| محاضرة الشيخ عبد الله بن الشيخ المحفوظ بـن بيه (ح 5/ 8) |
| الأربعاء, 04 يونيو 2014 08:58 |
|
شكرا فضيلة الشيخ. الشيخ عبد الله: بارك الله فيكم، وجزاكم خيرا. لقد ناقشنا هذا الموضوع معا مع فضيلتكم، معاليكم في الرباط على ما أظن. بدأنا المناقشة في مسألة التمذهب والمذهبية، وإن كنا لم نعطها حقها ولم نكمل البحث فيها. أعتقد أن التمذهب أولا يعلمنا شيئا من التواضع. يعلمنا أنه يمكن أن يختلف الناس وأن يكونوا جميعا على خير. فهذا يفتح لنا أفقا واسعا كما روي عن المقري رحمه الله تعالى في شيء كان مكتوبا ووجد في كتبه "تعلم الخلاف يتسع صدرك". ثم إن التمذهب أيضا يعلم الاستنباط. وعدم التمذهب قد يؤدي إلى استنباط قول يكون مجمعا على فساده، والعلماء حذروا من هذا. الإمام أحمد - رحمه الله تعالى- يقول: إياكم ومنكرات الحديث، وهي الغرائب التي لم يعمل بها أحد. ومثل ذلك عند مالك في أحاديث الآحاد التي لم يعمل بها أحد. فالتمذهب ضرورة للضبط دون أن يؤدي إلى تعصب كما تفضلت، فإذا أدى إلى تعصب كان مقيتا. لكنه يضبط الفتوى ويضبط التفكير والاستنباط. الانضباط والاستنباط هما وظيفتا أصول الفقه. استنباط منضبط، وليس منفلتا. ولهذا فالتمذهب قد يكون عملا طيبا بدون أن يؤدي إلى تعصب مقيت واختلاف بغيض. وشكرا. ذ. الشيخ ولد العالم: ألا ترون أن سبب ما نراه من المشكلات في العالم الإسلامي هو تعطيل الحكام لشرع الله؟ خاصة وأننا نرى أن العالم الإسلامي ألبس بعضه بعضا شيعا وذاق بعضه بأس بعض، وهذا لا شك أنه بسبب ضعف الإيمان والعزوف عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. السؤال الثاني: كيف نقارن بين الإسلام الذي نزل به جبريل عليه السلام من عند رب العالمين على رسول الله - صلى الله عليه وسلم- مع الإسلام عندنا اليوم في موريتانيا حيث أننا جمهورية إسلامية. ولا شك أنكم تتذكرون أن السيد رئيس الجمهورية قال إن موريتانيا دولة إسلامية وليست دولة علمانية ولن تكون كذلك؛ في الوقت الذي شرع الله فيه معطل. القاتل لا يقتل، السارق لا تطع يده، الزاني لا يجلد ولا يرجم، يساء إلى محمد - صلى الله عليه وسلم- والمسيء حي يرزق، يأكل ويشرب وينام ويستيقظ، ما زال ينتظر أمرا قضائيا من قاض تَكَوَّنَ في الخارج وتخرج من الخارج، في وقت هو مقتول بشرع الله تعالى وبالفقه المالكي. والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. الشيخ عبد الله: أتفق معك في الشطر الأول؛ وهو أن الأمة إنما تصاب بسبب البعد عن دينها، لكني أريد أن أوضح بخصوص الشطر الثاني. ما هو مفهوم الشريعة؟ الشريعة لها مفهومان أحدهما عقدي والثاني فقهي أو تطبيقي فروعي، أو من باب الفروع. فالعقدي يدل عليه قول الله جل وعلا: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أو حينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه}. الذي شرع لهؤلاء هو التوحيد والإيمان بكل ما جاء به الرسول. كل ما جاء به الرسل يجب أن يُصَدَّق. هذا مستوى الإيمان. أي أن على المسلم أن يعتقد أن كل الأحكام التي جاء بها النبي –صلى الله عليه وسلم- حق. المستوى الثاني هو مستوى التطبيق {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا}. مستوى تطبيق الأحكام يخضع لخطاب الوضع الذي ذكرنا؛ وهو قيام الأسباب وانتفاء الموانع وتوفر الشروط. وإذا لم يلتبس بالمستوى الأول لا يُكَفَّرُ صاحبه. مذهب أهل السنة أن لا يكفر أحد بذنب من أهل القبلة. ولهذا فأكثر علماء السنة قالوا إن قول الله جل وعلا: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} إنه كفر دون كفر وفسق دون فسق. وهذا مذهب ابن عباس وقتادة. ويقول الشيخ تقي الدين ابن تيمية: هذا مذهب الإمام أحمد وعلماء السلف. أي أن "كفر" هذه ليست بمعنى الخروج عن الملة. إذا أثبتنا هاتين المسلمتين – أي أن الشريعة مستوى الاعتقاد، وأن الكفر ليس كفرا حقيقيا- تبدأ درجات، يبدأ الإثم وهو كبيرة، من لم يحكم بما أنزل الله أو ببعضه، وتحريم الحكم بما أنزل الله إذا أدى إلى مفسدة من نوع المفاسد المعتبرة شرعا؛ هو دائر بين الوجوب وبين التحريم. وهناك درجة الشك التي لا يكفر بها أحد. أمثلة كثيرة من عمل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. الفاروق - عليه رضوان الله- عند ما أوقف حد السرقة عام الرمادة لأنه يرى أن هذا الحكم لم يعد مؤديا لمقصده فلهذا أوقف ذلك بناء على ما لديه من المعلومات عن أن الناس في حالة عسرة ومجاعة، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة. كذلك.. وليس هذا تشجيعا لعدم تطبيق أحكام الشرع؛ بل أنا – إن شاء الله- من أشدكم حماسا لها عند توفر الشروط وقيام الأسباب وانتفاء الموانع، لكن أريد أن أقول لكم شيئا جاء في حديث بسر بن أرطاة «لا تُقْطَعُ الأيدي في الغزو» وهو حديث صحيح كما يقول ابن قدامة وغيره. ما معنى ذلك؟ يفسر لنا عمر ذلك: لا تجلدوا أميرا ولا رجلا من المسلمين حتى يجاوز الدرب قافلا لئلا يركبه الشيطان فيلتحق بالكفار. هنا محل الإشكال. ما هي حالة العالم اليوم؟ أليس من الممكن أن يركبه الشيطان في بيته فيلتحق بالكفار؟ هذا إشكال! أنا طرحته على العلماء في الكويت في ندواتنا المختلفة. فلنحقق المناط، لا أكثر ولا أقل. لا نمالئ ظالما ولا جائرا ولا نجامل أحدا؛ بل – فقط- لا نتجاهل واقعا. |
