| "مسيرة الحقوق".. ملف خاص (ح5/ 5) |
| الاثنين, 05 مايو 2014 11:21 |
|
مسيرتا انواكشوط وبوكي.. الجزء الظاهر من جبل الجليد
بقلم: الولي ولد سيدي هيبه
* معبرة عن إرادة أصحابها على حد قولهم. * دون ما أراد لها مؤيدوها ممن ليسوا مقيدين باعتبارات سياسية أو التزامات لأطراف بأي معنى يكون ذلك فيما أبدوه من خلال تصريحاتهم. * مثبطة لمن دعموها في خطوة هي سياسية أكثر مما هي عمل ميداني تمليه القناعة الثابتة والإرادة الصادقة في تناول كبريات القضايا التي تهز صمتا وجهرا نسيج الأمة.
* محيرة لإعلام غطاها انسجاما مع الأهواء المبعثرة والقراءات المرتجلة والمخلخلة، ولم يحملها متون وسائطه المتعددة مكتوبة ومسموعة ومرئية بما تستحق في جوهرها من ناحية، وفي إطناب فوضوية المشهد بما لا تستحقه أو تتطلبه أو تستدعيه لضيق أفق الحوارية وحداثة العهد بعصر اللادولة من جهة أخرى.
مرضية، مثبطة، محيرة، مربكة، صفات متناقضة بقدر تكاملها تمخض عنها الحدث الاستثنائي لتضعه في دائرة اهتمام السلطة والأحزاب السياسية أغلبية ومعارضة بعيدا عن العزف على الوتر اليتيم للبحث عن السلطة غاية قصوى، والمنظمات الحقوقية جادة أو انتهازية، والإعلام مهنيا واعيا وصنوه هاويا متعثرا. وفي إطار ما لا بد منه بد، للحفاظ على الأمن العام وضمان السكينة، فإن شرعية العمل الميداني على تصحيح الاختلالات ودفع عجلة العدالة بكل أبعادها وأوجهها إلى إكمال دورتها بأسرع ما يكون للوصول إلى محطة دولة العدل والديمقراطية، أولى من الحراك السلبي الذي قد يقوض مسار البلد إن انزلق في خضم متاهات التظاهرات المعلنة اللون والصفة؛ الأمر الذي لا يسقط أبدا شرعية أسباب النضالات ولا يمتلك قوة تأجيل حتمية تحقيق أهدافها.
في الهند لم يحدث أن نظم "المنبوذون" (وما أدراكم من هم المنبوذون!) تظاهرات باسم طبقتهم المسحوقة ولكن الشعب الهندي بما أوتيت طبقاته المتنورة من وعي متلاحق منذ بزوغ شمس الهند الجديدة وضع لتحقيق ذلك يدا في يد ليقف مع الأب الروحي لشبه القارة "المهاتما غاندي" في وجه الظلامية المهينة لكرامة الإنسان، ودفعوا بوتيرة النضال المجرد من الأهواء حتى كان للمنبوذين وغيرهم كل حقوقهم. وتعد مشاركتهم اليوم من أعظم أسباب نجاح الهند في كل المجالات وبكل المقاييس. إننا في موريتانيا ما زلنا حقا بعيدين كل البعد عن ذلك المستوى الراقي من الوعي، وإننا لا نخطو في التعاطي مع قضايانا الكبرى المزمنة أية خطوة إلى الأمام بما تمليه ضرورات عصر تغير فيه المعطى الإنساني حتى ناغم المثالية وشف عن هشاشة الاختلاف الواهي والسمو المفتعل بحد الظلم والجبروت واحتكار المعرفة. والأدهى والأمر أن الدولة الحديثة، وإن كانت ولادتها جاءت بإرادة المستعمر الفرنسي من رحم اللا دولة التي كانت قائمة، فإنها لم تستطع بما قدمت من فرص التحول الإيجابي أن تفرز نخبة تأخذ النقاء العملي مما حصلت من العلم وما أدركت من التفتح. هذه النخب ما زالت متلبسة بمفاهيم الماضي القاسية وعاجزة عن إدراك التحول من حولها.
خلال المسيرة التي نظمت باسم شريحة "لحراطين" لم يسجل التهافتُ على تأييدها أيَ غياب، وكأن ما قامت به الشريحة ضرب من التمثيل الذي لا يريد ممثل أن يغيب عن خشبته التي تعج بالممثلين أمثاله، ولا أن يفوته العمل بمقتضى ما دخل عليها خشبة، تستقبلُ وتصرفُ، من عوامل التمييع وإسقاط شرعية المطالب. ومهما كان من أمر فإن مثل هذا الحراك الذي يحمل طابع المطالبة بالحقوق بصيغ ما لم تؤطر قد ينقلب وجه الحق فيه نقمة لا تدرك مآلاتها. ويستدعي الأمر بأسرع ما يكون نبذ الغفلة السياسية التي لا تجاري هذا الحراك مجاراة تراعي وجه الوطن في أمنه واستقراره ووحدة أطيافه وإنما فقط لقضاء حاجات مكشوفة وإن خفيت في نفوس سدنتها ومحتكري أطرها. كما أنه لا بد، والأمور تجري على وجه لا يلامس الديمقراطية بكل ضماناتها ولا يحترم الدستور في قوته، من وعي شامل بحقيقة التحول الذي يشهده البلد في الألفية الثالثة وفي العقد السادس من عمر الدولة المستقلة، ومن ثم المراجعة التامة التي تمليها التحولات العميقة في بنية المجتمع وعقليات أهله ومتطلبات المرحلة؛ وهي التحولات التي لم تعد مواجهتها ممكنة كما يفعل النعام عندما يحدق به الخطر من كل جانب فإنه يدس رأسه في التراب ظنا منه أن صرف النظر عن واقع الخطر منجاة من وقوع البلاء. |
