| "مع هيكل" |
| الجمعة, 26 فبراير 2016 08:00 |
|
محمد كريشان *
اختارتني "الجزيرة" عام 2006 لإجراء أول مقابلة معه، ثم تعددت بعد ذلك هذه المناسبات لتصل إلى أكثر من خمس عشرة تشعبت مواضيعها من الشأن المصري الداخلي إلى شجون المنطقة وتعقيداتها، إلى الانتخابات الأمريكية وصولا إلى الثورات التي حصلت في تونس ومصر وليبيا فاليمن وسوريا.. ليرتسم معها تدريجيا الفراق الذي حصل بعد ذلك بين الرجل والمحطة. طوال هذه السنوات العشر، بُني بيننا ما يقترب من الصداقة، وكان واضحا في كل المقابلات على الهواء الاستلطاف المتبادل الذي يطبع كل واحدة منها، وهو ما جعل بعضها أقرب إلى الدردشة الودية بين صديقين رغم الفرق الشاسع بداهة في المكانة والمعرفة والتجربة. التقيته عشرات المرات في شقته الملتصقة بمكتبه في القاهرة أو مزرعته في "برقاش" كما التقيته في لندن عندما رفضت السلطات المصرية ذات مرة منحي تأشيرة دخول.
في كل مرة كنا نخوض في قضايا شتى مهنية وشخصية وسياسية قبل أن نتطرق إلى محاور كل مقابلة وتسلسلها، ثم يترك لي تفاصيل إدارتها دونما تدخل في طبيعة الأسئلة أو مضمونها. كان فقط يسأل في النهاية عن لون بدلتي وربطة العنق، خاصة وأن كلينا متيم باللون الكحلي ولا يلبس غيره تقريبا!! ظللت أتابع بعد ذلك كل ما يقوله هذا "الجورنلجي" كما يفضل أن يصف نفسه، عبر المحطات المصرية. في المرات التي كنت أتصل فيها به هاتفيا للسلام كان يسأل بلهفة عما إذا كنت تابعت مقابلته الأخيرة فأرد بأني قرأت ما جاء فيها فقط، فيرد "لا.. لا.. ضروري تشوفها".. فأعده ولا أفعل. وفي آخر اتصال جرى بيننا قبل زهاء الثلاثة أشهر، سألت عن صحته وأخباره فقال: "تعال لزيارتنا في القاهرة.. وحشتنا يا راجل!!".. فقلت له "بحول الله".. إذ لم أشأ أن أعكر مزاجه بأي تعقيب آخر من أي نوع. تعاملت مع الرجل طوال هذه الأعوام بتقدير كبير بادلني إياه بما هو أحسن. لم أشك لحظة في كونه قمة صحافية كبرى، ظل إلى الآخر حاضر الذهن متقده، وكان في كل مرة يعطيني الانطباع بأنه يتصرف كمن يشرف على آخر لمسات الصفحة الأولى قبل طباعة الصحيفة. اتفقت مع بعض ما كتبه أو قاله سابقا أو مؤخرا، واختلفت مع بعضه الآخر وخضنا في ذلك قليلا أو كثيرا، رغم أني كنت أفضل في الغالب الاستماع إلى وجهة نظره أكثر من مناقشته.
من قال إن على الصحفي أن يتطابق مع ضيوفه في آرائهم؟! ولماذا لا نوطن أنفسنا على التفريق بين احترام الشخص والتباين مع بعض أفكاره؟!! ومتى كان على الصحافي أن "يتبرأ" من مواقف هذا أو ذاك ممن التقى بهم أو حاورهم وهو المدعو لمقابلة المئات من ملل ونحل ومشارب لا تعد ولا تحصى؟! استمر "حواريوه" في حبه بلا تحفظ.. فيما استقر "أعداؤه" في بغضه بلا تردد. لا هؤلاء عدّلوا قليلا ولا أولئك!! مرض هيكل لفترة قصيرة فدعوت له في محنته، ثم رحل عن دنيانا الفانية فترحمت عليه، فيما لم يتورع البعض الآخر - والعياذ بالله- عن الشماتة في المرض والموت معا!! ورغم ما خلفه ذلك من مرارة على ما آل إليه بعض النفوس، فإن ما لم يتجرأ عليه أحد أبدا هو الطعن في قيمة هيكل الصحافية وقلمه الساحر وسلاسة حديثه وسعة اطلاعه إلى أن صار أبرز صحفي عربي في العقود الماضية على الإطلاق، تقصده شخصيات دولية ووسائل إعلام كبرى ومراكز بحثية دولية مختلفة للوقوف على تقديراته للموقف في منطقتنا؛ فهل يطمع الصحافي في أن يُذكر بعد رحيله بما هو أكثر من ذلك؟!! أما غيره، فهو إما بين يدي المؤرخين، أو بين الرجل وخالقه وهو أرحم الراحمين.
٭ كاتب وإعلامي تونسي |
