كاتب مصري: "تحديث الجيش الموريتاني أدى إلى إقرار الأمن والسلام"
الثلاثاء, 11 أبريل 2017 07:46

 

أحمد المسلماني         

altبدَا مطار "انواكشوط الدولي - أم التونسي".. أنيقا للغاية.. وجاء استقبال الموريتانيين لضيوفهم كريما وآسرا.. ثمّة ابتسامات طيّبة بلا حدود تديرُ الانطباعَ الأول.. في زيارة هذا البلد البعيد القريب.

يُمثِّل المطار الدولي نموذجا للأصالة والمعاصرة معا.. فهو مطار حديث جرى افتتاحه قبل شهور.. لينقلَ موريتانيا إلى مستوى أفضل. ثم إنّه يحمل اسما تاريخيا "أم التونسي".. وهى المعركة البطولية التي قادتها المقاومة الموريتانية الباسلة ضدّ الاستعمار الفرنسي.. التي قُتل فيها حفيد الرئيس الفرنسي.. وحققت المقاومة أثناءها نجاحا كبيرا.

(2)

ثلاثون كيلو مترا من مطار انواكشوط إلى المدينة التي تتكون كلها من منازل وفيلات ولا تعرف العمارات.. تسيرُ السيارات في الأغلب بسرعة هادئة هي عشرون كيلو مترا في الساعة.. وتنتشِر سيارات الدفع الرباعي على نحو لافت، وتحظى إشارات المرور في أوقاتٍ كثيرةٍ بالاحترام.

الساحل الموريتاني على شاطئ المحيط الأطلنطي منبسِط تماما.. أرضٌ مستويةٌ على مدى البصر.. إنسانٌ هادئٌ وطبيعةٌ هادئةٌ.. ولا يكمن الغضَب إلاَّ في أمواج المحيط.

يدرك الموريتانيون جغرافيا الغضب في بلادهم.. فاختاروا في تأسيس عاصمتهم انواكشوط البعد التام عن مياه المحيط لعدة كيلو مترات.. وهى المدينة الوحيدة في العالم التي تركت البحر وحيدا.. لتعيش على مسافةٍ منه!

(3)

ثم كانت الخصومة الثانية مع البحر.. حيث تزخر المياه بكميات هائلة من السمك.. وتحتل البلاد المركز الأول عربيا في صادرات الأسماك.. ولكن الشعب الموريتاني لا يأكل السمك.. ومن ثمّ فإن البحر لا يمثِّل له الكثير.. لا الجمال ولا الطعام!

لكن الحكومة تسعى إلى تغيير ذلك المشهد.. ثمّة مشروعات سياحية بدأت في الظهور.. وثمّة حملات مكثّفة لحثّ الشعب على تناول الأسماك.

(4)

تزيد مساحة موريتانيا على ضعف مساحة فرنسا، ويتجاوز عدد سكانها الثلاثة ملايين نسمة.. يعيش مليون موريتاني في العاصمة وتعيش الأغلبية في البادية.

الصحراء الموريتانية على قسوتها لا تخلو من الروعة.. وحياة البادية تمتلئ بالحكايات والقصص.. وبنموذجٍ كاملٍ للحياة.. إنها الخيامُ، والملابس التقليدية (الدرّاعة).. وهي لحم المعز وحليب الناقة، وبحار الرمل ووجه القمر.

أصبحت موريتانيا ذات الثقافة العريقة.. "بلد المليون شاعر".. وهو لقبٌ قديمٌ.. حين كان سكان البلاد مليون نسمة.. واليوم هي - في رأى البعض- بلد الثلاثة ملايين شاعر. والإبداع هو الوجه الآخر للحياة.. وبينما تُعبُّر الغالبية عن إحساسها بمحيطها.. نثرا وشعرا، فإن البعض يتأمَّل دونَ حديثٍ.. فالصمتُ في حرمِ الجمالِ جمالُ.

(5)

لكن بعض الجمالِ كان على وشك الانهيار.. ذلك أن التطرف - محنة كل بلدٍ مسلمٍ- كاد يعصف بالدولة والمجتمع. وفى عام 2007 كانت التفجيرات والاعتداءات تنذر بالخطر الجسيم، وكان يتوازى مع ذلك بقايا من ثقافة الكراهية التي أخذتْ من الجاهلية.. نظام الرقِّ والعبودية. ولكن المثير.. هو أن موريتانيا تجاوزتْ محنتها بكفاءةٍ واقتدارٍ.. وبسرعةٍ فائقةٍ.. حيث نجحت خريطة الطريق في تفكيك العبودية.. وتحالفَ علماء الدين ورجال السياسة في التخلُّص من بقايا العصور الوسطى، وإقرار قيم الحرية والمساواة.. والانطلاق إلى حركة العالم ورح العصر.

كما أن عملية تحديث الجيش التي قادها الرئيس محمد ولد عبدالعزيز قد نجحت في إقرار الأمن والسلامفي بلدٍ تصل حدوده إلى خمسة آلاف كيلومتر، وتجاورُ في أحد حدودها دولة مالي التي باتتْ مكانا بائسا للعنف والدمّ.. وعنوانا صادما لأزمة الدولة والمجتمع.

(6)

لقد توازى ذلك كله مع جهود واسعة في تعزيز الهوية الوطنية.. واللغة العربية، وقد مثّلت استضافة موريتانيا للقمة العربية - للمرة الأولى- إشارة إلى قوة الرؤية ووضوح الطريق.

إن "بلاد المليون شاعر" باتت "بلاد الثلاثة ملايين سياسي".. حيث تمثل السياسة متعةً وتسلية؛ فهي بمثابة مهرجان اجتماعي.. يلتقى فيه الناس، ولا يعدو الخلاف في أوقات كثيرة أن يكون أداةً لإضفاء الحيوية على الحياة العامة.

لا تنفى متعةُ السياسةِ جديّة المعارضة والأحزاب والقوى السياسية.. ولكن هناك ما يُشبِه "العقد الاجتماعي" القائم على حفظ السلام النفسي وحماية السلام الاجتماعي.. فلا يفقِد الفرد مساحة الهدوء ولا يفقِد المجتمع مساحة الحوار.

(7)

كانت زيارتي إلى موريتانيا بدعوة من وزارة الشؤون الإسلامية والتعليم الأصلي.. وقد تحدثتُ عن كتابي "الجهاد ضد الجهاد" في كلمتي بإحدى جلسات "المؤتمر الإسلامي الدولي".. وقد سعدتُ بالحديث مع وزير الشؤون الإسلامية الدكتور أحمد ولد أهل داود، كما تشرفتُ بدعوةٍ كريمةٍ على العشاء من الشيخ العلاّمة عبدالله ابن بيّه، فى منزله العامر في انواكشوط. التقيتُ نخبةً من المثقفين والمفكرين.. وبدَا لي ذلك الوقت الرائع في منزل الشيخ ابن بيّه، وكأنَّ التاريخ قد عاد من جديد.. وأنَّ جزءا من العصر الذهبي قد تمّ اقتطاعه.. في الزمان وفى المكان.

من الدار البيضاء إلى انواكشوط ثم إلى الدار البيضاء من جديد.. سبعون ساعة رائعة في بلاد شنقيط.

 

عنوان المقال الأصلي: قبل الأطلسي بقليل.. رحلة إلى موريتانيا

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

الآن في المكتبات

فيديو

المتواجدون الآن

حاليا يتواجد 1 زائر  على الموقع