| القدس بشطريها المحتلين مدينة عربية إسلامية (3 / 3) |
| الأربعاء, 07 أغسطس 2013 23:17 |
|
د. غازي حسين
كانت مساحة القدس القديمة والجديدة عام 1948 حوالي 20 ألف دونم. ولكن بدأت دولة الاحتلال الصهيوني بعد احتلال الشطر الشرقي عام 1967 بعملية استعمار استيطاني كبيرة لتوسيع حدود المدينة المحتلة. فبلغت عام 1993 حوالي 126 ألف دونم، وهي أراض صادرتها من 28 قرية عربية محيطة بالقدس وأقيمت عليها أكبر المستعمرات اليهودية: كان العرب يطالبون قبل حرب حزيران العدوانية بعودة القدس المحتلة (الغربية) للسيادة العربية، وبعد الحرب العدوانية أخذوا يطالبون فقط بعودة القدس الشرقية المحتلة. وهنا أطرح السؤال التالي: أي قدس تريد قيادة منظمة التحرير الفلسطينية والقادة العرب؟ تستخدم قيادة المنظمة عبارة القدس الشريف عاصمة للدويلة الفلسطينية المنقوصة السيادة والأرض والحدود والسكان والمياه. وتوافق على بقاء القدس بشطريها المحتلين مدينة موحدة. وتعني عبارة القدس الشريف الأماكن الإسلامية المقدسة ومساحتها 1 كم2. أما القدس الشرقية المحتلة اليوم فمساحتها 72 كم2. وستصبح مساحة القدس الكبرى التي تعمل دولة الاحتلال على توسيعها 122 كم2. إن الصراع حول القدس صراع وطني وقومي، وصراع بين عقيدتين إسلامية متسامحة ومنفتحة ويهودية عنصرية منغلقة واستعمارية وإجلائية تزعم أن يهوه وعد اليهود بها أي ذريعة واهية ولكنها في منتهى الخطورة، لأنها ترفع احتلال واستعمار وتهويد القدس وترحيل المقدسيين، سكانها الأصليين وأصحابها الشرعيين إلى مستوى القدسية الدينية. ويؤكد الإسلام أن القدس ركن أساسي من العقيدة كالصلاة وغيرها من أركان الإسلام. لذلك يؤمن العرب والمسلمون أن القدس مدينة عربية ـ إسلامية. فالصراع على القدس صراع على الأرض والسكان والحضارة العربية الإسلامية وعلى مفاهيم الحق والعدالة والإنصاف والتحرر من الاستعمار الاستيطاني اليهودي. كان اليهود لا يملكون متراً واحداً في القدس الشرقية قبل حرب عام 1967، أما اليوم فأصبحوا يملكون 87% من مساحة المدينة بقوة الاحتلال والاستعمار الاستيطاني. ووضعت دولة الاحتلال مخطط مشروع القدس الكبرى، بحيث يضم المستعمرات الكبيرة ومنها مستعمرة معاليه أدوميم شرق القدس، ومستعمرة جلعات زئيف من الغرب، ومجمع مستعمرات بنيامين من الشمال، ومجمع مستعمرة جيلو وغوش عتصيون من الجنوب، وكذلك مستعمرة جبل أبو غنيم هارحوما. ويشطر هذا المشروع الاستعماري الضفة الغربية إلى شطرين، ويقضي على التواصل الجغرافي فيها. ويحتوي على معظم مصادر المياه في الضفة الغربية، ويحول دون إقامة دولة فلسطينية في الأراضي المحتلة عام 1967. ولا يزال دهاقنة الاستعمار الاستيطاني اليهودي يعملون على ابتكار تسميات لتلطيف استعمارهم الوحشي مثل: ضم الكتل الاستيطانية الكبيرة، وتبادل الأراضي وتعديلات حدودية طفيفة إلى أن طلع علينا الفاشي نتنياهو وأعلن أن الضفة الغربية هي أرض الآباء والأجداد وليست محتلة. وجاء جدار الفصل العنصري، واستمرار الاستيطان في سلوان والشيخ جراح وباب العمود والعيزرية وغيرها، وهدم المنازل والأحياء العربية لتغيير الطابع العربي الإسلامي للمدينة، واستيلاء أغلبية يهودية حتى عام 2040 لجعل المدينة العربية الإسلامية بشطريها المحتلين، وعشرات القرى العربية التي ضمت إليها عاصمة الكيان الصهيوني المزعوم وعاصمة اليهودية العالمية. لذلك كان رئيس الوفد الفلسطيني المفاوض في واشنطن د. حيدر عبد الشافي على حق عندما استخلص من المفاوضات المباشرة التي أجراها مع الصهاينة عام 1991 أنه: "دون وقف الاستيطان، ومع استمرار تهويد القدس، فإن المفاوضات تصبح دون قيمة حقيقية، لأنها تجري في ظل استمرار فرض الوقائع على الأرض، التي تغيّر وتمس جذرياً بقضايا التفاوض والحل النهائي". وانطلاقاً من تجربة سورية في التفاوض مع العدو الصهيوني أدانت في 29 أيلول 2009 الإجراءات العدوانية التي تقوم بها دولة الاحتلال في القدس المحتلة وبحق المسجد الأقصى واعتبرتها انتهاكاً سافراً للمقدسات العربية والإسلامية، داعية إلى التحرك لمنع هذا العدوان الصارخ. وأكد إسماعيل هنية رئيس وزراء الحكومة الفلسطينية المقالة: إن الاحتلال الإسرائيلي يستخدم اللقاءات السياسية والمفاوضات غطاء لاستباحته المسجد الأقصى. ودعت الفصائل إلى وقف اللقاءات والمفاوضات العبثية والتعاون الأمني بين السلطة والعدو الإسرائيلي وتعمل سلطات الاحتلال على إبعاد الفلسطينيين عن المسجد الأقصى ومنعهم من دخوله أو الصلاة فيه لفرض إرادتها ولإفساح المجال للمستوطنين للصلاة فيه واقتسامه بين المسلمين واليهود تماماً كما فعلت حكومة نتنياهو في العقد الأخير من القرن الماضي في المسجد الإبراهيمي في الخليل. وتمنع الحافلات التي تقل المصلين من الوصول إليه عن طريق الحواجز التي تضعها، بل واحتجاز الحافلات كما حدث في منطقة حيفا والناصرة ووادي عارة، كمقدمة لتنفيذ مخططها الشيطاني بحق المسجد الأقصى المبارك.
الوضع القانوني للقدس
إن قضية القدس جزء لا يتجزأ من قضية فلسطين، ولا تنفصل عن مشكلة الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولكن للقدس أهمية خاصة نظراً لأنها مدينة الإسراء والمعراج وأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين. ينطبق على القدس المحتلة ما ينطبق على فلسطين والجولان وجنوب لبنان من حيث عدم جواز اكتساب الأراضي بالغزو العسكري والانسحاب الشامل وحق العودة والتعويض. إن القانون الدولي لا يقر ولا يعترف باستخدام القوة والقيام بعدوان عسكري والاستيلاء على الأراضي عن طريق الغزو العسكري، ونزع طابعها العربي وتهويدها. فالقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة يحرّم استخدام القوة أو التهديد باستخدامها في غير الصالح العام. وتُنظم اتفاقيات لاهاي لعام 1907 واتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949 صلاحيات سلطات الاحتلال إلى أن يزول الاحتلال. فالطبيعة المؤقتة للاحتلال تلزم المحتل بعدم القيام بإجراءات تغيّر المعالم الجغرافية أو الديمغرافية، للإقليم المحتل أو الشؤون الاقتصادية والقانونية والتعليمية والاجتماعية للإقليم. وبالتالي لا يجوز على الإطلاق ضم الإقليم المحتل ونقل السيادة عليه لدولة الاحتلال أو نقل جزء من مواطنيه إلى الأراضي المحتلة. تنص المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 والتي وقعتها دولة الاحتلال على أنه: لا يجوز لدولة الاحتلال أن ترحل أو تنقل جزءاً من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها. إن ضم القدس العربية لدولة الاحتلال ونقل السيادة العربية إلى الدولة المحتلة يتنافى وأحكام القانون الدولي العام والعديد من العهود والمواثيق الدولية، فضم القدس المحتلة وتهويدها إجراء غير شرعي وباطل، وما يني على باطل فهو باطل. يتذرع الكيان الصهيوني بحق ديني مزعوم له في مدينة القدس العربية، ولكن الدين لا يشكل أبداً مصدراً من مصادر القانون الدولي. أدانت الجمعية العامة للأمم المتحدة في القرار 2253/ تاريخ 4/7/1967 ضم القدس والإجراءات التي نفذتها دولة الاحتلال، وطالبتها بإلغاء جميع الإجراءات والعدول عنها بشكل فوري. وأكدت في القرار /2254/ تجديد الدعوة لدولة الاحتلال لإلغاء جميع الإجراءات التي من شأنها تغيير وضع القدس. واعتبرتها باطلة ولاغية. ونص قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242/ تاريخ 22/11/1967 على عدم جواز احتلال الأراضي بالحرب وعلى الانسحاب من الأراضي المحتلة بما فيها القدس. واتخذ مجلس الأمن القرار /252/ في 1967 ونص على اعتبار أن جميع الإجراءات الإدارية والتشريعية وجميع الأعمال التي قامت بها "إسرائيل" بما فيها مصادرة الأراضي والأملاك التي من شأنها أن تؤدي إلى تغيير الوضع القانوني للقدس هي إجراءات باطلة، ودعاها القرار إلى إلغاء هذه الإجراءات. واتخذ مجلس الأمن القرار 267/ تاريخ 3/7/1969 أكد فيه على جميع القرارات السابقة. وطالب دولة الاحتلال إبطال جميع الإجراءات والأعمال التي اتخذتها لتغيير وضع القدس. واتخذ القرار 298 تاريخ 25/9/1971 أكد فيه على أن جميع الأعمال والإجراءات التي اتخذتها "إسرائيل" لتغيير وضع القدس لاغية ولا تستند إلى شرعية قانونية، ودعا إلى إلغائها. ووافق مجلس الأمن على القرار 446/ تاريخ 22/3/1979 الذي اعتبر الاستيطان في الأراضي المحتلة عقبة في وجه السلام. وتضمن قراره 452/ تاريخ 2/7/1979 الطلب من "إسرائيل" وقف النشاطات الاستيطانية. وأعلن في القرارين 465 و467 لعام 1980 بطلان الإجراءات التي "اتخذتها" إسرائيل لتغيير طابع القدس. وصدر عن مجلس الأمن القرار 476 في 30/6/1980 والقرار 478 في 20/8/1980 وأكدا بطلان وعدم شرعية تغيير وضع القدس وعدم الاعتراف بقانون ضم "إسرائيل" للقدس. إن التاريخ سيسجل تخاذل قادة الدول العربية الذين يقيمون العلاقات الدبلوماسية مع العدو ويستقبلونه على موائدهم في شهر رمضان المبارك ودورهم في تهويد القدس وبقية فلسطين، وسيكون مصير النظم العنصرية والاحتلال إلى الزوال وستعود القدس عاصمة فلسطينية السرمدية وإلى أبد الآبدين. قضية القدس جزء من عقيدتنا وتسكن في أرواحنا ووجداننا وإيماننا وتاريخنا وحضارتنا وستعود بشطريها المحتلين إلى الأمة إن عاجلاً أو آجلاً. |
