مرطبات سياسية على مائدة الحوار الموريتاني
الاثنين, 21 سبتمبر 2015 09:40

 

بقلم: فاطمة الملقبة النجاح بنت محمد محمذن فالalt

من شنقيط دعا رئيس الجمهورية إلي الحوار، دعوة كان الرئيس ولد الطايع قد وجهها من كيفه، وقبل ذلك من ألاك، وكلتا الدعوتين غاظت المحيط "الناصح "حتى إن بعضهم تندر بأن الرئيس ولد الطايع أصبح معارضا! فبماذا تندر الناصحون اليوم؟

أي أن منصب الرئيس يشغله شخص واحد في حين تتوزع بقية المناصب ذات العلاقة بالنفوذ السياسي والمالي بين "الناصحين" فأي شراكة سياسية ليست على حساب الرئيس؛ فهناك رئيس واحد لا عدة رؤساء، لكنها على حساب هؤلاء، وهنا الخشية من أي حوار قد يضمن إشراك الخصوم السياسيين.

الواقع أن هذه الدعوة جاءت لتشكل نوعا من مد الجسور السياسية بين مختلف الخصوم دعما للتنمية وإرضاء لمطلب الحاجة الماسة إلى ثقة المستثمرين، أو هكذا يجب أن تكون.

ذلك أن سبل الاستثمار الآن معطلة في دولة يتخذ فيها الانقسام شكلا جديدا يحاول أعداء هذا البلد جعله جسرا يمرون من خلاله إلى ثرواتنا الوطنية وليس بعض الأذرع الأمنية ببعيد عن ذلك. أي أن محاولتها إضعاف الأداء السياسي لبعض الأحزاب أدي بالبعض إلى الولوج إلى نفق الذات الخاصة.

فالموريتانيون وصلوا بعد الثالث من أغشت 2005إلى مرحلة العمل الحزبي، لكن إحباطات ما بعد الثالث أغشت أغرقت البلاد في متاهة لم تكد تخرج منها إلا من بوابة النعرات، وهو ملف مستنسخ من ملفات استعمارية قديمة أي من أيام العقيد "فديرب" في القرن التاسع عشر، الذي أدار ملف التفرقة العنصرية لأن المقاومة ضده كانت موحدة بقيادة الأمير محمد لحبيب والشيخ الحاج عمر تال اللذين استشهدا في سنة واحدة وكان "فديرب" (FEDHERBE) قد جسد ملف التفرقة هذا بأن أقدم على حرق عدة قرى بيضانية على الضفة اليسرى ناسبا تلك الجريمة للزنوج؛ في محاولة منه لتغيير واقع الانسجام القائم بين الزنوج والعرب في هذه المنطقة. ذلك الانسجام الذي عبر عن امتعاضه منه في عدة مناسبات (انظر مجلة مصادر، العدد الثالث من جامعة نواكشوط).

ومن وقت لآخر ظلت مختلف الحكومات الموريتانية تلجأ لاستنساخ هذا الملف تارة، وتارة إلى تجربة الاستقطاب الفردي التي مارسها حزب الشعب والحزب الجمهوري، وكانت هذه التجارب تؤدي إلى نتائج أكثر مرارة من الأزمة السياسية التي أدت الخشية منها إلى هذه التجارب، كما حصل حين حاول بعض الأذرع الأمنية استنساخ هذه التجارب بعد ظهور ملامح حركة "ارحل" غير الدستورية التي تم الإعداد لها من قبل المعارضة بعد اعترافها بالانتخابات الرئاسية المنبثقة عن مؤتمر داكار 2009.

انتهت إذن أزمة السادس من أغشت وقد تحلل فيها الجميع من مقتضيات مؤتمر داكار الذي كان مجرد صيانة لماء وجه الولايات المتحدة التي بالغت في رفض انقلاب السادس من أغشت 2008.

- أولا: هل توصلت القوي السياسية الوطنية لإطلاق مرحلة جديدة لما بعد تجاذبات السادس من أغشت؟

- ثانيا: كيف تعامل النظام مع أزمة الرحيل التي هزت المنطقة؟

- ثالثا: وهل تلقت القوى المعارضة دعوة الرئيس إلى الحوار بما يلائم توجهات الرأي العام المحلي؟

- بخصوص السؤال الأول لم تنتظم القوى السياسية المشاركة في انتخابات ما بعد مؤتمر داكار حتى انقسمت بين معارض دستوري للنظام ومؤيد مبهم له؛ فالمعارضون الدستوريون المتمثلون في ذلك الوقت في مؤسسة المعارضة الدستورية بدؤوا في وقت مبكر برفع شعار الرحيل على غرار ما حدث في تونس ومصر، في وقت كان فيه هذا الموقف يفتقد الانسجام مع ممارستهم السياسية تحت قبة برلمان ناجم عن انتخابات خاضوها وباركوا نتائجها.

ونتيجة لفقدان هذا الانسجام لم يكن الرأي العام متحمسا لهواجس الرحيل وكذلك لأمرين:

- أولهما أنه قادم من فشل ذريع ومحبط بسبب ما تمخضت عنه رئاسيات 2007حيث عول الناس على موسم {فيه يغاث الناس وفيه يعصرون} فإذا هم برسم دارس (وهل عند رسم دارس من معول!).

- ثانيهما الخشية الشديدة من عودة نظام الحزب الجمهوري الذي كان حديث العهد بمحاولته العودة عن طريق بعض القنوات في نظام سيدي.

لقد كان لهذه العوامل أثرها في عزوف الشارع عن هواجس الرحيل وتخليه عن دعم بعض الشخصيات السياسية التي قادت حركة "ارحل".

أما القوى التي ساندت النظام بلغة إشارة لا يفهمها إلا هي والنظام فلم تشكل قوة سياسية داعمة للنظام، كما أنها لم تساهم في الضغط عليه من أجل شراكة سياسية أفضل تدعم مجهود التنمية؛ مما شكل رصيدا تراكميا من الإحباطات المتكررة لم يقدم لحالة التفرد بالسلطة حلا جذريا؛ بل جعل منها حالة عادية وكان الجميع بذلك يتجاهل ما ينجم عن هذا الواقع من أخطار عصفت وتعصف بدول كانت أفضل حالا منا.

- أما بخصوص السؤال الثاني فإن الجهات الحاكمة واجهت:

أ- مؤيدين عازفين عن دخول الأغلبية

ب- معارضين دستوريين يمارسون نشاطهم خارج قبة البرلمان؛ مما جعل أصواتا عديدة كانت تعد خصما للنظام تخفت إبان هذه الحركة.

ويمكن القول إن السلطات لم تكن تخشى من وراء حركة "ارحل" صعود المعارضة بقدر ما كانت تخشى من عودة الرئيس السابق ممثلا في بعض الاتجاهات الداعمة له، ولذلك فإن ملفين قد أحضرا إلى المائدة السياسية في ذلك الوقت أحدهما ملف نظيف تمثل في اتخاذ بعض الإجراءات ذات الطابع الإصلاحي، وكان على السلطات أن تتوسع في هذا الاتجاه ليشمل تصحيح جميع الأغلاط وليس بعضها، لأن ملف المبعدين ليس الملف الوحيد!

أما الملف الثاني الذي لجأت إليه فهو ملف قذر تم اللجوء إليه أيام "فدرب" في القرن التاسع عشر حتى إن كبولاني في القرن العشرين قد تجاوزه.

وما فتئت دولة الاستقلال تلجأ إليه من وقت لآخر نظرا إلى أن البلاد استقلت وهي تدار من قبل جهاز أمني ذي رعاية أجنبية. لنلاحظ مثلا أن قادة حركة النهضة كانوا رهن الاعتقال أيام الاستقلال، كما أن الأثر الأجنبي واضح من حيث توجيه السياسات الدفاعية التي كانت تهتم بالقوى البرية على حساب القوة البحرية رغم طول الشواطئ الموريتانية وحاجة البلد إلى حماية ثروته البحرية.

لذلك كان من الطبيعي أن تكون الملفات الأمنية التي يتم اللجوء إليها وقت الأزمات لا تلائم الإرادة الوطنية. حدث ذلك أيام 1966حيث لجأت هذه الأجهزة الأمنية إلى ملف إثارة النعرات، وفي 1988تم جلب ملف النعرات العنصرية والقبلية والجهوية إلى المائدة السياسية بعد استفحال نشاط الحركات الوطنية التي كانت تسعى إلى شراكة سياسية أفضل في محاولة للفت الانتباه عن التفرد بالسلطة الذي كان يمارس بشكل لم تعرفه البلاد من قبل. لكن حركة الثالث من أغشت 2005أغلقت هذا الملف، ويبدو أن السلطات الحالية بعد حركة "ارحل" غير الدستورية لم تجد بدا من جلبه؛ فكانت حركة "إيرا" العارية من أي مصداقية قانونية أو شعبية لا تتعرض لأي مضايقة؛ فهي تتواصل مع الهيئات الأجنبية كما يحلو لها وتمارس نشاطها التخريبي دون رادع يذكر.

ليس من الضروري أن يكون الرئيس على علم بذلك تماما، لأن المؤسسات الأمنية عادة تلجأ أحيانا إلى الحلول التي تبقي قادة الأذرع الأمنية بمنأى عن سخط الرئيس دون التفكير في التداعيات البعيدة للأمور.

لكن المهم أن يدري الرئيس أن الأجهزة الأمنية عندما تتصرف بهذه الدرجة من الاقتدار لصالح الرئيس فإنها أيضا قد تقوم بنفس الدور ضده أحيانا.

من هنا جاءت أهمية الحوار السياسي الذي طرحنا موضوعه في السؤال الثالث؛ فالرئيس لم يدع للحوار عبر أي قناة حزبية أو برلمانية، ولذلك فهو المستفيد الأول من نجاحه بوصفه يمتلك رصيدا سياسيا ما زالت الذاكرة الشعبية تحتفظ له به، مثل:

- المشاركة الفاعلة في انقلاب الثالث أغشت الذي أنقذ البلاد من انفلات أمني رغم بعض التداعيات غير المرضية.

- إطلاق فضاء الحريات العامة، مع إلحاحنا على الحاجة إلى إصلاح وتحديث القضاء.

- تحديث الجيش.

- انتعاش الدبلوماسية الموريتانية بما يمثله استمرار القطيعة مع إسرائيل الذي هو مطلب رئيسي للمعارضة التاريخية، تزامنا مع دور قاري وعربي ودولي واضح ليست المشاركة في عمليات حفظ السلام إلا إحدى تجلياته.

- اهتمامه بالتعليم، ولو أن هذا الاهتمام جاء بمثابة العزاء؛ فالتعليم الآن لفظ أنفاسه فعلا، على مرأى ومسمع الرؤساء السابقين بعد المختار داداه، ولا يمكن لسنة واحدة أن ترده إلى الحياة ما لم يتم الإعلان عن إستراتيجية وطنية تجعل من الحرفية منطلقها الأول. وهو ما لن يتم إلا بلم شمل سياسي يضمن مشاركة المعنيين. وهذه خطوة قد تغيظ "الناصحين".. ومن هنا جاءت أهمية دعوة الرئيس للحوار.

إنها دعوة تشبه تلك التي وجهها الرئيس المختار لخصومه بعد إنجاز الاستقلال 1962ومكنت من إنجاز برنامج سياسي كان التعليم حاضرا فيه بقوة رغم تواضع الإمكانات (بل عدمها) لأن البلاد في ذلك الوقت لا تملك ميزانية؛ بل تتلقاها من فرنسا.

أما ما هو مطلوب من المعارضة فهو تقديم شروط جوهرية من أجل الاتفاق وليس من أجل الحوار، وهذه الشروط يجب أن ترضي الرأي العام الذي هو أصلا من حصة المعارضة لو لم تتجاوزه!

ذلك أن الرأي العام يطمح إلى شراكة سياسية تضمن عدم التفرد بالسلطة؛ وهذا الأمر يتطلب الاتفاق على حكومة ذات مصداقية تستطيع الإشراف على انتخابات تعددية يضمن المشاركون فيها الاعتراف بنتائجها؛ إذ لا فائدة من مشاركة لا يتلوها اعتراف.

كما أن إسناد ملف الحوار لأي شخصية لا تملك مرجعية سياسية أو هي قد باءت بالفشل في أي مشوار تفاوضي آخر، يفتح أكثر من باب للشك والريبة.

لذا فإن على الرئيس أن يباشر بنفسه إدارة الحوار لأننا شهدنا فترة رئاسية دون دعم الدولة للأحزاب – الخصوم- وكانت النتيجة نمو تيار مختلف بشقيه (التكفيري والعنصري) وما كان لهؤلاء أن يتم لهم ذلك لولا غياب العمل الحزبي الذي تعد أجهزة الدولة أحد أدوات هدمه بدلا مما هو مطلوب منها دستوريا؛ وهو ما يجرني إلى الربط بين أهمية العمل الحزبي والحوار في إطار دستوري، حزبي  - نقابي- طلابي. ومن المرفوض أن يكون هناك أي حوار لا يحترم الدستور ويكرس النعرات التي يمنعها.

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

الآن في المكتبات

فيديو

المتواجدون الآن

حاليا يتواجد 1 زائر  على الموقع