| تعزية في موت شارون |
| الأربعاء, 15 يناير 2014 22:27 |
|
عبد الله محمدن امون
هل أقول إلى دولة إسرائيل مع علمي أنه مصطلح مرفوض أخلاقيا من قبلنا نحن المسلمين وظل محل جدل من الناحية القانونية حتى من قبل بعض اليهود أنفسهم منذ أن تخلق ذلك السرطان مضغة عفنة في ليلة حالكة الظلمة من الرابع عشر من شهر مايو عام 1948 في الجزء الذي خصص له قرار التقسيم من أرض فلسطين المباركة. ومنذ ذلك التاريخ بقي الجدل قائماً حول هوية ذلك الكيان وهوية مواطنيه. وربما تكون (إسرائيل" - كما يقول الدكتور أسعد عبد الرحمن- هي الوحيدة في هذا العالم التي ترفض إعطاء اسمها كهوية قومية لمواطنيها. ومؤخراً، أصدرت المحكمة العليا للكيان قراراً نافذاً ركز عليه الإعلام الإسرائيلي كثيراً جاء فيه: "المحكمة الإسرائيلية العليا ترفض اعتبار القومية الإسرائيلية هوية وطنية لأنها تهدد قواعد الدولة" وهكذا يكون الكيان الصهيوني بدون اسم وبدون هوية قومية أو وطنية. هل أوجه التعزية مثلا إلى شعب إسرائيل أو الشعب اليهودي لكن حتى هذا المصطلح لا يستقيم؛ حيث يصطدم بواقع أن الكيان الحالي لا ينحدر معظم أفراده من ذرية نبي الله يعقوب (الذي سمي نفسه بلقب إسرائيل) وبالتالي لا ينتمون أيضا إلى اليهود (نسبة إلى يهوذا، وهو أبو أحد الأسباط الاثني عشر من ولد يعقوب) كما أنه الوحيد الذي ترك عقبا، فقد هلك نسل بقية الأسباط بعد خروجهم من مصر، وهذا ما دعمته الحقيقة الصادمة التي ظهرت مؤخرا بواسطة التحليل الجيني الذي كشف علمياً أن اليهود الأشكناز الأوروبيين (الذين اعتنقوا الديانة اليهودية في القرن السابع الميلادي) هم أخلاط من أمشاج مختلفة لا تمت للسامية بصلة أبداً! وهي الحقيقة التي رأى فيها كثيرون بداية لتفتت الكيان الإسرائيلي من الداخل بفعل غياب عامل موحٍدٍ يتفق عليه كل حاملي وثائق الكيان, أما من الناحية الجغرافية السياسية والدينية فإن أكذب المؤرخين لم يستطع القول بأنه كان هناك في وقت من الأوقات، وفقاً للتوراة، أية ولاية أو مملكة تدعى مملكة إسرائيل. ولكن لم ننازع شعب الكيان في أصله؟ لم لا نقر لهم بإسرائيليتهم ويهوديتهم؟ نعم لنقل إنهم يهود ونثبت لهم نسبتهم إلى نبي الله يعقوب عليه السلام، وهو ما يمكننا من توجيه الخطاب لهم دون لبس, ولكن ذلك يفرض علينا التعامل مع حقائق قرآنية لا تقبل الجدل، إن قصة أصحاب السبت لا خلاف عليها، كما لا خلاف على أن أصحاب السبت كانوا يهودا أقحاحا، ولا خلاف – أخيرا- على أن الله مسخهم قردة وخنازير. من هنا نستطيع أن نحدد هوية مخاطَبنا بصورة لا لبس فيها فنقول:يا إخوان القردة والخنازير.. وبما أن التعزية تقتضي ذكر بعض محاسن ومناقب الميت، فلنبحث عن بعض ما نستطيع أن نذكره عن شارون في هذا الباب وسوف نعتمد على شهادات بعض من عاصروه أو كتبوا عنه, لكن قبل ذلك نتساءل عن هذا "الفقيد". كانت ليلة الثامن والعشرين من فبراير عام 1928 ليلة غير عادية, لقد اقترب كوكب العقرب في تلك الليلة من القمر كثيرا وهو ما يعد لدى المنجمين (وقد كذبوا وإن صدقوا) نذير شؤم لا خلاف عليه, لقد كانت ليلة شتائية كئيبة على قرية ميلان الفلسطينية الوادعة التي لم يستطعم سكانها النوم ليلتهم من فرط نعيق الغربان ونباح الكلاب، كانت ليلة رقص فيها المردة من أحفاد إبليس فرحا وطربا حتى مطلع الفجر, ليلة أبى صبحها أن ينجلي لأن الشمس كأنما ترددت طويلا في الشروق نفورا من رؤية الوافد الجديد. في تلك الليلة -وتحديدا في أحد جحور ما سيعرف فيما بعد بمستوطنة "كفار ملال"- ولد الصّلّ الصغير "أرييل" لأبيه الثعبان صموئيل مردخاي شرايبر، وأمه الحية الرقطاء فيرا شنيئورسون، لأسرة من أصول بولندية عملت في مزارع الموشاف في فلسطين بعد أن فرت إليها خوفاً من بطش النازيين. وقبل أن نخوض في تاريخه مع الدم والقتل ضد العرب لا بأس أن نتطرق إلى نبذة عن حياته الشخصية حياة شارون الشخصية والعائلية عرف الثعبان الصغير "أرييل شارون" منذ نشأته بالعدوانية والميل إلى العنف، فقد كان يحمل دوما معه عصا صغيرة لإخافة وابتزاز أقرانه من أبناء القرية رغم أن تلك العصى لم تمنع مراهقا فلسطينيا ذات غداة من أن يذله ويهتك "عرضه" وهو ما قال شارون إنه تسبب في كراهته للعرب, وبعد عثرات طويلة في التعليم أرسله والده لدراسة الزراعة، ولكنه فشل في ذلك وكأنه كان يستشرف نصيحة بن غوريون له بعد ذلك بسنوات حيث قال له ناصحا: لا تقرأ يا أرييل فأنت لا تصلح إلا للقتل ونحن نريد قتلة أكثر من مثقفين. في كتابته لسيرته الذاتية – حول حياته الشخصية- لم يتورع شارون عن الكذب. فهو يزعم أن زوجته الأولى ماتت بحادث سير لان مقود سيارته كان على الطراز الانكليزي. وأن ابنه (11 سنة) قتل خطأ على يد طفل آخر كان يلعب ببندقية شارون نفسه، وقد تناسى شارون - حسب بنزيمان- أن زوجته مارغاليت انتحرت عام 1962 لأنها اكتشف أن زوجها على علاقة مع شقيقتها ليلي، وقد تزوجا بالفعل بعد انتحار الزوجة، أما بخصوص مقتل ابنه، فإن شارون لم يكن مسامحا كما حاول الإيحاء في مذكراته، بل مارس أبشع عمليات الإرهاب والانتقام ضد القاتل وأهله، بحيث أجبرهم جميعا على الهرب من المنطقة والسكن في مدينة أخرى. ولم يكن سجله الشخصي أو العائلي نظيفا أبدا؛ فما زالت معركة فساد ابنيه عومري وجلعاد -والتي لم تنته حتى الآن- قائمة، وما زال الادعاء العام في إسرائيل يرفض إغلاقها نهائيا واكتفى بالتسوية التي أبرمها مع عومري شارون, بل إن شارون نفسه مات وهو متهم بتلقي رشى من رجال أعمال في إسرائيل من أجل تسهيل أعمالهم, ومن أبرز هؤلاء الرجال سيريل كيرن رجل الأعمال الجنوب إفريقي.
شارون المهوس بالدم والقتل والتعذيب يقول ضابط الموساد المتقاعد الينوري مارن في مذكراته إن شارون كان يطلب منهم القيام بأفعال يندى لها الجبين، ويقوم هو بما عجزوا هم عن القيام به من تعذيب الفلسطينيين، كما أكد أن شارون فضل مرة أن يحتفل بعيد ميلاده عن طريق إطفاء شموع خاصة وهي قتل 20 طفلا، وفي طريقه وجد امرأة تحمل رضيعا فقام بفصل رأسها عن جسدها، وبعدها أمر بإشعال النار وقذف فيها الرضيع الذي كان كلما تعالت صرخاته تتعالى ضحكات شارون، وبعد أن احترق الرضيع يقول الينوري, أشار إلى قائلا: إن هذا الرضيع لا يدخل في حساب العشرين طفلا. ويواصل الينوري مارن في مذكراته قائلا: وحل دور الخمسة الذين قادتهم براءتهم إلى اللعب في الشارع ليس بعيداً عن منطقة الجليل فأمر جنوده البطاشين بأن يختطفوهم وهم لا يتجاوزون الست سنوات، حيث أمر بتعذيبهم وبعدها أحرقهم كما فعل بالرضيع ويضيف الكاتب أنه خلال ساعة ونصف تم القضاء على 15 طفلا فلسطينيا.
شارون والمجازر الجماعية يعلم الجميع أن شارون كان بطل مجازر صبرا وشاتيلا اللتين راح ضحيتهما مئات الفلسطينيين في مخيمين للاجئين بالعاصمة بيروت, لقد صمم "الفقيد" المجازر وأمر بتنفيذها وسهل للجناة فعلتهم وفتح لهم الطريق بعد احتلال بيروت عام 1982م، وكان شعاره "بدون عواطف"!! وكانت مذبحة مروعة قتل وذبح فيها 1500 من النساء والرجال والأطفال، رغم أن الإحصائيات تفاوتت، فأوصلها البعض إلى 3500 شخص، ولكن المتفق عليه أن عددا كبيرا قتل بهذه الجريمة البشعة ضد الإنسانية، وتم التمثيل بالجثث وبقر البطون، وقطع الأطراف، واغتصاب النساء والفتيات بشكل متكرر. لقد بلغت بشاعة تلك المجازر حدا جعل حكومة الكيان تقرر طرده من منصبه عام 1983 بعد إدانته بالقتل من خلال التحقيقات التي أجرتها محكمة إسرائيلية في عملية غزو لبنان. ولكن ما لا يعلمه الكثيرون هو أن تلك المجازر لم تكن إلا حلقة في مسلسل مجازر دأب ذلك السيكوباتي على ارتكابها كل ما سنحت الفرصة؛ فتاريخه مع النار قديم وسوابقه في المذابح لا تحصى. لقد انخرط شارون في صفوف منظمة الهاغاناه عام 1942 وكان عمره آنذاك 14 سنة. وانتقل للعمل في الجيش الإسرائيلي عقب تأسيس الكيان ليشارك في معركة القدس ضد الجيش الأردني. بدأ تاريخه مع المجازر نهاية الأربعينات، حيث اشترك بفاعلية في مذبحتي دير ياسين واللّدّ عام 1948م، وأصيب في نفس العام في بطنه في معركة اللطرون ووقع أسيرا بيد الجيش العربي الأردني على يد النقيب حابس المجالي الذي عالجه – وليته لم يفعل- ونقله إلى الخطوط الخلفية وهو لا يعلم أنه بذلك يحفظ روحا ستزهق آلاف الأرواح العربية بعد ذلك ليتم تبديله بأسير عربي عندما جرى تبادل الأسرى بعد الهدنة الثانية. كانت أولى اعترافات شارون للأردنيين بالجميل - بعد أن عالجوه وبادلوه بأسير آخر- هي قتل 170 مدنيا أردنيا حينما اتجه سنة 1953 على رأس الفرقة 101 وهي عبارة عن وحدة خاصة كان أنشأها قبل ذلك بسنة وتتكون من اليهود المحكوم عليهم في جرائم قتل، والذين يمضون أحكاما طويلة في السجون الإسرائيلية، توجه "الفقيد" بكتيبة الموت تلك إلى قرية قبيَّة العربية التي تقع شمال القدس في المنطقة الحدودية تحت إدارة الأردن، ثم حاصرها وأمطرها بوابل من نيران المدفعية فدكت القرية دكاً على من فيها، وقد دلت مواضع الإصابات في أجسام الضحايا الذين سقطوا على أنهم لم يُعطوا فرصة مغادرتها كما يقول تقرير قائد مراقبي هيئة الأمم المتحدة. من الصعب إحصاء "مناقب الفقيد" المتصلة بعالم القتل والتآمر والاغتيال، لكننا نستطيع أن نضيف إلى ما سبق أنه قام بالأعمال التالية: - ارتكاب مذابح ضد الأسرى المصريين عام 1967، مما أدى إلى مصرع ثلاثة آلاف أسير أعزل، بالاشتراك مع آخرين من ضباط الجيش الصهيوني. وقد تباهى شارون بذلك ونُقلت عنه تصريحات يقول فيها: لقد كنت آمر الجنود الأسرى بحفر قبورهم بأيديهم - في عام 1971 ترأس عملية هدم ألفي منزل فلسطيني في محاولة للقضاء على مقاتلي جيش التحرير الفلسطيني.. - اجتياح بيروت سنة 1982 وتدمير أجزاء كبيرة منها. - تدنيس المسجد الأقصى بزيارته له في 28/9/2000م تحت حراسة ثلاثة آلاف جندي يهودي مدججين بالسلاح. - مذبحة جنين 2002م. - عملية بناء "السور الواقي". - القيام بالكثير من عمليات الاغتيال ضدَّ أفراد المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها اغتيال الشيخ أحمد ياسين.
من "مأثور"أقواله صرح في مقابلة مع الجنرال أوزي مرحام، عام 1965، بقوله: "لا أعرف شيئا اسمه مبادئ دولية، أتعهد بأن أحرق كل طفل فلسطيني يولد في المنطقة، المرأة الفلسطينية والطفل أخطر من الرجل، لأن وجود الطفل الفلسطيني يعني أن أجيالا منهم ستستمر". وفي خطاب له عبر الإذاعة الإسرائيلية. 5 نوفمبر 1998 قال: جميعنا يجب أن يتحرّك، أن يركض، يجب أن نستولي على مزيد من التلال، يجب أن نوسّع بقعة الأرض التي نعيش عليها. فكل ما بين أيدينا لنا، وما ليس بأيدينا يصبح لهم".
يمهل ولا يهمل يوم الأربعاء 4 يناير 2006 أخذه الله أخذ عزيز مقتدر فأصيب بجلطة دماغية سببت له فقدان وعيه. أدخل إلى مستشفى (هداسا عين كرم) في القدس حيث أجريت له عملية دامت 6 ساعات لكنه لم يعد إلى وعيه ومنذ ذلك اضطر الأطباء إلى إعادته لغرفة العمليات بضع مرات بعد أن اكتشفوا وجود مناطق أخرى في الدماغ تعاني من النزيف، ومشكلات صحية أخرى.
المعاناة والشعور بالألم هناك نوعان من الغيبوبة أحدهما يسمي غيبوبة كاملة بحيث يكون المريض على قيد الحياة لكنه لا يحس بأي شيء, أما النوع الثاني فهو ما يسمي بغيبوبة الوعي الأدنى حيث يحتفظ المريض بجزء من وعيه بحيث يشعر بالألم والمعاناة وهي أصعب وضعية يكون فيها المريض؛ فلا هو في حالة غيبوبة كاملة تفقده الشعور بالإحساس، ولا هو في وعي يمكنه من التعبير عما يشعر به، لكنه يتعذب ويتألم داخليا. وهذه هي الحالة التي أمضي فيها شارون ثمان سنوات من عمره كما صرح بذلك الطبيب المسؤول عنه في مقابلة صحافية مع إذاعة (غالي تساهل) في 17 سبتمبر 2008 حيث قال إنه في حالة "الوعي الأدنى" حيث يحس بالألم ويرد ردًا أساسيًا على سماع الأصوات, وذلك ليذوق من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لكنه ما كان ليرجع فمثله لم يخلق لينعم برحمة الله.
|
