الحرب على الفساد في موريتانيا.. ما لها وما عليها (ملف ح4)
الجمعة, 23 سبتمبر 2016 07:24

 

مظاهر الفساد الصارخة اختفت.. لكن الدودة في التفاحة

الولي ولد سيدي هيبه   

altصحيح أن الحركة الاقتصادية تشهد منذ سنوات تحسنا مطردا تبرز كل تجلياته في حركة غير مسبوقة للبناء وارتفاع العمارات ذات الأدوار المتعددة في مشهد لم يعتد رؤيته الموريتانيون إلا في الأشرطة التلفزيونية أو السينمائية أو الصحف المصورة. كما تجد هذه الحركة الجديدة تأكدها في تجارة الكماليات من ثياب وعطور وأجهزة منزلية وترفيهية وشاشات تلفزيونية عملاقة في حوانيت تمتد على طول كل الشوارع الرسمية في قلب مدينتي انواكشوطوانواذيبو تحاكي في أضوائها وواجهاتها ومحتوياتها أرقى مثيلاتها في الخارج.

كما أن البنى التحتية من إنارة عامة وشوارع معبدة شهدت - هي كذلك- تحسنا ملحوظا زادت وتيرته وحجمه مع انعقاد القمة العربية السابعة والعشرين - ولأول مرة- في انواكشوط حيث افتتح مطار انواكشوط الدولي "أم التونسي" ليلبي حاجة ماسة ظلت ماثلة منذ الاستقلال ويرفع الحرج عن عاصمة تفتقر إلى جل المعالم التي تصنع "هيبة"العواصم عبر العالم. حقيقة يصعب النطق بها لكنها حقيقة تفقأ العيون وتثير التعليقات والاستغراب.

هي إذن بنى تحتية جديدة عمودها الفقري شوارع رسمية محفوفة بالأرصفة للراجلين ومنارة بالأعمدة المزودة بالطاقة الشمسية ذات اللون الأزرق الخافت البهيج. وعلى الشوارع هذه تزداد حركة مرور حيوية في وسط العاصمة والأحياء الراقية تشف عن أفخر وأحدث أصناف ونوعيات وماركات السيارات العالمية في قيادتها صبية أغرار ونساء يوافع وشيوخ متصابون لا سعي لهم باد إلى بناء ينعش ويطور اقتصادا أو عمل خيري يردم الهوة الدنيا بين الفاقة والكفاف. إنها مظاهر براقة في وجهها البارز علامات حركة التنمية ومن قبلها حسر للأموال وتكديسها وتجميدها، فيما لا ينتفع من فيض استثمارها وريع نموها ومضاعفتها غير أصحابها.

صحيح أن مظاهر الفساد الصارخة قد اختفت بعد ما أعلن من حرب عليه وما تم فعلا تحقيقه في ذلك الصدد، لكن الدودة في التفاحةوإن الفساد ليس مكتسبا؛ بل له أصل في السلوك والطباع ومرتكز في عقلية "السيبة"العامة. وإن رواسب الماضي وما أبقته في لب عقليته العالقة في الأذهان والملاصقة للفعال من مظاهر السطو بلا وازع، والظلم بلا رادع، على خلفية سيادة القيم التقليدية والروابط القائمة على النسب والقرابة واعتماد توازنات الطبقية والشرائحية في قوالبها التي كسرت كل حواجز الماضي لتعيش الحاضر، ما تزال غدة سرطانية عصية على الاستئصال الجذري، وهي التي تقوض - بل وتجهض- كل محاولات الالتحام بمنصة دولة القانون والمواطنة رغم أن البعض أراد لها أن تتحرك ووضع مساطر قانونية مفصلة، دقيقة وصارمة في نصوصها ووضوح آليات تنفيذها.

ومع أن المساطر كبحت في الممارسات المعلنة "جماح"المفسدين والمسيرين المنحرفين إلا أنها لم تجد سبيلها إلى التنفيذ والردع المطلقين من لشدة ما أحيطت به من طرق الإفلات من المعاقبة ومن سلوكيات التحايل المبتكرة على الأدلة والبراهين في حيز:

-  أوله القدرة المستحدثة على إخفاء مظاهر النهب بعدما كان يعلن غنائم بكل فخر واعتزاز ويشاد بأصحابها وتعتبر علامات بارزة على القوة والوجاهة.

 -وثانيه تشابك مصالح المفسدين وتقاسمهم المال المغتصب من ناحية، ومسؤوليات أسباب غيابه حتى يتفرق دم النهب بين القبائل ورجال المال واللوبيات، فيصعب الوصول إلى المتهمين وتستحيل محاسبتهم من ناحية أخرى.

وليست أحياء الموظفين السامينوالأطر المتوسطين التي تنبت في المناطق الراقية كفطر الخريف على أرض خصبة من توفر الفضلات إلا أقل هذه المظاهر التي أخذت أشكالا وألوانا باذخة باستثناء أي وجود للمصانع والورش الكبرى التي لو أقيمت لكان لها الأثر المحمود والبالغ على تشغيل يد عاملة من الشعب في القاعدة فتمتص جزءا من مظاهر البؤس والفقر الموازية.

وها هو عيد الأضحى المبارك قد أطل ليرفع بعض غطاء هذا التباين فترى الأسواق الكبرى على ما أحيطت به من سياج أمني ضروري تستقبل فئتين كأنهما خطان متوازيان لا يلتقيان. فئة قليلة سياراتها فارهة وجيوبها متنفخة تقتني في السوق أجود ما فيه، وإن كان الكثير من محتويات محلاته ملك لبعض أفرادها، وفئة كالسيل لا يكاد أفرادها يقوون على شراء ما يعرض عليهم من البضاعة الرخيصة الصينية والتايلاندية وما شابهها من دول آسيا المنتجة ولا أثر مطلقا لصناعة محلية تحمل عبارة صنع في موريتانيا

وما انتشار هذا الفقر الذي تعمل الدولة على محاربته إلا بسبب انتشار ظاهرة الفساد هذه وقد تقمصت أشكالا من السلوك الهدام اعتمدها ويقوم بها في أعلى الهرم من يتولون المناصب العامة قبل أن تسري عدواها إلى أسفل القاعدة فتغرق المصالح حتى لم يعد من الممكن عزل أصحابها في الوقت المناسب.

ولكي تُعطى محاربة الفساد حظا أوفر من النجاح وتمكن البلاد من الاجتياز إلى بر الأمان فإنه لا بد من تفعيل المسطرة المستحدثة الجيدة التي تم وضعها وسن قوانينها بعد ما يسبقها رصد جديد لمظاهر هذا الفساد خفية كانت أم ظاهرة، وتحديد قوالب سلوكياتها من الرشوة  (Corruption)أي الحصول على أموال أو منافع أخرى من اجل تنفيذ عمل أو الامتناع عن تنفيذه مخالفةً للأصول، والمحسوبية (Népotisme)أي تنفيذ أعمال لصالح فرد أو جهة ينتمي لها الشخص مثل حزب أو عائلة أو منطقة.. الخ، دون أن يكونوا مستحقين لها، والمحاباة (Favoritisme)أي تفضيل جهة على أخرى في الخدمة بغير حق للحصول على مصالح معينة، والواسطة (Interventionnisme)أي التدخل لصالح فرد أو جماعة ما، دون الالتزام بأصول العمل والكفاءة اللازمة مثل تعيين شخص في منصب معين لأسباب تتعلق بالقرابة أو الانتماء الحزبي رغم كونه غير كفؤ أو مستحق، ونهب المال العام(Détournement des deniers publics)أي الحصول على أموال الدولة والتصرف فيها بغير وجه حق تحت مسميات مختلفة، والابتزاز(Extorsion)أي الحصول على أموال من طرف معين في المجتمع مقابل تنفيذ مصالح مرتبطة بوظيفة الشخص المتصف بالفساد. وإنها الأوجه والقوالب كلها التي يتوزع عليها مصاصو دماء البلاد وجلادو شعبها ومقوضو مسيرة نموها وموجهوها إلى بؤر الهوان والتلاشي، فلا بد من إيقافهم بعد تدمير أطرهم التي يحتمون فيها ويستظلون بسقفها من شمس العدالة ومطرقة المحاسبة.

ولأن فرص ممارسة الفساد تزداد  في ظل عدم اكتمال الإطار القانوني الذي يوفر بيئة مناسبة للفاسدين فيستغلون ضعف الجهاز الرقابي على الوظائف العامة في هذه المراحل ليعيثوا فسادا، ويزداد كذلك، وعلى العادة في المراحل الانتقالية والفترات التي تشهد تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية كذلك، فإنه لا بد من وضع خطة مناسبة للوقوف بالمرصاد لهذا الفساد وحماية البلد منه ومن شر عواقبه.

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

الآن في المكتبات

فيديو

المتواجدون الآن

حاليا يتواجد 1 زائر  على الموقع