| أدونيس: هذا هو اسمي (ح 9)* |
| الاثنين, 04 يونيو 2018 08:53 |
|
هناك عموميات مسيطرة، واختراقها ليس سهلا أبدا
أدونيس: كل هيئة التحرير كانت تهتم بهذا الموضوع، لكن سمير الصايغ هو من تخصص به وقام باستقصاءات حول هذا الموضوع في نقاشات مع الفنانين؛ مع توم جورجيسيان، وميشيل بصبوص، وشفيق عبود، وأمثالهم. كان يهتم بهذا الموضوع وقد نجح كثيرا في ذلك. لا توجد ثقافة باللغة – بالكلمة- إذا لم تكن إلى جانبها ثقافة باللون. ثقافة تشكيلية وثقافة موسيقية. وقد اعتنينا أيضا بالجانب الموسيقي والمسرحي، في المجلة. كانت هناك نظرة شاملة شبه كاملة للثقافة في جميع تجلياتها، الشكلية والمعرفية، كما ألححنا على أن الشكل هو الأساس في العمل الفني؛ فهو الذي يخلق هوية العمل الفني، لأنه يخلق له الأفق والإطار،ويخلق له العمق أيضا. والمعنى هو هذا الحوار بين من يرى وبين المرئي، ليس هناك معنى كما كان يقوله العرب: هناك معنى هو فكرة تصوغها في قالب شعري وتسميه معنى. هذا ليس معنى. مثلا مرة لكي يُنتَقَد أبو تمام، أحد النقاد العاديين في جلسة شعر، حاول أن يسخر من أبي تمام فأخذ كأسا وطلب منه أن يعطيه قليلا من "ماء الملام" ردا على قوله: لا تسقني ماء الملام. فأجابه أبو تمام ببساطة: أعطني ريشة من جناح الذل وسوف أعطيك ماء الملام. {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة} الآية القرآنية. فصمت الناقد. وإذن فالهم كان في الكَيْف؛ أو بمعنى آخر في الشكل، لأنه الأساس. وأعتقد أن عظمة شخص مثل بيكاسو ليست في مضموناته، وإنما عظمته في أنه كان خلاق أشكال بلا نهاية. وهذا ما أردنا التأسيس له، حتى بالفكر؛ مثلا تجربة الحب، تجربة الحزن، تجربة الهم.. إلى آخره هذه التجارب النفسية والأساسي فيها هو الموضوعية لا نجد تعبيرا عنها مختلفا على مستوى وعلى مستوى العلاقة من كاتب إلى كاتب. هناك لغة فلسفية عامة كأنما كتبها شخص واحد في كتب عديدة ومتنوعة، ليس النبرة الشخصية الخاصة بلغة الذاتية أو بالتكوين الذي يمارسه الفنان. هناك عموميات مسيطرة، واختراقها ليس سهلا أبدا، ولذلك كنا نخاف من العموميات ونركز على الفرادة وعلى التكوينات الخاصة التي لا سابق لها. كل شخص له عموميات، والأكثر أن تنتقد حينما تدخل في الخصوصيات. بيار: بيروت التي ساهمت بشكل أساسي في صنع حداثتها وفي صنع ثورتها في تلك الفترة الخصبة التي نسميها العصر الذهبي ببيروت، لا يكتمل الكلام عن سيرتك ودورك فيها دون الكلام عن الجامعة اللبنانية. واسمح لي أن أطلب منك قراءة قصيدة مرتبطة بتلك المرحلة على أن تحكي لنا قصتها، هي "أول اجتياح لكتاب المطابقات والأوائل". أدونيس: لا تقولوا: جُنِنتَ. جنونيَ أحلامكم/أتينا ورسَمْنا الحقولْ جسداً يتفتّح، كنا نقولْ لوْ نجيءُ ونَغْتصب الكونَ. جئنا *** مَن يراكم يراني - أنا الوردةَ الأوّليهْ في رمادِ المساء انكسرتُ، وبالفجر طيّبْتُ جَذْريَ- أوراقيَ الزغبيّهْ تتقاطَرُ في سُلّمٍ/ صوتُ آتٍ أم خُطىً تتناءى؟ *** مَن يراكم يراني - أنا كاشفُ الظّنونْ وأقدّم نفسي للرّعدِ: هذا شُعاعٌ غيّروا صورةَ الطّبيعهْ امزجوا الصّخرَ بالجناحِ، وبالغبطةِ الفَجيعهْ. *** كلّ شيءٍ جديدٌ على الأرضِ / وجهي فضاءٌ والمدى أوّلُ العيونْ *** من يراكم يراني/ صرخْنا: لا طريقٌ سوى النّار، جئنا لا مجيءٌ إذا لم يكن صاعقاً، وجئنا لم تَزل تكبرُ السّجونْ والمنافي ترفّ مع الهُدْبِ، والخوف يعصفُ ، والخائفونْ ورَقٌ، تكبر السّجونْ يهبطونَ إلى الشّعر في جُبّةٍ، في زوايا يَستجيرون بالحدّ، يمشون في فُسحةٍ خرّزيّهْ وأنا الصّاعِقُ الحدودَ، أنا الرّحم الأوّليَهْ. *** ويقولون: هذا غموضٌ ويقولونَ: غَيْبٌ/ غيِّبي كلماتي غَيِّبي خطواتي واجمحي وخُذيني أيّها الشّهوةُ الملكيّهْ؛ إن رأيتَ على مدخل الجامعهْ نجمةً، خُذْ يديها إن رأيتِ على مدخل الجامعهْ كوكباً، عانقيهِ... وكتبنا على مدخل الجامعهْ: التواريخ تنهار، والنّار تَطْغى خُطانا لَهبٌ يتغَلْغَل في جُثّة الأرضِ. نَسْتأصِلُ العائلَه ونقيمُ الصّداقة/ غَنّوا للشّقوقِ التي تجرح الدّهر هذا زمنٌ يتفتّتُ / غَنّوا لهجوم الفجيعهْ أَفْسحوا للمقيّد أن يُولمَ الطّبيعهْ لأغانيهِ.../ تأتينَ تيّاهةً غارقَهْ في محيط الدّم العربيّ، تجيئينَ أشهى من الصّاعقَهْ لا تقولوا: جُنِنتَ. جنونيَ أحلامكمْ / أتينا وهبطنا الظّلامَ، كسرنا قناديله، وجئنا مثل أرضٍ تحنّ إلى الماء، جئنا مثلَ رَعْدٍ تدثّر بالغيمِ/ وَعْدٌ: ستكونونَ فجراً سيكون الزّمان لأحلامكمشُرفاتٍ... كلّ شيءٍ جديدٌ على الأرض، والأبجديّه لَهبٌ، *** والجنونْ سَفَرٌ بينها وبيني/ أَفُقٌ يتهجّى الحدودَ الخفيّهْ، واسمُنا واحِدٌ *** تأسّستُ في شَجَرٍ لا يموتْ ورأيتُ الخُطى، ورأيت البيوتْ وهي تنهارُ / هذا شراري والمسافاتُ حُبلى واسمُنا واحدٌ - ونجتاحُ: هذا مدانا أن نَرُجَّ المداراتِ، أن لا نكونْ غيرَ هذا الجنونِ الجنونِ الجنونْ. بيار: آه.. حلو! أدونيس: شكرا. بيار: هذه قصيدة سياسية. هذا الشعر السياسي بأنبل معاني الكلمة! هل يوجد شعر سياسي أجمل من هذا؟ أدونيس: كل شعر سياسة، الحب نفسه سياسة، لكن أيّ سياسة؟ ليست السياسة السياسية، وإنما السياسة بمعنى بناء الإنسان، بمعنى بناء المجتمع، بمعنى بناء الدولة. كل شيء سياسي بهذا المعنى. وهذا ما يجعل السياسة ذات تأثير كبير، ويجعلها موقعا أساسيا للصراعات الاجتماعية والثقافية والفكرية. بيار: واختيار القصيدة لهذا السبب. كنا ندرس في الأدب مناسبة النص. ما هي مناسبة هذا النص؟
على العكس، كنت أطرح القضايا، ونتناقش فيها جميعا. وأحيانا كثيرة كنت أكلف بعض الطلبة بالقيام بإعطاء درس، فنشأت حركة طلابية أحبتني كثيرا، مما أزعج بعض الأساتذة في كلية التربية فقاموا على الكلية وعلى الجامعة بحجة أن أدونيس ليس معه دكتوراه فلا يجوز أن يجددله عقد التعليم. فصلوني من الجامعة، أو بلغوني بمعنى ما أن عقدي انتهى. أضرب طلاب الكلية وأعانتهم كليات الجامعة بكاملها، وقالوا بصوت واحد: لا جامعة إذا لم يكن أدونيس أستاذا فيها. وكانت ظاهرة تاريخية كبرى، وكان قادتها الطلاب الذين استلموا الثقافة في لبنان: عصا العويت، وبول شاوول، وحمزة عبود، وحسن زبيب.. معظم الطلاب البارزين في كلية التربية قادوا الحركة الطلابية. وفي الأخير أذعنت الجامعة، وقال لي عميد الكلية: لماذا لا تتقدم لنيل شهادة الدكتوراه بمؤلفاتك وغيرها؟ نيلها سهل عليك. فقررت أن أكون دكتورا، وأنا لا أحب الألقاب إطلاقا، لكن للمهنة فقط. واخترت آنذاك الأب بولص المية، وكان رجلا عظيما، وكتبت معه أطروحة الثابت والمتحول، وكنت أعرفها كله، فلذلك لم تأخذ مني إلا وقتا قصيرا. المشكلة حدثت 1971 وفي 1973 كانت الأطروحة جاهزة، وكانت مناقشة مهمة جدا، وأحدثت ضجة آنذاك في اليسوعية. وهذه الأطروحة صارت كتابا كلاسيكيا مصدرا أساسيا لقراءة التراث خارج الأطر القرائية التي تعاقبت على هذا التراث؛ والتي كانت طرقا تكرارية ولم تضف أي شيء. فهذه فتحت أفقا جديدا لقراءة التراث؛ وبالتالي للعلاقة – أو لمستوى العلاقة- مع التراث، ولطبيعة هذه العلاقة. وتحية للطلاب ولمظاهراتهم التي كتبت هذا النص. ____________ * نقلا عن قناة الميادين. |
