| المثقفون الجدد |
| الخميس, 03 سبتمبر 2015 08:23 |
|
المختار ولد داهي
ومنهم طائفة أخرى كان الناسُ يَتَحَسًرُون على فَقْدِهِمْ الأمل في فُرَصِ العمل حين سَلًمُوا أنفسهم لليأس والقنوط فأسندوا ظهورهم لجذوع شجر الساحات العمومية القليلة والصغيرة الباقية بانواكشوط - بعد عَبَثِ أَرَضَةِ القطع الأرضية من الموظفين و"فرسان السندات العقارية"- وهم يلعبون طول النهار وزُلَفا من الليل لُعْبَةَ "العيدان والبَعرِ". وبين طرفة عين وانتباهتها إذا بهم يركبون آخر صَيْحاتِ موضات السيارت الرباعية الفارهة ويملكون من حُمرِ النعم الآلاف ويُنَافِسُوَنَ على رئاسة قبائلهم والكُل يَرْقُبُ بين حَامِدٍ وحَاسِدٍ وغَابِطٍ، وليس منهم مستغربٌ ولا متأففٌ ولا مستنكرٌ؛ فالنقود عند بقية العالم بلا رائحة وعندنا في موريتانيا رائحتُها دوما نقيةٌ زكيةٌ!! وألسنة الرأي العام رَطبَةٌ من تسمية هؤلاء بالأثرياء الجدد. وجماعة أخرى غادروا قاعات الدرس الإعدادي مُطَأْطِئِي رُؤُوسِهم وبعد فترة من التيه دَلَفُوا إلى الأسواق بَيْعا وشراء ووساطة، تارة يربحون وكثيرا ما يخسرون، تحولوا بضربة عصا سحرية إلي نجوم رُفُوفِ المكتبات العلمية والمقالات الفكريةّ والحوارات التلفزيونية والندوات الثقافية وُجوهُهُمْ من فولاذ مُخَصب، لا يعرف الحياءُ إلى قلوبهم طريقا، بِضَاعَتُهم العلمية مُزْجَاةٌ، يجادلون فيما ليس لهم به علمٌ وهم "المُثَقًوُنَ الجُدُدُ"!! ويمكن تصنيف ما هو موجود بالمشهد السياسي والإعلامي والثقافي من المثقفين الجدد إلى عدة فئات أذكر منها مثلا لا حصرا: أولا: فئة المفكرين والمؤلفين؛ وهم جماعة تُفاجئ الرأي العام بين الفينة والأخرى ببعض المُؤلفات والكتب تُعجبك "أجسامُ" تلك الكتب حَبْكًا وغلِافا ووَرَقا والسائل عن مضمونها حاسدٌ حاقدٌ مُكْثِرٌ!! تملأُ أسماء جماعة المفكرين هؤلاء رُفوفَ جناح الكُتًابِ الموريتانيين في المكتبات التجارية بالوطن وبالخارج، لا يُعرف عنهم اهتمامٌ سابق بتحصيل العلوم ولا تعليمها يشاع أنهم يستأجرون بعض الأدمغة والأقلام فيكتبون لهم كُتُبا حول بعض المواضيع المستجدة سعيا منهم إلى الانتساب لدوحة المفكرين والمؤلفين. ثانيا: كُتاب المقالات ورواد السجالات الكتابية؛ وهؤلاء جماعة يَعْمُرُون كل الجرائد والمواقع الألكترونية بالمقالات والسجالات الكتابية حول كل المواضيع، دَيْدَنُهم مدحُ جماعة أو فرد أو الدفاع عنهما. إذا دُعوا إلى حوار مباشر امتنعوا وأحْجَمُوا وألقوا المعاذير، تَقْرَأُ لهم كثيرا ولا تسمع منهم مطلقا. يَستغرِب الناس مواهبهم الخفية و"غير المباشرة" ومن الناس من يجزم بأنهم أُميُونَ أو أشباه أميين يؤجرون أقلاما تفكر وتكتب لهم. ومن أماراتهم أنهم دائما يَصْحَبُونَ كتابا معهم يحفظون عنوانه واسم مؤلفه ولا يفقهون شيئا عن مضمونه، إن سألتهم عنه أجابوك بأنهم اقتنوه للتو ولو أنهم تَأَبًطُوهُ وتَأَنقُوا به منذ أشهر!! ثالثا: نُجوم الفضائيات والندوات والملتقيات والجَلَسَاتِ؛ ومن أبرز صفاتهم غلاءُ وأناقةُ الملبس، مُتمثلين قول الإنجليز إن "حُسْنَ الملبس مفتاحٌ لكل باب"(Good clothes open all doors) لا يخلو منهم مَحفل ولا مُلتقي ولا مَجلس.. إذا رأيتهم حسبتهم دكاترة مُبَرزِين. مُتنطِعُون لم يَدْرُسُوا قط علما أفكارهم مهلهلةٌ: فكرةٌ شرقيةٌ وأخرى غربيةٌ ويعرفون من كل فن نتَفًا أغلبُهم لا يتقنون القراءة ولا الكتابة. يَدُسون أنوفهم في كل حديث حتى ولو كان عن الفيزياء النووية؛ مُسْتَشْهِدِين بأقوال الإذاعة الوطنية الناطقة بالعربية!! يتقولون على الساسة والمفكرين وينسبون لهم ما لم يقولوا ويَرْوُونَ عنهم مُحَرفا ما قالوا ولا يَهُمُهم دقة ولا صحة ما قالوا. هم لسيبويه أَلَداء الخصام يُرَصّعُونَ حديثهم بكلمة أو اثنتين من الفرنسية ولا تُشترط سلامتهما من العيوب الصرفية ولا النحوية. هؤلاء المثقفون الجدد يحتلون اليوم الجزء الأكبر من المشهد السياسي والإعلامي والثقافي الوطني، ومن أعظم مساوئهم طَرْدُهُمْ للمثقفين الأقحاح إعمالا لمفعول النظرية القائلة بأن "العُملة السيئة تطرد العُملة الجيدة" (La mauvaise monnaie chasse la Bonne) فهل من مجير!!! |
