| العروبة لا تموت... برحيل دعاتها |
| الجمعة, 27 مايو 2016 07:48 |
|
معن بشور
ورغم تقديري العالي للعاطفة النبيلة المفعمة التي تغمر المقالتين اتجاه كبيرين يعتز بعطائهما لبنان والعرب، إلا أنني أود تسجيل بعض الملاحظات الضرورية حول المقالتين، لا سيما أنهما حاولا تصوير رحيل الكبيرين وكأنه نهاية للعروبة والقومية العربية. وهو أمر أعتقد أن الراحلين الكبيرين كانا أول من سيعترض عليه، لأنهما طالما اعتبرا نفسيهما جزءا من هوية ثقافية حضارية عربية وحركة قومية عربية تقدمية ديمقراطية بدأتا منذ عقود؛ بل منذ قرون، وستبقيان - كهوية وكفكرة- مستمرتين لعقود قادمة. وإلا كيف نفسر تمسكهما بهذه الهوية وتلك الفكرة حتى الرمق الأخير رغم ما كان لهما، ولغيرهما، من ملاحظات حول سلوك وممارسات بعض من كان محسوبا على العروبة والقومية، فلم يعبّر عنهما بشكل سليم؛ بل كما أرادت مجموعات واسعة من القوميين العرب الذين سجّل الكثير منهم - بالاستشهاد أو الاعتقال أو الحصار- اعتراضهم على هذه الممارسات.. الملاحظة الأولى أنها ليست المرة الأولى التي ينعى بها البعض العروبة والقومية العربية؛ فبعد كل حدث جلل، أو مصاب عظيم، يسارع عدد من المثقفين والكتّاب إلى نعي العروبة وإعلان وفاتها، حتى أمكن القول إن عدد المرات التي نعى فيها البعض العروبة هو الذي يؤكد أنها ما زالت حيّة، وستبقى حيّة، لأن الهويات - كما الأفكار الجامعة- لا تموت. قد ينتكس حاملوها، أفرادا أو جماعات أو أحزابا أو أنظمة، لكنها لا تموت؛ بل هي تتجدد بقدر ما تصحح الأخطاء، وتراجع التجارب، وتستعيد المبادئ الأساسية التي تنطوي عليها الهوية العربية الجامعة، والحركة القومية التحررية الديمقراطية التقدمية. الملاحظة الثانية أن نعي العروبة والنهضة القومية العربية على يد الكاتبين المحترمين يأتي في زمن تتعثر فيه كل الأفكار والمشاريع التي قدمت نفسها بديلا عن الهوية العربية والحركة القومية؛ فالقطريات تتهاوى وتتفكك أمام عواصف التشظي والتفتيت على أسس عرقية وطائفية ومذهبية، والفكر الديني المعادي للعروبة يجنح نحو التقوقع والتمذهب والانكفاء والتعثر، والفكر الليبرالي الذي قدم نفسه بديلا للانتماء القومي ونقيضا للالتزام الوطني تحول مع البعض إلى ستار يخدم مصلحة كل من أراد تفتيت الكيانات الوطنية نفسها، أما اليسار الماركسي فقد أدرك أبرز قادته ومفكريه خطأ من اعتقد يوما بإمكانية فصل القضية الاجتماعية عن القضية القومية. الملاحظة الثالثة أن نعي العروبة والحركة القومية العربية على يد الكاتبين الصديقين يأتي في زمن تلجأ فيه اليوم أنظمة وحكومات، طالما حاربت الحركة القومية العربية ورموزها، إلى العروبة والقومية العربية لتغطية سياسات وتبرير حروب وممارسات بعيدة كل البعد عن روح العروبة الإنسانية وطبيعة الحركة القومية التي اعترفت أخيرا بأهميتها. الملاحظة الرابعة أن الكاتبين الكريمين قد قفزا في خلاصتيهما المتسرعتين حول جملة ظواهر شعبية وثقافية ونضالية ما زالت قائمة ومتحركة، رغم الحصار المادي والإعلامي الشديد عليها، ومن أطراف متناقضة، وقد كان الراحلان الكبيران من رموز هذه الظواهر وقادتها وملهميها في أحيان كثيرة. إن حركة المؤتمرات والمنتديات القومية العربية التي ضمت منذ ربع قرن المئات من أبرز الشخصيات والقوى العربية على مستوى الوطن الكبير، وحركة الأحزاب القومية الفاعلة في مشرق الوطن العربي ومغربه، وحركة المخيمات والندوات الشبابية العربية السنوية المتنقلة من قطر إلى آخر، وحركة مراكز الأبحاث والدراسات القومية، وأبرزها مركز دراسات الوحدة العربية، التي باتت الأولى بين مثيلاتها في الوطن العربي، كلها مؤشرات على حيوية العمل القومي العربي رغم كل ما يواجهه من حصار وتشويه وصعوبات. كما أن نيل المرشح الناصري القومي العربي حمدين صباحي ما يقارب خمسة ملايين صوت في الانتخابات الرئاسية المصرية عام 2012، ونيل الإسلامي العروبي، عضو المؤتمر القومي العربي، عبد المنعم أبو الفتوح، عددا مماثلا من الأصوات، وارتفاع صور جمال عبد الناصر بكثافة في ميادين مصر والعديد من أقطار الامة، وتشبيه الرئيس السيسي بالرئيس عبد الناصر في إطار الترويج له كمرشح للرئاسة المصرية.. وغيرها، مؤشرات تفيد أن شعب مصر ما زال يتطلع إلى مرحلة كان يقودها أحد أبرز رموز الحركة القومية العربية في القرن الماضي: الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.. كذلك فإن ملايين الجزائريين الذين خرجوا قبل شهرين يهتفون لمنتخب فلسطين لكرة القدم في مواجهة منتخب الجزائر ويقولون: "فلسطين لا تخسر في الجزائر" والنائب المصري الناصري كمال أحمد الذي تسبب بحذائه في طرد النائب "المطبّع" مع الصهاينة توفيق عكاشة، والطفل التونسي الذي خسر بطولة العالم في الشطرنج لأنه رفض أن يجلس في مواجهة طفل اسرائيلي، والمسيرات المليونية في المغرب من أجل فلسطين والعراق ولبنان، ومثيلاتها في اليمن رغم الحرب والقصف، والمبادرات الثقافية المتلاحقة بين شباب الجزيرة العربية والخليج، كلها إشارات إلى أن الروح العروبية ما زالت متأججة في قطاعات واسعة من أبناء الشعب العربي رغم كل الخيبات والعثرات والأخطاء والخطايا التي ارتكبت باسم العروبة والقومية العربية. وفي العراق، لم يعد صعبا أن نلاحظ أن العروبة كهوية لغالبية العراقيين كانت مستهدفة من الاحتلال الأمريكي وإفرازاته منذ اللحظة الأولى لهذا الاحتلال الذي رفض أن يعترف بوجود عرب في العراق؛ بل بوجه طوائف ومذاهب وأعراق كما نص دستوره المصنوع أمريكيا والمحتضن طائفيا وعرقيا وإقليميا. في سوريا، وبغض النظر عن رأي البعض في تحليل ما يجري على أرضها، فإننا نلاحظ أن أعداء وحدة سوريا ومستقبلها يركزون في كل محاولاتهم ومشاريع دساتيرهم على ضرب "عروبة" سورية، كما هو واضح في الضغط لتغيير اسم "الجمهورية العربية السورية" إلى "الجمهورية السورية".. لإدراكهم أن ضرب عروبة سوريا هو ضرب لوحدتها ولدورها وموقعها في النهوض القومي العربي. الملاحظة الخامسة لقد تجاوز الكاتبان العزيزان حقيقة أن النهضة القومية العربية باتت اليوم مشروعا نهضويا تحمل لواءه قوى وشرائح اجتماعية وسياسية واسعة من انواكشوط حتى مسقط؛ وهو مشروع لا يموت مع موت بعض أبرز حامليه، كما لم يمت سابقا مع رحيل النهضويين الكبار في حياة أمتنا.. وأظن أن الوزير درباس والأستاذ نصار يشاركانني الاعتقاد أن الرابطة العربية كرابطة ثقافية جامعة عابرة للطوائف والمذاهب والأعراق قد باتت اليوم الملاذ الآمن لمجتمعات تكتوي بنار العصبيات الطائفية والمذهبية والعرقية المتأججة.. بل باتت حقيقة جيوسياسية تتشابك في إطارها المصالح الاقتصادية والسياسية والثقافية والأمنية والإستراتيجية للدول العربية التي تعيش في عالم لا مكان فيه إلا للتكتلات الكبرى.. فأن تكون عصريا في بلاد العرب اليوم هو أن تكون عروبيا وحدويا ديمقراطيا ساعيا لوحدة تتكامل فيها خصوصيات المكونات القائمة في الوطن الكبير كما لصيغة ديمقراطية تتفاعل فيها الكيانات الوطنية دون طمس كيان لصالح كيان أكبر أو أغنى أو أقوى.. أجدد الشكر للصديقين المحترمين، لأنهما سمحا لي أن أسلّط الأضواء على جملة ملاحظات حول العروبة كثيرا ما تتعاون على طمسها "أخطاء الأشقاء وجهل الحلفاء ومؤامرات الأعداء" وهو ما لا يخفى على الكاتبين الكبيرين.
|
