أثر المتون الشنقيطية في الآثار العلمية
الخميس, 10 أغسطس 2017 07:06

 

محمد يحي ولد باباه      

altلا نستطيع في الواقع - في سطور قليلة  مثل هذه- الإحاطة بالمتون العلمية الكبرى التي مثلت منعطفا كبيرا في تاريخ الثقافة الإنسانية عموما والثقافة العربية الإسلامية على وجه الخصوص؛ وذلك من حيث المضامين والحقائق المادية الببليوغرافية لكل متن من هذه المتون التي مثلت في حقيقة الأمر وجوه جدة لافتة في ميادين متعددة، ابتداء بالفقه وأصوله والعقيدة وقواعد اللغة والأدب والتاريخ والسير وكتب الطبقات والتصوف ومنظوماته السلوكية.. إلى غير ذلك من المجالات التي أغنت التاريخ الثقافي الشنقيطي. 

وأغنته هذه الثقافة بشروحها وتعليقاتها، حتى إن بعض المتون العلمية الكبرى اقتبست من المتون ذات المنشأ الشنقيطي ذاته، مثل اقتباس  المفكر والفقيه أبي عبد الله ابن الأزرق المالقي الأندلسي (ت 899 هـ / 1491م)  في كتابه "بدائع السلك في طبائع الملك" من كتاب الإمام الحضرمي (ت 489هـ/ 1095م)  "السياسة (أو الإشارة في تدبير الإمارة)  واقتباس  المفكر الكبير ابن رضوان (ت 783هــ   1381م)  في كتابه "الشهب اللامعة في السياسة النافعة" من كتاب الحضرمي كذلك، فكان كل من هذين العلمين البارزين في سماء فلسفة السياسة في الإسلام يعود إلى متن كتاب الإمام الحضرمي ويحيل إليه بوضوح تام، كما كان شيخ الإسلام الإمام أحمد ابن تيمية يحيل إلى كتب الإمام الحضرمي وخاصة في العقيدة؛ حيث نجده في الصفحة 261 (أو ما يقاربها حسب الطبعات)  من الجزء الثالث من الفتاوى يحيل إلى  كتاب الإمام الحضرمي المعروف في العقيدة تحت عنوان (رسالة الأسماء في مسألة الاستواء) فيذكر أن أبا عبد الله القرطبي استند على هذا الكتاب في مؤلفه المعروف بالأسنى في شرح أسماء الله الحسنى. وقد اعتمد ابن خلدون في مقدمته على  كتاب الإمام الحضرمي دون أن يحيل إليه وإن كان يورد بعض الفقرات من نص الحضرمي بكل وضوح.

هذه متون أغناها الإنتاج العلمي الثقافي الشنقيطي واستندت عليه في واقعها النظري الخاص بصورة بارزة؛ أما المتون الكبرى التي أغناها الإنتاج العلمي الشنقيطي في مستوى آخر  بالشرح والتعليق فهي بالمئات، لكننا نذكر أمثلة لافتة منها خضعت لفعل الشرح والتأويل في هذه الربوع فأغنت بفحواها المتميز الثقافة العالمة في بلاد شنقيط التي انفردت هي الأخرى بوصفها ثقافة بدوية عالمة فريدة في العالم حققت ازدهارا كبيرا في الوقت الذي كانت بلاد العرب والمسلمين تئن تحت وطأة الانحطاط وانحسار التقدم العلمي والإبداعي خلال القرن التاسع عشر الميلادي.
   ومن أمثلة تلك المتون  إضاءة الدجنة في اعتقاد أهل السنة  للإمام المقري التي يعتبر أول شرح لها هو الشرح الذي قام به قاضي شنقيط محمد المختار بن الأعمش العلوي المتوفى سنة 1107هــ، وأول شرح لمتن مختصر ضياء الدين خليل في الفقه، هو الشرح الذي أدخله الوادانيون لأول مرة  وهو المعروف بالحطاب حيث خضع للكثير من التأويلات والشروح، وكذلك متن حكم ابن عطاء الله السكندري في التصوف الشاذلي الذي أدخله إلى بلاد شنقيط العلامة التواتي التيشيتي المتوفى سنة 1138هـ.
    وقد أدخل مؤسسو حاضرة وادان التاريخية مؤلفات القاضي عياض وشرحوها، لأنهم تتلمذوا عليه قبل إنشاء الحاضرة سنة 536هـ (1142م ) وذلك مثل: صحيح مسلم، الشفا بتعريف حقوق المصطفى، مشارق الأنوار على صحاح الآثار، الغنية،  وترتيب المدارك وتنوير المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك.. إلخ.
كما دخلت إلى ولاتة متون كثيرة خضعت للشرح والتأويل والتبويب والتعليق، مثل "الغنية لطالبي الحق" في التصوف للعلامة الشيخ عبد القادر الجيلاني (ت 561هـ/ 1166م) وكتابه الفيوضات الربانية، وكثير من المتون في مجالات مختلفة.
تلك أمثلة قليلة جدا من المتون التي أغنت الثقافة الشنقيطية العالمة عموما وأغنتها هذه الثقافة في المستوى الثاني مثل المتون العلمية الكبرى التي اعتمد مؤلفوها على كتب شنقيطية المنشأ.
ولعل ذلك ما يدعونا إلى مواصلة هذا الجهد العلمي المتميز للشناقطة في عصور تأسيس حواضرهم التي امتد إشعاعها العلمي عبر أصقاع كثيرة من العالم، لكن بروح أكثر انفتاحا على الثقافة المعاصرة للاستفادة مما شيده الآخر، لأن العقل الإنساني عقل واحد لا يتجزأ، وما بناه الإنسان هو تراث مشترك بين الإنسانية جمعاء، لكن بصورة تضمن لنا أبدا حماية ثوابتنا وخدمتها لنكون قادرين أكثر فأكثر على استغلال هذه الثوابت الثرية في مضامينها والعميقة في مدلولاتها؛ وذلك استرشادا بأنه في الواقع، لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
  إننا نملك موروثا لا يضاهيه موروث في العمق والثراء والشمولية والعالمية، وما زال الكثير منه  مطمورا في غياهب المكتبات والكنانيش.

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

الآن في المكتبات

فيديو

المتواجدون الآن

حاليا يتواجد 1 زائر  على الموقع