| حرب إسرائيل الخفية: اللسان الفلسطيني والعربي في خدمة العقل الإسرائيلي |
| الأربعاء, 03 سبتمبر 2014 08:45 |
|
بقلم: د. لبيب قمحاوي*
يجب أن يتوفر وعي وطني فلسطيني وقومي عربي عام لأهمية اختيار المفردات التي تشير إلى الشعب الفلسطيني أو إلى أجزاء من الوطن الفلسطيني؛ والتي تحمل مدلولات سياسية تؤثر في فهم واستيعاب الآخرين والأجيال القادمة لحقائق الأمور. والهدف هو عدم الوقوع في فخ استعمال مفردات ومسميات من اختراع إسرائيلي والقبول بها باعتبارها حقيقية وأمرا مسلما به والمساهمة بالتالي - سواء عن قصد أو بدون قصد- في تنفيذ المخطط الإسرائيلي في طمس الحقائق وإعادة كتابة التاريخ الفلسطيني بما يتناسب والأهداف الإسرائيلية. الهدف الإسرائيلي يركز على ضرورة إخفاء واختفاء اسم فلسطين بمدلولاته التاريخية والسياسية والوطنية، والفلسطينيين كشعب له حقوق وطنية تحق له المطالبة بها والنضال من أجلها. الأكذوبة الصهيونية ابتدأت بطرح مقولة عدم وجود شعب فلسطيني، وأن فلسطين "أرض بلا شعب" كما كان يدعي ويصرح بذلك ديفيد بن غوريون وغولدا مائير وغيرهم من قادة الحركة الصهيونية وإسرائيل. هذا هو أساس الموقف الإسرائيلي الساعي منذ عام 1948 إلى شطب أي إشارة إلى الشعب الفلسطيني وإلى تأكيد عدم وجوده؛ وبالتالي العمل على استبدال هويته الوطنية بهويات أخرى. وعقب هزيمة عام 1948 وإنشاء دولة إسرائيل على أرض فلسطين تم تقطيع أوصال الشعب الفلسطيني إلى فئات ومجموعات جغرافية تبعثرت بحكم واقع الاحتلال داخل ما أصبح يدعى بدولة إسرائيل وخارجها تحت سلطة الحكم العسكري لدول عربية مختلفة. أما عن الشعب الفلسطيني الواقع داخل دولة الاحتلال الإسرائيلي فقد أصبحت له مسميات عديدة منها "عرب 1948" و"عرب الداخل" و"عرب الجليل" و"بدو النقب" و"بدو بئر السبع" و"بدو الجليل" و"دروز إسرائيل" و"عرب المثلث" و"البهائيون" و"المسيحيون العرب". وكما هو مُلاحظ لا يوجد أي ذكر لكلمة فلسطين أو فلسطيني في كل هذه المسميات. والهدف - بالإضافة إلى شطب اسم فلسطين من الذاكرة- هو خلق هويات جديدة لهذه المجموعات البشرية من أبناء الشعب الفلسطيني لا علاقة لها بفلسطين. وَسَعَتْ إسرائيل إلى بث عوامل الفرقة بين أبناء هذه التجمعات من خلال المحاباة والاضطهاد والتمييز بين مجموعة وأخرى بحيث تشعر كل مجموعة سكانية فلسطينية بأنها تختلف عن الأخرى في واقعها الحياتي وفي هويتها وفي مطالبها وأهدافها. وهكذا تم فرض الخدمة العسكرية على الفلسطينيين الدروز مثلاً في حين تم إعطاء الفلسطينيين البهائيين معاملة مميزة عن فلسطينيي "الداخل".. إلى آخر ذلك من سياسات تصب بالنتيجة في صالح الرؤية الإسرائيلية. أما فيما يتعلق بالمناطق الفلسطينية خارج فلسطين - وهي ما أصبحت تدعى بـ"الضفة الغربية" و"قطاع غزة"- فإن ما جرى ويجري لتلك المناطق وسكانها تم إما بغباء عربي أو بتآمر عربي مع إسرائيل. والهدف بالطبع كان طمس الهوية الفلسطينية لتلك المناطق وسكانها. "الضفة الغربية" و"قطاع غزة" اصطلاحان من جملة اصطلاحات أخرى يجب سحبها من التداول باعتبارها من نتاج هزيمة 1948 في فلسطين ومنسجمة مع المخطط الإسرائيلي الذي يهدف إلى طمس اسم فلسطين والفلسطينيين وإلغائهما من القاموس السياسي الفلسطيني والعربي والدولي. وبالطبع فإن أراضي وسط فلسطين التي كانت تدار من قبل الحاكم العسكري الأردني قد اكتسبت اسم "الضفة الغربية" وسكانها أصبحوا أردنيين بحكم الوحدة التي قامت بين المملكة الأردنية الهاشمية (أو ما أصبح يدعي بالضفة الشرقية) مع أراضي وسط فلسطين غير المحتلة (أو ما أصبح يدعى بالضفة الغربية). إن الذي اخترع اصطلاح "الضفة الغربية" كان يهدف في الحقيقة إلى سَحب الصفة الفلسطينية عن أراضي وسط فلسطين وجعلها، بكل بساطة، أي شيء ما عدا فلسطين. هذا مع العلم أن السياسات التي مورست بهدف شطب اسم فلسطين خلال فترة الوحدة معروفة وموثقة، وبالطبع كان أهمها إغفال ذكر فلسطين في اسم دولة الوحدة، وإعطاء أراضي وسط فلسطين صفة جغرافية تخلو من أي إشارة لفلسطين؛ وذلك بجعلها الضفة الغربية لنهر الأردن وسياسيا بجعلها جزءا من المملكة الأردنية الهاشمية وهي أيضا تخلو من أي إشارة لفلسطين، وهذا ما يناسب المخطط الإسرائيلي بشكل مثالي. أما أراضي منطقة جنوب فلسطين المسماة "قطاع غزة" فإنها اكتسبت هذا الاسم في اتفاقية الهدنة لعام 1949. مع العلم أن الحكومة الفلسطينية التي أُعْلِنت في 22 من أيلول (سبتمبر) 1948 واستقرّت في مدينة غزة لم تطلق على نفسها حكومة غزة أو أي اسم آخر بل "حكومة عموم فلسطين" تأكيدا لصفتها الفلسطينية ولوحدة أراضي فلسطين المحتلة وغير المحتلة. لقد نشأ قطاع غزة نشأة صالحة كمنطقة فلسطينية وكجزء من فلسطين المحتلة؛ وذلك تحت المظلة الوطنية التي رافقت فترة حكم جمال عبد الناصر. ولم تُحَاول مصر تَمْصير "قطاع غزة" كما فعل الآخرون لمناطق أخرى من فلسطين؛ بل حرصت على الحفاظ على الخصائص الفلسطينية لتلك الأراضي وتنمية الروح الوطنية فيها باعتبار ذلك واجبا وطنيا وخطوة مهمة لمقاومة المشروع الصهيوني الهادف إلى شطب اسم فلسطين والفلسطينيين. لقد كانت منطقة غزة الفلسطينية دائما مهدا للمقاومة والرحم الذي أخرج العديد من قادتها ومن الأبطال الذين وهبوا أرواحهم أو سني حياتهم أو أجزاء من أجسادهم من أجل حرية فلسطين. ولم يكن ذلك نتيجة تمتعهم بما يميزهم عن إخوانهم الفلسطينيين في المناطق الأخرى بقدر ما كان نتيجة وجودهم في بيئة حاضنة للمقاومة في حين كان إخوانهم الآخرون يعيشون في بيئة طاردة للمقاومة. والبيئة الحاضنة كانت الحقبة الناصرية التي لم تكتف بالحفاظ على الهوية الفلسطينية للمناطق الفلسطينية الواقعة تحت إدارتها؛ بل عملت على تعليم الفلسطينيين بشكل عام مما أدى إلى تخريج أجيال عديدة من الفلسطينيين المؤهلين علميا والقادرين على مساعدة عائلاتهم وأبناء جلدتهم وإعادة بناء مجتمعاتهم الفلسطينية على أسس جديدة مسلحة بالعلم وقادرة على التواصل مع منجزات التكنولوجيا الحديثة. وهكذا تمت محاربة الهدف الصهيوني الأكبر في محاولة تجهيل الشعب الفلسطيني وتحويله إلى كم كبير من العمالة البشرية الرخيصة غير المؤهلة والمفتقرة إلى وطن وإلى هوية سياسية. التغيير في هذا الموقف الإسرائيلي اتجاه المسميات الفلسطينية كان من خلال اتفاقات أوسلو، حيث استعملت إسرائيل كلمة الفلسطينيين والسلطة الفلسطينية رسمياً - للمرة الأولى- في تلك الاتفاقية، ليس بهدف الاعتراف بهم ولكن بهدف إثبات استسلام الفلسطينيين لها. فهي لا تريد استسلاماً من بشر بهوية غير معروفة وكاذبة، ولكنها كانت تريد استسلام الفلسطينيين نصا وروحا وعلنا أمام العالم أجمع. وهكذا اضطرت إلى استعمال كلمة الفلسطينيين دون أن تستعمل كلمة "فلسطين" حيث اكتفت بالإشارة إليها بالمسميات الأخرى ومنها "المناطق المدارة" وهي اصطلاح إسرائيلي آخر "للضفة الغربية" التي احتلتها إسرائيل في حرب عام 1967. وكما هو متوقع من عدو لا يقبل بالفلسطيني، حتى ولو كان ذلك الفلسطيني خائنا، فإن الاعتراف بالمسمى الفلسطيني لم يؤد إلى الاعتراف بالحقوق الوطنية المرافقة له. وهكذا فإن ما أعطاه الإسرائيليون باليمين في اتفاقية أوسلو أخذوا أضعافه باليسار فانتهينا إلى ما نحن فيه الآن من حكم أقل من ذاتي وسلطة فلسطينية ولدت على أنقاض منظمة التحرير الفلسطينية رمز النضال والمقاومة الفلسطينية، وهي ليست سلطة فلسطينية بقدر ما هي ممثل للاحتلال الإسرائيلي ومَصَالِحِهِ على تلك الأجزاء من الأراضي الفلسطينية التي لم يتم استيطانها بعد. إذن نحن في الواقع أمام عملية مترابطة وشاملة اخترعها العقل الإسرائيلي ويتم تنفيذها إما بقوة الاحتلال أو بأيدٍ وألسن فلسطينية وعربية. وأكثر ما يثير الغضب الآن هو إفراط الكثير من الفلسطينيين في استعمال اصطلاح "الغزيين" - أو "Gazans"- للإشارة إلى سكان منطقة غزة من الفلسطينيين، وهم غافلون عن الأبعاد السياسية والاستعمارية لهذا الاصطلاح الذي يصب في مصلحة ومخططات العدو الإسرائيلي. وعلى الجميع الانتباه إلى ذلك؛ خصوصا وأن الصحفيين الأجانب والمرتبطين بالدوائر الأمريكية والغربية يلجؤون إلى استعمال هذا الاصطلاح – وبإفراط- حتى يؤكدوا على الهوية "الغزية" وليس الهوية الوطنية الفلسطينية لسكان منطقة غزة من الفلسطينيين. نحن الآن أمام تَحدٍّ كبير هو إعادة النظر في كافة المفردات المستعملة فلسطينياً وعربياً للإشارة إلى الأرض الفلسطينية والشعب الفلسطيني. ما نحن بحاجته الآن هو عقد مؤتمر سياسي لغوي يتم من خلاله كشف الاصطلاحات المسمومة واستبدالها باصطلاحات وطنية بعيدة عن التشكيك في أصول الشعب الفلسطيني أينما كان وفي الأرض الفلسطينية بغض النظر عمن يسيطر عليها. وإذا كانت الجامعة العربية غير راغبة، أو غير قادرة على عقد مثل هذا المؤتمر، فعلى الفلسطينيين في كل أنحاء العالم التنادي لتمويل وعقد مثل هذا المؤتمر للخروج من هذا الفخ الإسرائيلي الذي نصبه الإسرائيليون للشعب الفلسطيني والأرض الفلسطينية وتم تنفيذه بألسن فلسطينية وعربية؛ سواء عن قصد أو عن جهالة. *مفكر ومحلل سياسي |
