أكاديمية كيس الأرز
الأربعاء, 05 فبراير 2014 08:35

 

عبد الرحمن ودادي

altفي النصف الثاني من الثمانيات كنت شابا مراهقا؛ أو بالأصح طائشا.

بصراحة لا أستطيع وصف أحوالي في ذلك الوقت، ليس عجزا عن التعبير، ولكن خجلا من تذكر ذلك الشاب المتهور.

تعرفت في فترة قصيرة على كل رواد الطيش في البلد وأصبحت علما من أعلامهم في العاصمة.

كانت رياضتي المفضلة الأثيرة إهمال نصائح الأهل والأحبة.

ما أنقذني من نفسي أغرب مما يتصور الجميع.

 إنه كيس من الأرز!

 كان في المحل المجاور لبيتنا كيس من الأرز يستند على صناديق علب الحليب.

 كان ملاذي من جو البيت المكفهر..

في ذلك المكان تخيلت نفسي وأنا رديف غيلان ذي الرمة على "صيدح" نسابق الريح، في ذلك المكان حبست دموع الحزن وأنا استمع لمرثية مالك بن الريب لنفسه، وضحكت إلى حد الجنون من هجائية ولد أبنُ ولد احميدًا للتاجر الشامي، واستغرقت في التفكير لفهم مغاليق "العاقرات" وألغازها، وحفظت أول قصيدة طويلة في حياتي: يا معشر البلغاء.. 

على ذلك الكيس اكتشفت أعظم روائع الأدب العربي نثرا وشعرا ونهلت من معين لا ينضب. 

كان كل العاملين في البقالة فتيان بما تحمل كلمات الفتوة من معان نبيلة، أما عميد الأكاديمية الذي كنت أحرص على انتظاره كل يوم فكان شيخا في أسمال رثة يحمل على رأسه بعضا من النعناع والزبادي، يمر لدقائق قليلة ليبيع بضاعته ويحسم بعض الخلافات في شرح بيت أو سيرة شاعر أو تبيان معنى كلمة غامضة.

بكل صدق درست قبل أكاديمية كيس الأرز وبعدها في الكثير من المدارس الجيدة، وتربيت على يد والد يعشق التاريخ والفكر الإسلامي والفلسفة، ولكن الحقيقة أن ميلي للشعر والأدب لم يتفتح إلا على ذلك الكيس.

تحية للذين اكتشفت أن أجدادهم أصحاب أول بيت من الشعر علمني إياه أبي أيام كنا في الخارج لأواجه كل من ينكر عروبة بلدي:

إنا بني حسن دلت فصاحتنا
إن لم تقم بينات أننا عـرب

 

أنا إلى العرب الأقحاح ننتسب
ففي اللـــسان بيان أننا عرب

 تحية للفتيان الحسنيين الشرفاء الذين فاقوا في معرفتهم حملة أكبر الشهادات، وحرموا من فرص العمل في القطاع الحكومي بسبب سيطرة لغة المستعمر على مفاصل الدولة، ولم يبق أمامهم سوى مكابدة شظف الحياة في وطن لا يحترم العلم ولا المعرفة.

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

الآن في المكتبات

فيديو

المتواجدون الآن

حاليا يتواجد 2 زوار  على الموقع