو إجراءات عامة للتغلب على منافسين، وتحقيق أرباح خارج إطار القوانين المرعية. كما يمكن للفساد أن يحدث عن طريق استغلال الوظيفة العامة دون اللجوء إلى الرشوة؛ وذلك بتعيين الأقارب أو سرقة أموال الدولة مباشرة".

 ويشير هذا التعريف - حسب المصدر نفسه - إلى آليتين رئيسيتين من آليات الفساد هما:

1. "آلية دفع الرشوة والعمولة (المباشرة) إلى الموظفين والمسؤولين في الحكومة، وفي القطاعين العام والخاص لتسهيل عقد الصفقات، وتسهيل الأمور لرجال الأعمال والشركات الأجنبية؛ وهذا ما يسمى بالفساد الكبير".

2. "وآلية وضع اليد على المال العام، والحصول على مواقع متقدمة للأبناء والأصهار والأقارب في الجهاز الوظيفي، وفي قطاع الأعمال العام والخاص". ويدعى هذا النوع الفساد الصغير مقارنة بسابقه.

 ويحصر المصدر نفسه أهم مكونات اقتصاد الفساد في الوطن العربي في:

"- تخصيص الأراضي: من خلال قرارات إدارية عُلْوية، تأخذ شكل "العطايا" لتستخدم فيما بعد في المضاربات العقارية وتكوين الثروات.

- إعادة تدويرأموال المعونات الأجنبيةللجيوب الخاصة (تشير بعض التقديرات إلى أن أكثر من 30 بالمائة منـها لا تدخل خزينة الدولة، وتذهب إلى جيوب مسؤولين، أو رجال أعمال كبار). وهذا ما يجعلنا نتساءل: هل هدف هذه الأموال الحقيقي هو مساعدة بلداننا على النمو، أم خلق طابور خامس من المرتزقة الفاسدين المفسدين التابعين للغرب؟

- قروض المجاملة التي تمنحها المصارف من دون ضمانات جدية لكبار رجال الأعمال المتصلين بمراكز النفوذ. (وحتى للأفراد أيضا كما عندنا).

- عمولات عقود البنية التحتية وصفقات السلاح.

- العمولات والإتاوات التي يتم الحصول عليها بحكم المنصب أو الاتجار بالوظيفة العامة (ريْع المنصب).

ومن السهل على من له أبسط إلمام بالوضع القائم في بلادنا، أن يستنتج - دونما بحث وتعمق - أن الفساد الذي نص البنك الدولي على تعريف أنشطتـه وآلياتـه وخصائص اقتصاده، قائم اليوم في بلادنا ومزدهر أيما ازدهار..وأن الوصف الذي وصف بـه الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة حالة الفساد في الجزائر هو أكثر انطباقا وأحرى وألصق وأصدق وأجدر بدولة موريتانيا الإسلامية:  "دولة مريضة في إدارتـها، مريضة بممارسات المحاباة، مريضة بالمحسوبية والتعسف بالنفوذ والسلطة وعدم جدوى الطعون والتظلمات، مريضة بالامتيازات التي لا رقيب عليها ولا حسيب، ومريضة بتبذير الموارد العامة وبنـهبـها بلا ناه ولا رادع".(الفساد والحكم الصالح في البلاد العربية، ص 83).

ومما يَسْهُل إدراكه أن مثل هذا الوضع الراهن يخلق مناخا صلدا عصيا على أحلام البنيان وإعادة التأسيس. وفي مثل هذه الحالة يصبح الحديث عن الحرية والديمقراطية ضربا من الخيال والوهم؛ لذا يجب على الذين يسعون لخير هذا البلد - مهما اختلف سعيهم وتعددت مشاربـهم - أن يجعلوا في مقدمة أولوياتـهم نبذ الفساد والمفسدين، ويعلنوا الحرب على هذا الطاعون؛ ذلك أنـهم إنما يقتربون من بلوغ أهدافهم بقدر ما يتغلبون على استشراء الفساد، وينجحون في زعزعة أركانـه التي أصبحت مؤسسة "محترمة" ومتّبعة، ومقبولة في عرف المجتمع.

 لقد حدّث الرئيس اعلي ولد محمد فال ذات ليلة، في بداية عهده، وفدا من المحامين كان في زيارتـه، بدعوة منـه، فقال باعتزاز وثقة في النفس: "لا تخيفني الضغوط الدولية، إنـها ستنفرج؛ ولا أخشى الحالة الاقتصادية، إننا سنتغلب عليها لا محالة؛ ولا الوضع الأمني فهو تحت السيطرة..إن أخشى ما أخشاه هو المستوى الذي وصل إليه الفساد في البلاد! إننا إذا استطعنا خلال الفترة الانتقالية أن نسترجع ولو أربعين بالمائة من أخلاقنا وقيمنا، سنكون حققنا نجاحا منقطع النظير. فالمهم عندنا في قضية "وود سايد" هو أن يدرك شركاؤنا أن الزمن الذي كانت فيه ملايين الدولارات تُصم وتُبكم وتعمي المسؤول الموريتاني فيتركهم سدى يسرحون ويمرحون ويفعلون ما يريدون قد ولى إلى غير رجعة".

 وقد قال الرئيس "المؤتمن" كلاما مماثلا في مناسبات متعددة، منـها على سبيل المثال، افتتاحه للحملة الزراعية في مدينة روصو.

.. ولكنـهما اتبعا سنن السلف! وهو ما جعلنا نتساءل هل كانت تصريحات الرجلين تمثل تعبيرا عن وعي حقيقي بخطورة الفساد المستشري، لا يضاهيه إلا العجز عن تحريك ساكن من شأنـه أن يزعزع شعرة في أركان تلك المؤسسة، أم إنـها كانت استـهزاء بوعي وعقل الإنسان الموريتاني الكريم...؟

ومهما يكن من أمر، فمن المؤكد أن "علة الفساد الأساسية أنـه يؤدي إلى تلف تدريجي، أو تعفن لكل جسم يطاله؛ سواء أكان الجسم ماديا أم معنويا، كالدول والبلديات والمؤسسات والشركات.. إلخ، أي أن الفساد يوقع الاختلال بالجسم الذي يصيبـه، ويحرفه عن القيام بالوظيفة التي من أجلها وجد... فجدية التصدي للفساد تعكس جدية الالتزام بالحفاظ على سلامة المؤسسات التي يقوم عليها المجتمع".(الأستاذ داود خير الله أستاذ القانون في جامعة جورج تاون - الولايات المتحدة).

(من كتاب "أزمة الحكم في موريتانيا" ص185 وما بعدها)

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

الآن في المكتبات

فيديو

المتواجدون الآن

حاليا يتواجد 10 زوار  على الموقع