للحق والوطن.. لا دفاعا عن الرئيس
الأربعاء, 18 مايو 2016 07:51

 

مختار بن الغوث   

altاستمعت إلى خطبة الرئيس محمد بن عبد العزيز بالنعمة، التي ملأت الشارع، وشغلت الناس. وليس من دأبي تتبع ما يقول الساسة، لولا ما قرأت من تشنيعٍ عليه وعليها، ونعتٍ بأقبح الأوصاف، خيَّل إلي أنها كانت جرما في حق الوطن، لا خطبة سياسية، يُختلَف في تقويمها، ويعتريها ما يعتري كلام البشر. وأكثر ما حملني على تطلُّبها، بعد مضيِّ أكثر من أسبوع على إلقائها، ضيقي بما يتوسل به الساسة إلى مآربهم، من إفساد ذات بين الشعوب، وتشتيت شملها، وإيقاد الحروب بينها، وعدم الاستنكاف من تعدي الحدود المتعارف عليها في الخلاف بين الوطنيين النبلاء.

 وقد شفَّني من الخطبة ما رأيت من تنهُّد الرئيس، حين يذكر المعارضة، تنهُّدَ مكلوم، تزدحم في صدره المواجد، فيبوح ببعضها تكذيبا وانتقادا، ويكتِّم بعضا. وتبين لي أن ما نُسِب إلى الخطبة محمول عليها حملا، وليس فيها ما يدل عليه، أو يحتمله؛ فعلمت أن ذاك التنهد وتلك المواجد والمواجع من هذا ونحوه. وقد دوَّنت ما عنَّ لي من خواطر، حين فرغت من سماعها، على أن أنشره حين تتاح لي مراجعته. غير أني انصرفت عن ذلك، إذِ اسْتَعَرَتْ حرب الإعلام بين الموالاة والمعارضة، وهممت أن أصوم عن "الفيس بوك" الذي يأتيني بأكثر ما أقرأ في المواقع الموريتانية، صونا للوقت عما لا طائل من قراءته، ولا نفع لي فيه ولا للوطن، ريثما تخمد نار البَسوس، وينجلي قتام داحس والغبراء، ويكفُّ "شعراء" ابني وائل وابني بغيض عما أخذوا فيه من تهاجٍ، كان يأخذ فيه سلفهم من شعراء العرب غِبَّ سكوت السلاح، فيفخرون، ويشمتون، ويقولون ما كان وما لم يكن، مما يشق على الآذان والقلوب سماعه اليوم، لما فيه من نيل من الأعراض، لا تستسيغه الأذواق المتحضرة، كما لا تستسيغ العدوان على الأبدان، "وجرح اللسان كجرح اليد". ولما فيه من تعدٍّ لحدود الله، واستباحة لما حرَّم من الظلم: «يا عبادي، إني حرَّمتُ الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما؛ فلا تظالموا».

ثم بدا لي أن الإمساك عن الكتابة تقيُّدا بما أخذت به نفسي من النأي عن السياسة البتة غير مساوق لما أمر الله به، من القيام بالقسط والشهادة لله. وأيدني في ذلك أن ليس لي مذهب في السياسة إلا حبُّ المسلمين، ولا أرَبٌ فيما أقول إلا صلاح أمرهم، وخوفُ أن تعصف بهم الأهواء، ويقعوا في الشَّرَك الذي نصب لهم الأعداء.

 سمعت الخطبة إذن، فلم أفهم منها ما فهم الذين أوسعوها انتقادا، ولا ألفيتها بالسوء الذي وصفوا، ونظرت إليها من جانب اللفظ، لا من جانب النية التي لا أعلمها. وفهمت منها أن ليس للرجل نية في تغيير الدستور، ولا أرب في الرياسة، بعد انتهاء ولايته الثانية، وأنه كان راغبا عنها لولا ما أراد من بناء موريتانية ديمقراطية حديثة، وإخراجها مما وجدها فيه، غير أنه يرغب عن التصريح بما يريد إذعانا لضغط المعارضة "المتطرفة" التي تعد نفسها "وصيةً على البلد، وبديلا له" ولا يراها كذلك. ويرى أن الديمقراطية التي تطالب بها هو الذي جاء بها، وهو الذي حماها، وما زال، ولن يخلِّي بينها وبين من يريد العصف بها؛ لأنه يؤمن بها، ويرى أن للموريتانيين خيارا واحدا، هو ترسيخها، والدفاع عنها، أما بعض الذين يدَّعون الحرص عليها، فلم يسعوا يوما في جلبها، وقد رضوا - قبله- أن يحيوا بدونها؛ فهم أجدر الناس بألا يزايدوا عليه فيها، ثم إن تمسكهم بالمناصب التي كانوا يتولون، وبرئاسة الأحزاب التي ما زالوا يرأسون و"يملكون" لا نظير له في البلدان التي يُعتَدُّ بديمقراطيتها، فإن المرء فيها لا يكاد يتولى الرياسة مرتين أو ثلاثا، ويمكث بعض هؤلاء في رياسة أحزابهم عشرات السنين.

هذا مجمل ما فهمت من الخطبة، في هذه القضية، وهو - في نظري- ما تحتمل. وانظر إن شئت إلى قوله: "الرئيس ماه قاعد لكم أنتم"، "أنا -كشخص- لن أكون عقبة لترسيخ الديمقراطية في موريتانية، لن أكون عقبة لترسيخ الديمقراطية في البلد"، "لكن هذا لا يعني أن المعارضة وصية على البلد، ولا بديل للبلد"، "لا بديل لترسيخ الديمقراطية، لا بديل لترسيخ الديمقراطية الصحيحة"، "الديمقراطية من جاء بها؟ ومن حماها في الأيام الصعيبة، عام 2005 و 2007؟"، "هذا النظام هو الذي يحمي الديمقراطية" إلخ. وثم عبارة ربما تكون أصرح من هذا كله وأدل على أنه لا يفكر في تغيير الدستور، هي قوله: "قالوا: دستورنا ما يمتس! دستوركم مِن ماسُّه؟ ألاَّ بيكم عزة يكانكم تعودو عندكم رواية تتكلم عنها" أي قالوا: دستورنا لا يمس! من ذا الذي يريد أن يمسه؟ إنما تقولون هذا حبًّا لأن يكون عندكم ما تقولون، أي لا شيء يدعوكم إلى ما تقولون، فإني لم أرد ما تخشون. وقريب من هذا ما قال في تجديد الطبقة السياسية، من أنه ليس في دولة من دول العالم التي يعتد بديمقراطيتها من يترشح للرياسة ثلاث مرات وأربعا، ثم يتمادى في الترشح. فلو كان ينوي الترشح، لصدف عن هذا ونحوه، مما يمكن أن يحاجَّ به، ويحاكم إليه.

أما ما قال في كلام الوزيرين اللذين تحدثا عن تغيير الدستور، فكان في معرض الموازنة بين ما يرى أنه من كيل المعارضة بمكيالين، إذ تطالب بخلع رئيس منتخب، نافسه بعضهم في الانتخاب، فهزمه، وترى أن ذلك من الديمقراطية، ويعده بعضها دينا منزلا من السماء، ولا ترى أن ذلك يخالف الدستور والديمقراطية، وإنما الذي يخالفهما - في نظرها- أن يردَّ وزيران "راقيان" في مقام استُفِزَّا فيه، فقالا - ردا على الاستفزاز-: إن تغيير الدستور حق للشعب، إن شاء غيره وإن شاء أبقى عليه. وهو يعد ما قال الوزيران "قضية عادية، وقضية بسيطة" وينبغي أن يفهم في سياقه، والمقام الذي دَفعَ إليه، ليس إلا. وهذا -إن حُمل على ظاهره، ولم يُفزَع فيه إلى السرائر- يدل على عدم إرادة تغيير الدستور.

وفهمت من قوله الذي كرره مرتين بنبرة قوية وحاسمة: "أنا كشخص لن أكون عقبة لترسيخ الديمقراطية في موريتانية"، وقوله إنه لا بديل للموريتانيين عن ترسيخ الديمقراطية الصحيحة، أنه لن يترشح للرياسة مرة ثالثة، ولكنه لن يخلي بين البلاد ومن استنقذها منهم، ليعيدوها سيرتها الأولى، ويعودوا إلى أكلها، ولن يرضى بالديمقراطية غير الصحيحة التي كانت عليها موريتانية، قبل أن يتولى رياستها. فإن يكن في حوزة مَن يخالفه دليل - غير هذه الخطبة - على أنه يضمر غير ما يظهر، فإن الإدلاء به أرجى لإقناع الرأي العام وتبصيره، وتهيئته لحمل الرئيس على العدول عما يريد، من تحميل كلامه ما لا يحتمل.

 أما تنظيم النسل، فتحدَّث عنه عقب ما قال في "آثار الرق" فقال إن في موريتانية مرضا اجتماعيا، يجب أن يعالج معالجة جادة، هو فوضى التناسل، وكان صريحا في أن المصابين بهذا المرض هم أولئك الذين لم يستعبدوا قط: "فيهْ تصرُّفات البعض أيضا اللي ما قطّْ أُعبّْدت..."، وقال بعد هذه العبارة إن في هذا الوطن مرضين: مرض مخلفات الرق، ومرض تصرفات البعض. وغير خاف أن البعض الذي يتكلم عن تصرفاته هو الذي سماه "البعض اللي ما قط أعبدت". غير أنه لم يحسن الفصل بين الفكرتين (آثار الرق، وفوضى التناسل) كما ينبغي، وجعل إحداهما مناسَبة للأخرى، وعطفها عليها، في بعض كلامه، فأوهم أن المقصود واحد، وإن كان الكلام صريحا في أنه لم يقصد أنه واحد.

ولو أني سمعت الخطبة قبل أن أقرأ ما قيل فيها، ما فهمت من هذا "البعض" إلا "العرب البيض" وحدهم، فإن فيهم من فوضى التناسل، وكثرة الطلاق والزواج، وعدم تربية الأطفال ورعايتهم، وتركهم للأمهات، يتحملن من تربيتهم والإنفاق عليهم ما لا طاقة لهن به، ما لا أعرف في غيرهم من الموريتانيين. وأكثر ما تكون هذه الفوضى في الأشراف، وشيوخ الطرق، والعلماء، وأبناء البيوتات، فإن أحدهم - لحرص الناس على مصاهرتهم- يلد أينما حلَّ، وقلَّما يعنى بتربية من ولد، أو الإنفاق عليه. وحمْل كلام الرئيس على من يصدق عليهم من العرب البيض أولى من حمله على من لا يصدق عليهم.
 
وتنظيم النسل قضية اقتصاد وأمن وتنمية، وهذه مما يعنى به الساسة والمخططون. فإن كنا نحن الموريتانيين لم نتعود أن نسمع من يتحدث عنها من ساستنا قبل هذا، ويرى بعضنا عدم جوازها، فإن غيرنا من الشعوب الإسلامية يعنى بها عناية شديدة، حكوماتٍ، وأفرادا وشعوبا. ومن المعلوم - مثلا- أن رئيس تركية، رجب طيب أردغان، يحض الترك - منذ بضع سنوات- على زيادة النسل؛ لأن خطة التنمية التي اختط لبلده تتطلبه. وهنالك دول عربية قررت شعوبها من تلقاء أنفسها أن لا يلد الزوجان أكثر من ولدين، بسبب الحاجة، وعدم مجانية التعليم، وهو أمر يجعل تعليم الأبناء، إذا كثروا مستحيلا؛ لأنه يكلف الآباء ما لا قبل لهم به.

 وبين تنظيم النسل وتحديده فرق، فالتحديد هو التقليل مطلقا، بحيث لا يسمح للزوجين بأكثر من ولد أو ولدين، كالذي تفعل الصين، أما التنظيم، فيعني ضبط النسل، بحيث يتناسب عدد أبناء المرء وحاله المادية، وتنظيم الازدياد، كأن يُجعل بين كل اثنين من الأبناء مدة كافية (ثلاث سنين أو أربع) يأخذ فيها الوليد حقه من الرعاية والتربية، لا ينازع فيهما ولا يضارُّ. وهذا مما يعين على تربية الأبناء تربية كريمة. حقا إن العالم الإسلامي في غنى عن تحديد النسل وتنظيمه بما فيه من ثروات تزيد على حاجات الشعوب، بيد أنه عالم مختطف، وثرواته منهوبة، من أجل ذلك كان أكثر شعوبه من الشقاء بما لا يخفى؛ فلا بأس بتنظيم النسل، على الوجه الذي ذكرت، ريثما يستنقذ العالم الإسلامي من مختطفيه، ويساس سياسة صحيحة حكيمة، وحينئذ سيطلب حكامه من الشعوب أن تتكاثر، كما يفعل رجب طيب أردغان.

 وما أبدى الرئيس من حرص على الوحدة الوطنية، حتى لقد جعلها المقدس الثاني بعد الإسلام، لا يلائمه أن يضمر في نفسه تمييزا أو استنقاصا، أو يتعمد أذى أحد من هذا الشعب، فإن الوحدة لا تتأتى مع شيء من ذلك. وتفسير كلام المرء بما يُعرَف من مذهبه وآرائه أولى من حمله على ما يخالفها. وحمل كلام الرئيس على كل وجهٍ قد يغتفر، إلا أن يُحمَل على ما يباعد بين القلوب، ويفسد ذات بين الإخوة. وقد ارتجل الرجل ما قال، ومن ارتجل، وهو غير خطيب، جاء كلامه دون ما يريد، ودون ما يراد منه، وهذا من أسباب أن المتَّبع في خطب السياسيين في العالم أن تكتب، لتجنب ما يقع فيه المرتجل من هفوات أو زلل، وتكون لائقة بمن يُعَدُّون رموزا لشعوبهم وأوطانهم. وهو أمر، يبدو أن الموريتانيين ما زالوا يستنكفون منه، ويؤثرون عليه الارتجال.

 أما المرأة، فكل ما قال فيها كان تمجيدا لها، وبيانا عن ثقته بها، وتعويله عليها في نجاح مشروعه، وهو ما أبان عنه ما أسند إليها من وظائف سامية، منها ثمان وزارات. وأقتصر - مما قال فيها- على عبارة واحدة، تجنبا للإطالة، هي قوله: "لن يقاوموا (المعارضة) النساء المندفعات في تغيير العقليات واستمرار هذا المنهج" يعني منهجه الذي يرى أنه قائم على محاربة الفساد، وحسن التسيير، رؤية واضحة للبلد.

 أمَّا بعد، فإن أمر الشعوب لا يصلح إلا على الأخلاق والفضيلة، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وإنما صلح أولها بالورع، والوقوف عند حدود الله، أما ما عدا ذلك، فلن يزيد الآخر إلا خبالا، ولن يزيد شقوته إلا طولا.

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

الآن في المكتبات

فيديو

المتواجدون الآن

حاليا يتواجد 1 زائر  على الموقع