| من سيكون الرئيس القادم للولايات المتحدة؟ |
| الأحد, 17 أبريل 2016 07:44 |
|
بقلم تييري ميسان
على الرغم مما يبدو في الظاهر، فالمنصب الرئاسي يتمتع بصلاحيات محدودة. هكذا كان واضحا للجميع أن الرئيس جورج والتر بوش، لم يكن يملك القدرة على الحكم، وأن آخرين كانوا يقومون بذلك نيابة عنه. نفس الأمر حاليا، إذ من الواضح أيضا أن الرئيس باراك أوباما، لا يتمكن من أن يُطاع من قبل مجمل فريق إدارته. على سبيل المثال، بالنظر إلى ما يجري على أرض الواقع في كل من أوكرانيا وسورية، نرى رجال البنتاغون يشنون حربا شرسة ضد الرجال التابعين لوكالة الاستخبارات المركزية. في الواقع، السلطة الرئيسية للبيت الأبيض ليست في قيادة القوات المسلحة؛ بل في تعيين - أو في تثبيت- 14000 مسؤول كبير (منهم 6000 أثناء تنصيب الرئيس). ما وراء هذه المظاهر، فإن الرئيس هو الضامن للحفاظ على سلطة الطبقة الحاكمة، الأمر الذي يفسر أن هذه الأخيرة هي من تنتخب، وليس الشعب. من المفيد أن نذكر بأنه، بحسب (المادة 2، القسم1) من الدستور، لا يتم انتخاب رئيس الولايات المتحدة بموجب اقتراع عام في الدور الثاني، كما تزعم وسائل الإعلام الجاهلة؛ بل فقط من خلال 538 ممثلا لحكام الولايات. الدستور لا يلزم أيضا حكام الولايات بتسمية الناخبين، بما يتفق ورغبات ناخبيهم التي عبروا عنها أثناء الاقتراع الاستشاري الذي سبق. هكذا رفضت المحكمة العليا في الولايات المتحدة عام 2000 إلغاء الناخبين الذين عينهم حاكم ولاية فلوريدا، بينما كانت الشكوك تحوم حول حقيقة رغبات ناخبي تلك الولاية. لنتذكر أيضا أن "الانتخابات التمهيدية" لا تنظمها الأحزاب السياسية، كما هو الحال في أوروبا؛ بل الولايات - تحت إشراف الحكام- كل حسب النظام الخاص بولايته. لقد صُممت الانتخابات التمهيدية ليتسنى لكل واحد من الحزبين الكبيرين تقديم مرشح لمنصب الرئاسة، يكون متوافقا مع مصالح حكام الولايات. إذن، هي منظمة وفق النموذج السوفياتي "للمركزية الديمقراطية" لكي تتاح إزالة أي شخص يتمتع بفكر أصيل، أو بكل بساطة، لديه استعداد للتشكيك في طبيعة النظام (السيستيم) لمصلحة شخصية "توافقية". إذا لم يتوصل المواطنون المشاركون إلى تسمية مرشح، أو لا سيما إذا توصلوا إلى تسمية مرشح، لكنه تبين أنه لا يتوافق مع النظام، فمؤتمر الحزب الذي سينعقد هو من يبت بهذا الأمر، عبر الإطاحة بانتخابات المواطنين، إذا لزم الأمر. الانتخابات التمهيدية الأمريكية إذن ليست "برهة ديمقراطية" بل على العكس من ذلك، عملية، من ناحية، تسمح للمواطنين بالتعبير عن أنفسهم، ومن ناحية أخرى، تدفعهم للتخلي عن مصالحهم، وأفكارهم، ليقفوا صفا واحدا وراء مرشح متوافق مع النظام. عام 2002، نشر روبرت آ. دال، أستاذ القانون الدستوري في جامعة ييل، دراسة حول الطريقة التي تمت بموجبها كتابة الدستور عام 1787، فقط ليتأكد بأن الولايات المتحدة لم تكن يوما ديمقراطية حقيقية . وفي الآونة الأخيرة (عام 2014) برهن اثنان من أساتذة العلوم السياسية، مارتن غيلنز، في جامعة برينستون، وبنيامين آي. بيج، في جامعة نورث ويسترن، على أن النظام قد تطور إلى درجة صار ممكنا بها الآن التصويت على كل القوانين حسب الطلب، وتحت إشراف نخبة اقتصادية، دون أخذ آراء المواطنين أبدا بعين الاعتبار. اتسمت فترة رئاسة باراك أوباما بالأزمة المالية، ثم الاقتصادية، عام 2008، كان من أبرز نتائجها، نهاية العقد الاجتماعي. حتى الآن، العامل الذي ظل يوحد الولايات المتحدة، هو "الحلم الأمريكي" الفكرة التي تسمح لكل فرد أن يخرج من الفقر، ويصبح ثريا من ثمار عمله. وتأسيسا على ذلك، يمكن قبول كل أشكال الظلم، طالما يحدونا الأمل "بالخروج" من الفقر. من الآن فصاعدا، يستثنى من ذلك "فاحشو الثراء" الذين لا يكفون عن المزيد من الإثراء، سيكون أفضل شيء يمكن أن يقوم به الأمريكي، هو أن لا يفشل. نهاية "الحلم الأمريكي" أثارت بداية ردود فعل غاضبة، فأنتجت عام 2009 لدى أوساط اليمين حزب الشاي، ومن اليسار "أوكيوبي وول ستريت" عام 2011. الفكرة العامة، هي أن هذا النظام غير المتكافئ، لم يعد مقبولا، ليس لأنه واقع في حفرة؛ بل لأنه أصبح ثابتا ودائما. مؤيدو حزب الشاي يؤكدون أنه، كي تصبح الأمور أفضل، ينبغي تخفيض الضرائب، وكل فرد يدبر أموره بنفسه، بدلا من انتظار الرعاية الاجتماعية. في حين يفكر أنصار أوكيوبي وول ستريت، أنه على العكس من ذلك، يجب فرض ضرائب على كبار الأثرياء، وإعادة توزيع ما يتم تحصيله منهم. مع ذلك، فقد تم تجاوز هذه المرحلة في عام 2015 مع دونالد ترامب، الملياردير الذي لا يتعارض مع النظام (السيستيم) لكنه يزعم أنه استفاد من "الحلم الأمريكي" وأنه قادر على إعادة إطلاقه. هكذا في كل الأحوال تفهم المواطنون شعاره "أمريكا عظيمة من جديد". لا يرغب أنصار ترامب بالمزيد من شد الأحزمة لتمويل المجمع العسكري الصناعي، وإطلاق الامبريالية من جديد؛ بل يأملون أن يتمكن من أن يفسح لهم بأن يصبحوا - هم أيضا بدورهم- أثرياء، تماما كما فعلت عدة أجيال من الأمريكيين قبلهم. ففي حين أضفى حزب الشاي، وأكيوبي وول ستريت الشرعية، كلٌ على مرشح معسكره، تيد كروز عند الجمهوريين، وبيرني ساندرز عند الديمقراطيين، عصف ترشح دونالد ترامب بالمواقف المكتسبة لأولئك الذين لاذوا بالحماية، أثناء الأزمة المالية عام 2008 عن طريق إقفال النظام، فهو لا يبدو بالتالي معارضا للثراء الفاحش؛ بل لكبار المسؤولين وممتهني السياسة وجميع "الأثرياء المخبئين" الذين يتمتعون بمداخيل ضخمة، لكنهم لا يجازفون البتة شخصيا. إذا وجب علينا مقارنة ترامب مع شخصيات أوروبية، فلن تكون المقارنة مع جان ماري لوبن (حزب اليمين المتطرف، فرنسا) ولا مع جورج هايدر (اليمين المتطرف، ألمانيا) بل مع برنار تابي (يسار، فرنسا) وسيلفيو برلسكوني (إيطاليا). المصدر: شبكة فولتير |
