للأجيال القادمة.. كي لا تنسى
الأربعاء, 05 نوفمبر 2014 08:54

 

عدم شرعية وعد بلفور

 

د.غازي حسين

 

altظهر تقرير كامبل نبرمان حول الإستراتيجية البريطانية في الشرق الأوسط عام 1907 وجاء فيه: "إن البحر الأبيض المتوسط شريان حيوي لمصالح بريطانيا الآنية والمقبلة.. وكل حماية ناجحة للمصالح الأوربية المشتركة لا بد لها من السيطرة عليه وعلى شطآنه الجنوبية والشرقية، وكل من يسيطر على هذه المنطقة يسيطر على العالم. وإن الخطر في هذه المنطقة يكمن في تحريرها وتثقيف شعوبها وتطوير وتوحيد اتجاهاتها، وعلى الدول ذات المصلحة أن تعمل على استمرار تأخرها وتجزئتها وإبقاء شعوبها متفككة جاهلة متناحرة، وعلى محاربة اتحاد هذه الجماهير، وإيجاد الوسائل العملية لفصل بعضها عن بعض ما أمكن. وتجب إقامة حاجز بشري قوي مانع غريب لفصل البلدان العربية الآسيوية عن البلدان العربية والإفريقية وذلك بشكل قوة صديقة لبريطانيا وعدوة لشعوبها."(1)

وطالب التقرير بضرورة إقامة "إسرائيل" في فلسطين.

وعندما جرت المباحثات بين فرنسا وبريطانيا وروسيا القيصرية عام 1916 لاقتسام مناطق النفوذ لم تتوصل هذه الدول في اتفاقية سايكس- بيكو إلى اتفاق حول مصير فلسطين لأن كل دولة من هذه الدول كانت تطمع بالاستيلاء عليها، لذلك نصت الاتفاقية على وضع فلسطين تحت الوصاية الدولية.

أخذت بريطانيا بكل ما لديها من أساليب للسيطرة على فلسطين، فوجدت في الحركة الصهيونية ضالتها المنشودة، كما رأت الحركة الصهيونية بدورها في بريطانيا البلد الوحيد في ذلك الوقت الذي بمقدوره أن يساعد الحركة الصهيونية بعد فشل مساعيها لدى تركيا وألمانيا وروسيا وفرنسا وبإقامة "إسرائيل" في فلسطين العربية.

وجرى الاتفاق بين دحاييم وايزمان زعيم الحركة الصهيونية والمسؤولين البريطانيين على أن تتعهد بريطانيا بمنح فلسطين لليهود مقابل أن تعمل الحركة الصهيونية على فرض الانتداب البريطاني على فلسطين. وتعهد وايزمان بتجنيد ما لدى الصهيونية من نفوذ سياسي واقتصادي لفرض الانتداب البريطاني على فلسطين.

وعندما تولى لويد جورج رئاسة الوزراء تحمّس لوضع فلسطين تحت السيطرة البريطانية، وذلك للمحافظة على المصالح البريطانية في الشرق الأوسط؛ وبشكل خاص قناة السويس، وتامين مواصلات بريطانيا بالهند وجنوب غرب آسيا، ولان تأسيس الدولة اليهودية سيحول دون تحقيق الوحدة العربية التي تهدد مصالح الاستعمار البريطاني في المنطقة.

وهكذا تلاحمت مصالح الاستعمار البريطاني والصهيونية، وتم تجسيد هذا التلاحم في وعد بلفور الاستعماري وغير القانوني.

سلم الصهيوني وايزمان بتاريخ 18 آب 1917 مسودة الوعد إلى بلفور وزير الخارجية البريطاني ليعرضها على مجلس الوزراء وجاء فيها:

"1- تقبل حكومة صاحب الجلالة المبدأ القائل بوجوب إعادة قيام فلسطين كوطن قومي للشعب اليهودي.

 2- ستنسق جهودها لتحقيق هذه الغاية مع المنظمة الصهيونية العالمية".(2)

وعرض بلفور صيغة الوعد عدة مرات على مجلس الوزراء إلى أن وافق عليها المجلس في التاسع من تشرين الأول عام 1917 واعترفت بريطانيا رسميا في الوعد بتاريخ الثاني من تشرين الثاني بشكل رسالة وجهها بلفور إلى المليونير اليهودي روتشيلد. وجاء في هذه الرسالة ما يلي: "إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، على أن يفهم جليا أنه لن يؤتى بعمل من شانه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي يتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين".(3)

إن هذه الرسالة التي وجهها بلفور إلى المليونير روتشيلد لا تعتبر في نظر القانون الدولي تصريحا أو معاهدة دولية لأنها وحيدة الطرف ولا قيمة حقوقية لها.

فالقانون الدولي يعّرف التصريح بأنه يصدر عن دولتين أو أكثر تحددان به موقفهما من قضايا سياسية أو اقتصادية أو حقوقية معينة ووجهات النظر في هذه القضايا.

ووعد بلفور لم يكن اتفاقا بين دولتين وإنما عبارة عن تصريح وحيد الطرف أعطي لشخص ليست له صفة دولية.

والتصريح لم يوقع عليه شخصيتان حقوقيتان دوليتان ولم يوقع عليه رسميون من جانب تينك الشخصيتين الحقوقيتين؛ فاللورد روتشيلد شخص عادي ليس له صفة حقوقية دولية.

وأما فحوى رسالة بلفور فهي مخالفة لأبسط مبادئ القانون الدولي، وحتى الوعود الرسمية التي وعدتها بريطانيا العرب، كما أن فلسطين ليست بأرض بريطانية وسكانها ليسوا برعايا بريطانيين فلا يحق لبريطانيا أن تنتزع فلسطين من أكثرية سكانها الساحقة لتعطيها لأقلية مستوردة من خارج البلاد.

وخلال انعقاد مؤتمر السلام عام 1919 في باريس طالبت الحركة الصهيونية بوضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني كي يتم تحقيق وعد بلفور وقدمت مشروعا لنظام الانتداب في فلسطين.

وأعلنت عصبة الأمم صك الانتداب على فلسطين بتاريخ 6 تموز 1921، وصودق عليه في 24 تموز عام 1922، ووضع موضع التنفيذ في 29 أيلول من نفس العام. وجاء في نص المادة الثانية من صك الانتداب ما يلي:

"تكون الدولة المنتدبة مسؤولة عن وضع البلاد في أحوال سياسية وإدارية واقتصادية تضمن إنشاء الوطن القومي اليهودي وفقا لما جاء بيانه في ديباجة هذا الصك، وتكون مسؤولة أيضا عن صيانة الحقوق المدنية والدينية لجميع سكان فلسطين بغض النظر عن الجنس والدين".(4)

وهكذا استطاع الاستعمار والصهيونية تجسيد أهدافهما في وعد بلفور ونظام الانتداب الذي تضمن تنفيذ هذا الوعد.

إن نظام الانتداب الذي أقرته عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى كان وسيلة من وسائل الاستعمار لإعادة توزيع المستعمرات ومناطق النفوذ التي كانت خاضعة للسيطرتين التركية والألمانية، وكانت عصبة الأمم أداة في يد الدول الاستعمارية لخدمة مصالح هذه الدول.

 وعينت بريطانيا الصهيوني صموئيل كأول مندوب سام على فلسطين لكي يعمل على خلق أجواء لتنفيذ وعد بلفور وإقامة الدولة اليهودية.

وخلال فترة الانتداب عملت بريطانيا على جعل الوكالة اليهودية حكومة داخل حكومة وفتحت أبواب فلسطين للهجرة اليهودية وشجعت الصهاينة على الاستيلاء على الأراضي العربية وسمحت للوكالة اليهودية بإنشاء قوات مسلحة كعصابة الهاتماناة شيرن والارغون.

وكانت قوات الانتداب البريطاني تقمع انتفاضات الشعب العربي الفلسطيني بمنتهى الوحشية.

وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية خرجت بريطانيا من الحرب أضعف مما كانت عليه؛ بعكس الولايات المتحدة الأمريكية التي أصبحت أقوى مما كانت عليه، ولاحظت الحركة الصهيونية مركز بريطانيا الآخذ في التدهور فتوجهت إلى الولايات المتحدة الأمريكية وارتمت في أحضان الاستعمار الأمريكي وحولت مركزها من لندن إلى واشنطن، واستغل الاستعمار الأمريكي هذا التحول فأخذ يتدخل في القضية الفلسطينية لصالح الحركة الصهيونية العالمية وصالح الإستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط.

وأخذت الولايات المتحدة تزيد من اهتمامها بالشرق الأوسط؛ لوجود كميات هائلة من النفط، ولموقعه الاستراتيجي المهم، وأخذ النفوذ الأمريكي يزداد في المنطقة، بينما أصبحت فرنسا وبريطانيا عاجزتين عن المحافظة على مصالحهما الاقتصادية والإستراتيجية فيها.

انطلق وعد بلفور الاستعماري، ونظام الانتداب البريطاني، الذي كان شكلا جديدا من أشكال الاستعمار بعد الحرب العالمية الأولى من الأطماع.

والخرافات والأكاذيب التي رسخها كتبة التوراة والتلمود لإقامة دولة اليهود في فلسطين العربية، لخدمة مصالح الاستعمار البريطاني والصهيونية العالمية وعرقلة الوحدة العربية ومعاداة العروبة والإسلام.

وتستند الأمة العربية في موقفها من عروبة فلسطين إلى الأسباب التالية:

·    الحق التاريخي للعرب منذ بدء التاريخ وحتى اليوم؛ فالعرب سكان فلسطين الأصليون وأصحابها الشرعيون.

·    بطلان وعد بلفور ونظام الانتداب البريطاني.

·    عدم شرعية تقسيم فلسطين.

·    حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وحق اللاجئين في العودة إلى ديارهم واستعادة أرضهم وممتلكاتهم انطلاقا من مبادئ القانون الدولي والعهود والمواثيق والقرارات الدولية، وأسوة في التعامل الدولي.

بنَت الأمة رفضها للتقسيم لاعتبارات تاريخية وقانونية واقتصادية وجغرافية وقومية، لأنه جاء نتيجة تخطيط وتنسيق وتعاون استعماري – صهيوني موجه ضد العرب لتقويض عروبة فلسطين، وإنشاء دولة لليهود غريبة عن المنطقة، دخيلة عليها ومعادية لشعوبها وصديقة للدول الاستعمارية.

وتصر الأمة على أن فلسطين أرض عربية، وأن وعد بلفور ونظام الانتداب باطلان، لأن فلسطين ليست بأرض بريطانية كي تمنحها بريطانيا لليهود الغرباء عنها والدخلاء عليها.

 

المصادر

1-    انظر: وثائق فلسطين، دائرة الثقافة في منظمة التحرير الفلسطينية 1987، ص 81 نقلاً عن منشورات المؤتمر السادس للثقافة العمالية في الوطن العربي وطرابلس 1983، الصراع العربي الصهيوني، د.غازي حسين، ص7.

2-    ليونادر شتاين"وعد بلفور" بالانكليزية نقلاً عن وثائق فلسطين، دائرة الثقافة في منظمة التحرير الفلسطينية 1987، ص 83.

3-    وثائق فلسطين، مصدر سابق ص 84.

4-    وثائق فلسطين، مصدر سابق ص 106.

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

الآن في المكتبات

فيديو

المتواجدون الآن

حاليا يتواجد 1 زائر  على الموقع