قَارِعَةُ "السِيَاسَةِ الصَّفْرَاءِ"
الاثنين, 26 أكتوبر 2015 08:23

 

المختار ولد داهي

altالسياسة في الأصل رَئِيسَة وسيدة المهن النبيلة، والساسة هم رؤساءُ القوم وأسيادُهم وقادةُ الرأي العام، وهم "المُوَقِّعُونَ عَن العَالَمِينَ" تماما كما أن العلماء هم "المُوَقِّعُونَ عَن رَبِّ العَالَمِينَ" ومن المتواتر عليه عند كافة أهل الفكر والنظر أنه إذا صَلُحَتْ السياسة صَلُحَ المجتمع، وإذا فسدت السياسية وتَرَدَّتْ كان المجتمع أشد ارْتِكَاسًا وابْتِئَاسًا وإِفْلاسًا..

وقد نَزَلَتْ واستوطنت بلادَنا – للأسف- منذ السنوات الأولى بعد الاستقلال قَارِعَةٌ في شكل طَبْعَةٍ جديدة ومُشَوَّهَةٍ من السياسة يمكن أن تسمى "السياسة الصفراء" قياسا على الصحافة الصفراء و"الإدارة الصفراء" و"النُخَبِ الصفراء". وهي نوع من السياسة أَخْرَسَ رَفِيعِي الكفاءات والأمانات والمُرُوءَاتِ، وأنطق خَفِيضِي الدَّرَجَاتِ و"مُقَاوِلِي المؤامرات" ومُسْوَدِي الملفات.
وقد انتعشت تلك الطبعة من السياسة في ظل العهود الاستثنائية التي أَثْخَنَتْ في هذه الأرض وأَنَاخَتْ بكَلْكَلِهَا و"أَحْذِيَتِهَا" عقودا من الزمن، ولا زالت رَوَاسِبُهَا المشينة أَعْتَى وأَرْسَى من رواسب العبودية البغيضة. وقد تم "طَبْخُ" السياسة الصفراء أول مرة في "مطابخ الشرطة السياسية" التي كانت العقل الناظم والمدبر للأنظمة الاستثنائية والمسؤول عن تصور واتخاذ حَرَامِ التدابير والإجراءات وحَلالِهَا من أجل استدامة و"تَأْبِيدِ" الأنظمة الأحادية.
ذلك أنه لما فطنت الأنظمة الاستثنائية وبطاناتها و"شَوَاِكُلَها" إلى خطر اليقظة السياسية النوعية والعريضة للشباب الموريتاني في العشريات الأولى التي تلت الاستقلال على استقرار "عُرُوشِهَا" لجأت إلى اعتماد خطة لِشَيْطَنَةِ وتَمْيِيعِ السياسة، فأشاعت في الناس عبر "الهَاتِفِ العَرَبِي" لشياطين الإنس أن النضال السياسي كُفْرٌ بكتب الله وإيمانٌ "بالكتب والمواثيق" الحمراء والخضراء، وموالاةٌ للمشركين وتحريضٌ للفتن العنصرية وعَمَالَةٌ لحلفاء الصهاينة الغاصبين..
 كما عَمِدَت الأنظمة الاستثنائية التي تعاقبت على البلد، مع تفاوت في القسوة والتطرف، و"بِدَائِيَّةِ" و"وَقَاحَةِ" وسائل القمع المعنوي والمادي، إلى التجنيد و"التَّفْويجِ" و"التّعْمِيدِ السِّيَاسَوِي" للآلاف من العاطلين والفاشلين والمنحرفين و"الإِخْبَارِيِينَ"و"مَقْطُوعِي القِبَالِ من النِعَالِ" والعاجزين عن أدنى مخرجات التفكير والتّحْبِيرِ والتّعْبِيرِ، ابتغاء إغراق المشهد السياسي الوطني وإحراج وإخراج - أو إخراس- المناضلين الشرفاء والصادقين ذوي الكفاءة والاستقامة والتضحية السياسية من "فَضَاءَاتِ" الفعل الإيجابي والمَتْنِ السياسي والاجتماعي إلى "أقْفَاصِ" الهامش السوسيو اجتماعي و"المراقبة عن بعد".
ولقد نجحت "معامل السياسة الصفراء" في تحقيق مقاصدها تلك؛ فلا يُخطئ المتأمل للمسار السياسي والإعلامي و"المدني" الوطني ملاحظةَ عُدْوَانِيَّةَ وتَغَوُّلِ واسْتِئْسَادَ نجوم السياسة الصفراء خلال العهود الاستثنائية، وبقايا حضورهم أثناء الأحكام الديمقراطية، وتصدرهم بعض المحافل والمشاغل، وهبوطهم بالنقاش والجدل السياسي والاجتماعي والإصلاحي إلى الدَّرَكَاتِ السفلى من الإِسْفَافِ والغِيبَةِ والنميمة والبهتان والتنابز بالشائعات عبر الإعلام الوطني، وحتى الإقليمي والدولي.
ويعتقد الكثير من المحللين الوطنيين أن رموز و"أبَاطِرَةِ" السياسة الصفراء المتواجدين في قطب الأغلبية وجناح المعارضة على حد سواء إنما يَقْتَاتُونَ على الاستقطاب والحَدِّيّةِ والتجاذب العنيف بين الموالاة والمعارضة، وأنهم هم المسؤولون عن ظاهرة التجاذب السياسي العنيف و"التّأْزِيمِ بِلا سَبَب" التي كثيرا ما "يُمْسِكُ الحُذّاقُ المحايدون رُؤُوسَهُمْ بأيديهم" صدمة وعجزا عن معرفة أسباب تكرارها واستعصائها.
وإذا تَمَهّدَتْ فكرة مسؤولية قَارِعَةِ السِّيَاسَةِ الصّفْرَاءِ عن تدهور الحال الاجتماعي والسياسي في البلد فإن المطالبة واردةٌ ومُلِحّةٌ بإدراج "تجديد (بل تَطْهِيرِ) السياسة" بدل بند "تجديد الطبقة السياسية" كعنوان كبير ضمن عناوين الحوار الوطني المرتقب؛ والذي نرجو صادقين أن تتداعى إليه جميع القوى السياسية من المعارضة والموالاة بلا استثناء بروح من الإيثار والمسؤولية وتقدير "اللحظات العربية والإسلامية والإفريقية الحُبْلَى بل المَوَاخِضِ..".
وأكاد أجزم أنه إذا ما تم إدراج بند "تطهير السياسة" ضمن مواضيع الحوار، وقدر للأخير أن يتداعى إليه سائر "الجسم السياسي الوطني" فيلتئم جامعا مانعا وعاصما.. فإن إجراءات قانونية وأدبية سيتم اتخاذها من مثيل:-
* ترفيع المؤهلات العلمية للولوج إلى المناصب القيادية بالأحزاب السياسية.
* اعتماد معيار انتظام المسار المهني السياسي في أهلية قيادة الأحزاب السياسية.
* محاربة "التبييض السياسي" باشتراط الخلو عشر سنوات على الأقل من السوابق العدلية وخَوَارِمِ المروءة لممارسة العمل السياسي القيادي.
* سَنُّ عقوبات تأديبية وتعزيرية للقضاء على قاموس "الغُلُوِّ الهجائيِّ والمديحيِّ" من قبيل "الطغمة الحاكمة".. "العائلة الحاكمة".. "الأنظمة البائدة".."المبادرات الجماعية والفردية".. "الدعم اللامشروط".. و"مُلْتَمَسِ التأييد والمساندة"..

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

الآن في المكتبات

فيديو

المتواجدون الآن

حاليا يتواجد 1 زائر  على الموقع