| سوريا والتحوّلات الكبرى |
| الجمعة, 13 نوفمبر 2015 21:30 |
|
ساسين عساف*
منذ خدعة الروس في الحرب الأطلسية على ليبيا اشتدّ ارتفاع الصوت الروسي في وجه الإدارة الأمريكية وأخذ الكلام مضمونه الإجرائي على ضرورة تشكيل قوى دولية مناهضة للسياسات الأمريكية؛ خصوصاً ما يتعلّق منها بدول "الربيع العربي". من هنا بدأت مرحلة الحسم وتعزّزت ملامحها بعودة بوتين إلى رئاسة روسيا في 4 آذار 2012 فعادت معه روسيا بقوّة إلى أخذ موقعها الراجح في موازين القوى الدولية وإلى تثبيت مشاركتها الفعّالة في وضع قواعد الاشتباك الدولي وفي إسقاط النظام الأمريكي الأحادي الذي ترسّخت قواعده بعد زوال الاتحاد السوفياتي. ومنذ إعلان الحرب على سوريا (الدولة والموقع والنظام والرئيس) أعلنت موسكو لااءاتها الثلاث: لا للتدخّل الأمريكي أو الأطلسي، لا لتنحّي الرئيس بالقوّة، لا للمعارضة المسلّحة.. هذه اللاءات جاءت لتؤكّد أنّ سوريا هي في صلب المصالح الإستراتيجية الروسية وأنّ روسيا راغبة منذ البداية بإجراء حوار بين النظام والمعارضة الوطنية غير المسلّحة وحريصة على إصلاح النظام السياسي وجعله أكثر انفتاحاً على أوسع مشاركة سياسية تعدّدية (تأييد إصلاحات الرئيس الأسد والدعوة إلى السرعة في التنفيذ، وتشكيل حكومة وحدة وطنية موسّعة تأتي نتيجة تحقيق تفاهم بين النظام والمعارضة الوطنية). في هذا السبيل عملت واستضافت المعارضة غير مرّة. وإلى جانب طهران ودمشق راحت تخطّط لخوض حرب إستراتيجية مع داعمي المعارضة المسلّحة تحت عنوان تغيير جذري في الواقع الإقليمي والدولي؛ فتركيا راحت توجّه تهديدات لسوريا فضلاً عن التهديد بدور للأطلسي فيها، كذلك فعل معظم دول الاتحاد الأوروبي وفي مقدّمها فرنسا. في هذا السياق وبناء على طلب الحكومة السورية جاء التدخّل العسكري الروسي المباشر، فروسيا لا تضحّي بمصالحها الإستراتيجية الأمنية والاقتصادية؛ خصوصاً وخطّ القوى المناوئة لأمريكا في تصاعد، خطّ مجموعة الدول المعروفة بدول البريكس. هذا التدخّل المعلن والمفتوح والمتدحرج عسكرياً ضدّ مسلّحي الدولة الإسلامية في العراق والشام أحدث مجموعة تحوّلات كبرى قد تنذر بجعل العالم يعيش في لحظة الانتقال من الحرب الباردة إلى الحرب الساخنة على الرغم من وفرة الكلام على تفاهمات عسكرية ودبلوماسية قائمة بين روسيا وأمريكا. حتى اليوم الضربات الروسية لا تبشّر بانتصار عسكري سريع وحاسم. كما أنّ أيّ تدخّل عسكري أمريكي أو أطلسي فعّال يبدو صعبا؛ وهو ما يوحي بأنّ الحرب ما زالت في بداياتها، خصوصاً إذا استمرّ الدعم العسكري لداعش. من المرجّح في حال عجز روسيا عن تحقيق أهدافها في سوريا بروز مؤشرات سلبية في الأوضاع الإقليمية عامة وخاصة الوضع في لبنان وتركيا والأردن ولاحقاً في دول الخليج العربي. فالأوضاع لن تبقى على "توتّرها الممسوك" وتدهورها ممكن في أيّ لحظة ربّما يسعى إليها الطرف الأمريكي كي يتمكّن من فرض تسوية إقليمية شاملة عنوانها قديم متجدّد: شرق أوسط جديد أو شرق أوسط كبير فيه تزول حدود وترتسم حدود.. إنّها حدود الدم! أمريكا ليست في وارد الذهاب مباشرة إلى حروب جديدة ما يترك المجال واسعاً أمام المزيد من الاندفاع الروسي في حروب المنطقة؛ ذلك أنّ دمشق هي جسر العبور إليها وأنّ للرئيس بوتين أسلوبه الخاص في خوضها في منطقة لروسيا فيها مصالح ودور تاريخي. يكفي قوله: أمن روسيا من أمن سوريا لإدراك ما يتوخّاه من حربه دفاعاً عنها: العودة إلى المنطقة من بوّابة دمشق، دمشق التي أيّدت تدخّله في جورجيا وفي أوكرانيا، دمشق التي وافقت على إقامة قاعدة صواريخ روسية فوق أراضيها ردّاً على إقامة الذراع الصاروخي الأمريكي في بولونيا. الحرب على داعش هي بداية طريق العودة الروسية إلى منطقة الشرق الأوسط، كي تتمكّن روسيا من المشاركة في إعادة تشكيل مستقبل هذه المنطقة بعيداً من السيطرة الأمريكية الكلية والتامة عليها. في لحظة الحرب الروسية على داعش بدأت تتبلور خريطة المصالح الدولية فالتحالف الدولي الذي شكّل بقيادة أمريكا لمحاربة داعش رافقته شكوك في صدقية دوافعه ومجرى عملياته واستهدافاته العسكرية. جاءت الحرب الروسية في لحظة تاريخية مؤاتية لكشف حقيقة موقفه من داعش. تباين المواقف بين روسيا وأمريكا من داعش يعود إلى تنافر المصالح، فأمريكا تسعى إلى إخراج روسيا نهائياً من معادلة الصراع في المنطقة عن طريق تدمير سوريا (داعش هي إحدى وسائل التدمير) وروسيا تسعى إلى إخراج أمريكا من مداها الحيوي (سوريا هي أهم نقاط هذا المدى) والسؤال الإشكالي هنا هو التالي: ماذا تفعل أمريكا في حال تيقنها ميدانياً من قدرة روسيا على إلحاق هزيمة محقّقة بداعش وتثبيت أقدامها في الداخل السوري وعلى شاطئ المتوسّط؟ هل هي في وارد تحريك قوى التحالف للمواجهة؟ نشكّ في ذلك لأنّ التحالف نفسه هو تجميع معقّد للمصالح.. التدخّل الروسي العسكري في شؤون المنطقة يشكّل منعطفاً إستراتيجياً في صراع المصالح الدولية. وهو تأكيد إستراتيجي للدفاع عن حلفاء روسيا، وهو تهديد إستراتيجي لمصالح أمريكا. فالسيطرة الأمريكية على المنطقة لم تعد أمراً متاحاً ولا مناص لأمريكا من الاعتراف بنتائج هذا التدخّل مهما كانت. هذه الخلاصة ناتجة عن قراءة الأعمال لا قراءة التصاريح. روسيا تعمل وأمريكا تصرّح.. القراءة في الأعمال أجدى من القراءة في التصاريح. فهل بدأت أمريكا بالبحث في مرحلة ما بعد التدخّل الروسي؟ ______________________ * عضو اللجنة التنفيذية للمنتدى القومي العربي |
