رحلة ولد ابن المقداد الاستكشافية إلى آدرار 1900(ح1)
الأحد, 25 نوفمبر 2012 08:44

 

د. سيد أحمد ولد أحمد سالم

altهذا هو النص المحفوظ أصله بمدينة سان لويس بالسنغال والموجه إلى السيد الوالي العام لإفريقيا العربية الفرنسية. والتقرير وضعه المترجم الرئيسي ذو الدرجة الأولى محمد ولد ابن المقداد (الصورة) حول مهمته الأخيرة في آدرار وحول ما دار من حوادث كان شاهدا عليها حين صاحب البعثة التجارية لابلانشيه وكان مكلفا رسميا بمصاحبته عبر الغرب الأفريقي.

 

نص التقرير

 

سان لويس 1 ديسمبر 1900

السيد الوالي العام

بموجب القرار الصادر بتاريخ 19 مارس 1900 فقد تشرفت بوضعكم إياي تحت تصرف السيد ابْلانشَيه رئيس البعثة التجارية التي نيطت باكتشاف مناطق البيظان بالغرب الأفريقي. كما كلفتموني في الوقت نفسه بمهمة خاصة تتعلق بالمختار ولد عيده أمير آدرار الجديد وتعني تسليمه المبلغ السنوي للامتياز الذي تدفعه له فرنسا، هذا مع تكليفي بالاستعلام حول التجمعات القبلية التي تستوطن آدرار وتيرس ووادي نون خاصة فيما يتعلق بدرجة تأثيرها وعدد بنادقها وخاصة تلك المحتمل أن تكون بحوزتها... الخ.

وبموجب الرسالة رقم 65 بتاريخ 21 مارس فقد تفضلتم بإعطائي تعليماتكم حول مهمتي المزدوجة، كما حددتم لي بموجب هذه الرسالة السلوك الذي يجب علي اتخاذه خلال هذه السفرية: أي الدور المنوط بي اتجاه السيد ابلانشيه، وواجباتي اتجاهه، واتجاه الوالي الذي شرفني بثقته.

لقد انتهزت فرصة مقامي بآدرار فجمعت معلومات عن الوضعية التجارية والفلاحية للمناطق التي جبتها.

وها أنا أتشرف اليوم -السيد الوالي العام- أن أقدم بكل أمانة هذا التقرير عن سفريتي.

كانت بدايات سفر السيد ابْلانشَيه ورفاقه سعيدة، فقد قطعنا منطقة الترارزة في أمان تام حيث كان المظهر التجاري للسفرية طاغيا.

سافرنا في البداية تحت قيادة أحمد سالم أمير الترارزة الذي أبدى صداقته الحقيقية لنا، وقد زوده السيد ابْلانشَيه -بعد رجوعه عنا- بإفادة شهد له فيها بحسن سلوكه اتجاهنا.

إن الوضعية الخاصة لمنطقة الترارزة لم تكن لتسمح لأحمد سالم بمرافقتنا لمدة طويلة لذلك أسند حمايتنا لمولاي رئيس العلبْ إحدى المجموعات التروزية، وقد زود ابْلانشَيه مولاي بشهادة تنم عن إخلاصه.

بعد سبعة أيام من مفارقتنا لمدينة سان لويس التقينا برسول المختار ولد عيده حاملا رسالة خطية مضمونها إعلامنا بأن وجود مسلحين بين ظهرانينا، إشارة منه إلى القناصة الذين يحرسوننا- سيشكل صورة سيئة عنا عند أهل آدرار، ولذلك طلب مني -وهو أمر مستحيل الوقوع- أن أذهب إليه وحدي تاركا رفقائي الأوروبيين الثلاثة.

قمت بترجمة الرسالة وإبلاغها للسيد ابْلانشَيه. وعلى الفور عقد أعضاء السفرية جلسة وبعد المناقشة اتفقنا مع رسول المختار ولد عيده على ذهاب الجميع نحو اتويزكت حيث سنترك رجال الحراسة والأدلاء والأمتعة تحت حماية صديقنا الشيخ سعد بوه على أن أذهب أنا وابلانشيه ورفيقاه نحو آدرار.

إلا أنه، وبعد يومين من الوصول إلى اتويزكت حاول أولاد اللب تلك القبيلة المستقلة عن الأمير والتي تمر علاقاتها به بفترة عصيبة، حاولوا أن يغيروا على جمالنا وكانت ترعاها زمرة من قناصينا يقودها عريف.

هب الملازم أول اجوينوت غامبيتا مع فرقته لرد الغارة وما إن وصل إلى عين المكان حتى توقف إطلاق النار وولى البيظان على أعقابهم مدبرين.

وبعد وقوع الحادثة أعلن رسول الأمير، الذي يفترض أن يقودنا إلى أطار، أنه لم يعد بإمكانه بعد ما رأى أن يمنعنا من أي غارة محتملة. ولذلك اقترح علينا التوجه نحو تابْرنكوت مع رجالنا. وذلك ما سيسمح له بالذهاب نحو المختار ولد عيده، على أن يلتمس منه السماح باصطحاب حراسنا أو يرسل لنا فردا من أسرته يكون خفيرا لسفريتنا.

وافقنا بالإجماع على هذا الاقتراح، وطلبت من رئيس البعثة أن يأذن لي في السفر مع رسول الأمير رغبة مني في الاستعلام شخصيا، وحتى أستغل كذلك تأثيري من أجل تبديد شكوك الزوايا المتطرفين؛ تلك الشكوك التي قد توهم المختار ولد عيده بعدم صدق نوايانا. بيد أن السيد ابْلانشَيه كان يرى أن بقائي بجانبه مفيد جدا، فوجودي معه في الظروف الراهنة أفضل بكثير -في اعتقاده- من ذهابي أمامه.

ثم إننا كلفنا عبد الله فال وهو أحد أقرباء شيخ قرية انجاكو، وكان السيد ابْلانشَيه قد اكتتبه كوكيل استعلامات، بمرافقة مبعوث الأمير وقد قبل ذلك وتواعدنا معهما أن ننتظر نحن بتابرنكوت.

عاد بريدنا بعد أيام وبرفقته أحمد بن المختار ولد عيده يحيط به اثنا عشر فارسا. وقد أعلمنا أن أباه مستعد لاستقبال البعثة على الرغم من معارضة سكان البلد زوايا وعربا.

أما عبد الله فال فقد ذكر لنا معارضة السكان جميعهم لقدومنا خاصة؛ وأنها أول مرة يصل فيها النصارى إلى آدرا، كما ذكر أن التطرف قد بلغ ببعض القبائل حدا جعلها تعرض على الأمير أموالا طائلة من أجل صدنا.

ذهبنا مع دليلنا أحمد ولم نلاق بأسا حتى وصلنا لكهان (لعله كنوال) وهو على بعد ثمانية كيلو مترات من العاصمة، أمرنا أحمد بالتوقف وانتظار قدوم المختار ولد عيده الذي كان في منتجعه خارج أطار.

بعد نزولنا لكهان (لعله كنوال) وبعد الزوال مثُل أمامنا رسُل الأمير وطلبوا منا التوجه معهم نحو العاصمة بأوامر من الأمير حيث هيئَ لنا نُزُلٌ، فشكرنا لهم وأعددنا أمتعتنا وقربنا جمالنا ثم تبعناهم.

عند قدومنا للمدينة ذكر لنا ممثلو المختار ولد عيده أن سكان البلد لا يثقون فينا ما دمنا مسلحين بل وهم على يقين أن لنا أهدافا أخرى عير معلنة، فلسنا نسعى إلى اتفاق سلمي معهم ولذلك يرجون منا أن نصبح عُزلا.

أثبتنا لهم مرة أخري أنا مسافرون بسطاء وأنا لا نسعى إلا لإقامة علاقات تجارية وأخوية. وحتى نؤكد لهم مظهرنا المسالم اتفقنا على جعل بنادقنا في غرفة من المنزل الذي يؤوينا ووعدناهم بعدم خروج أي أحد من رجالنا مسلحا. وسعيا إلى طمأنتهم اقترحنا عليهم كراء خدام يجمعون لنا الحطب ويحضرون الماء حتى لا يخرج أحد من رجالنا خارج المنزل.

وقد قبلوا عرضنا ووعدوا بإحضار الخدم المطلوبين إلا أنهم لم يفوا بذلك الوعد.

بعد يوم حضر أحمد ولد المختار وبصحبته رجل أسند إليه مرافقة قناصينا إلى الماء وقد تم ذلك دون عائق. ساعتئذٍ أعطاني السيد ابلانشيه مشروع معاهدة أقدمه للأمير من أجل توقيعه بعد أن أشرح له جميع عباراته.

وتنص هذه المعاهدة على أن أمير أطار يمنح لرئيس البعثة حق إقامة مركز تجاري على الشاطئ وحق المتاجرة مع أتباعه، وفي المقابل يلتزم ابلانشيه بإعطاء امتياز سنوي للأمير بمقدار ألف قطعة من القماش الأسود (النيلَه) وضرائب تؤخذ على البضائع بآدرار.

ذهبت إلى المختار ولد عيده الذي استقبلني بحفاوة بالغَة فشرحت له هدف الزيارة وكان يستمع إلي بانتباه فوعدني بأن يكون بعد غد معنا وأنه سيناقش بنود الاتفاقية مع ابلانشيه. كان واضحا على قسمات وجهه أنه راغب في الاتفاقية.

إلا أنه ومع الأسف وخلال نفس اليوم بلغ مسامع الأمير وصول محمد الأمين ابن أخيه وأخو أحمد وهو الهارب الذي سأتحدث عنه فيما بعد. كان هذا الرجل بصحبة فرسان من أولاد غيلان تلك القبيلة التي تناصب الأمير العداء. كما رفع إليه أن بعض الأعيان من حاشيته يتواطئون مع محمد الأمين على اغتياله. وكل هذا يزيد شكوك الأمير اتجاه هؤلاء الخارجين ويضاعف قلقه كما يهز سلطته المحدودة.

altفي هذا الوضع غير الآمن ارتأيت أن أعود إلى أطار حيث رفاقي حتى أخبرهم بما يتم تدبيره وحتى نعد أنفسنا في حالة ما إذا تم اغتيال الأمير وهو حامينا الوحيد وقد صار اغتياله احتمالا واردا.

خلال وجودي بجانب الأمير قام بعض زوايا أطار وخاصة السماسيد وهم سكان هذه المدينة بانتهاز الوضع الحاد وإغراء محاربي أطار عن طريق دفع بعض الأموال لكي يهاجموا النصارى الذين لم يأتوا -حسب زعمهم- إلا لاحتلال البلد. وقد نجح مدبرو هذه الخيانة الخسيسة في إقناع المحاربين.

في الصباح الباكر وفي غياب ابن المختار ولد عيده الذي ترك أطار عند مقدم محمد الأمين، رغما عنه، والتحق بأبيه أرسل لنا خادما ليقود قناصينا إلى الماء وهم عُزْلٌ وقد كانوا يترصدونهم عند البئر. فور وصول القناصة أطلقوا عليهم النار فأردوا بعضهم قتيلا وجرحوا أكثرهم.

تناهي إلى مسمعي صوت الطلقات وأنا في المنزل فاندفعت إلى الخارج مذعورا لكي أعرف ما الذي حصل فسمعت امرأة ترفع صوتها قائلة: لقد تم قتل النصارى الذين جاؤوا لأخذ نخيلنا، عدت مسرعا إلى المنزل فوجدت السيدين ابلانشيه وديزين الذين أخبراني أن القناصة استُدْرجوا إلى كمين غادر وأن العريف اجوينوت غامبيتا ذهب على رأس عدة رجال لمساعدتهم.

طلبت من السيد ابْلانشَيه أن يلتحق بالعريف فرفض وآثر أن يظل محتفظا بي معه. بعد برهة عاد العريف ومعه الجرحى وكان هو نفسه جريحا حيث أصيب أعلى ركبته.

سارعنا إلى تضميد الجراح مع مراقبة الطريق حتى يظل البيظان بعيدين منا.

وفي نفس الوقت قام سيدي وهو أحد مقربي المختار ولد عيده الذي لم يشأ أن يزورنا بنفسه بإرسال مبعوث يطلب منا وقف إطلاق النار وأنه هو على مستواه سيبذل قصارى جهده حتى يوقف البيظان النار وأن منفذي هذه الخيانة هم بعض الساخطين وقد قاموا بفعلهم دون معرفة الأمير.

أجبت مبعوث سيدي أن على البيظان أولا وقف إطلاق النار وشرحت له كم كانت خيانتهم جسيمة حين كمنوا لقناصينا وقتلوهم وهم عُزْلٌ، وأفهمته أن الفرنسيين قادرون على أخذ الثأر من منفذي هذا المكر بل ومن الأمير المختار ولد عيده نفسه وقد فهم المبعوث ذلك.

وفعلا تم إيقاف العمل العدواني فورا، وأرسل لنا سيدي قِرَبًا ملأى ماء، وقد حذا حذوه بعض أصدقائي القدماء فأرسلوا الماء بدورهم علما بأن لم يعد في استطاعتنا الحصول عليه.

وفي المساء عاد أحمد وكان همه الأول أن يزورنا ويعرب عن مشاعره الطيبة اتجاهنا وعن إخلاصه لنا، كان الغيظ يكاد يخنقه، وكان مستاء من غدر البيظان الخسيس. وقد عرض على رئيس البعثة ورجاله أخذ أطار، وأن يكون أول من يأخذ بالثأر من أصحاب هذه الفعلة الحمقاء التي تعرضنا لها.

أفهمناه أننا لم نأت للقتال وألححنا عليه أن يحضر وبسرعة جمالنا كما أعطيناه رسالة إلى أبيه مضمونها الإخبار بما حصل لنا من فعل شنيع وأعربنا له عن استيائنا التام.

غادرنا (أحمد) واعدا بإحضار الجمال واتخاذ الإجراءات اللازمة لتأميننا.

غير أن عصابات مسلحة مثيرة من المتطرفين المدربين من طرف محمد الأمين وأنصاره وصلوا نفس اليوم ولم تكن له (أحمد) أي سلطة عليهم.

اجتمع الرؤساء الحاقدون علينا ومعهم أعيان أطار وحلفاؤهم الأساسيون في دار مجاورة لدارنا وباتوا يتشاورون في تحضير هجوم الغد.

ومن جانبنا قمنا بإعداد وسائل تأميننا فنقبنا الحائط حتى يتسنى لنا صنع منافذ للرمي فقد آلينا أن لا تزهق أرواحنا إلا بثمن غال فتسلحنا وجلسنا ننتظر.

عند بزوغ شمس يوم العاشر من يونيو بدأ إطلاق النار، واجهناهم بالمثل فحمي الوطيس، ولم يكن إطلاق النار يتوقف إلا هنيهات قصيرة جدا.

خلال هذه الفترة كان يبلغ مسامعي من حين لآخر أن المهاجمين لا يقدرون على قتلي ولا يريدونه أصلا وأن على أن أخرج من الدار وأترك الكفار لأني مسلم تقي ألقَّبُ بالحاج، وهو لقب يجعلني مقدسا في أعينهم، وأنني ببقائي مع النصارى أخالف ديني وأعادي أبناء الرسول (صلي الله عليه وسلم). وقد أجبتهم بأن مسألة الدين بالنسبة لي ليست مثارة وأنهم نقضوا عهدهم وقد أرغمونا على الدفاع عن أنفسنا. كما أنني شخصيا لا أرهب الموت أيا كان مصدره، من أخ كانت أم من عدو، وأن واجبي يفرض على ملازمة رفقائي وتأمينهم ما أمكنني ذلك ولن أتخلي عن هذا الواجب.

عندئذ نادوا عبد الله فال، وكيل استخبارات السيد ابلانشيه، الذي أستأذن عند الظهر في الذهاب إلى البيظان ومفاوضتهم وقد طلب منه أصدقاؤه التوجه إليهم ومع الأسف فقد خالف فتوجه إلى من لم ينادوه فأطلقوا عليه النار.

استمرت هذه المعركة الشرسة من السادسة صباحا حتى الثالثة بعد الظهر وقد كلفتنا موت ثلاثة قناصين وإصابات متعددة بالجراحة فقد جرح ابلانشيه وكذلك اعبيدي فال وهو بيظاني شاب من إعدادية أبناء الشيوخ وملحق بالبعثة بوصفه مترجما كما جرحت رجلي اليسرى.

وفي هذا الوقت ناداني اليدالي وهو شاب بيظاني من منطقة الترارزة كان دليلنا منذ ذهابنا من سان لويس.

لقد أسر اليداليَّ أعداؤنا في الليلة الماضية على حين غفلة منه ووضعوا السيف على عنقه وهددوه إن لم يُرِهم وسيلة ناجعة لمباغتتنا، إلا أنه ظل صامتا رغم تهديدات المعتدين.

altناديت هذا الشاب فأخبرني أن المختار ولد عيده وصل وأنه يطلبني شخصيا. وقد رأى بلانشيه أن ألبي دعوة الأمير فخرجت من الدار مستندا في جانب إلى خادمي الشاب وفي الجانب الثاني إلى بيظاني يعتبر نفسه منا ويدعي أنه تلميذ الشيخ سعد بوه.

جئت إلى الدار وفي اعتقادي أنني سألتقي بالمختار ولد عيده إلا أنني لم أجد بها سوى ممثليه الذين استقبلوني بشكل شبه حسن، وقد قالوا لي إن من غير الممكن إيقاف هذا الاعتداء الموجه من طرف المتزمتين المتحمسين إلا بوضعنا لأسلحتنا، كما قالوا لي إن على رفقائك الالتحاق بك، وبقاؤك سجينا، حتى يستجيب لنا النصارى وعندها سنلبي رغباتكم ونزود رجالكم بالماء.

كتبت فورا إلى زملائي المنكوبين عارضا عليهم الوضع، كنت أعرف أن هذا سيرعبهم وقد أشرت عليهم بالإتيان.

جاء السيدان ديزين واجوينوت غّامبيتا على الفور وتم إعطاؤهما الشراب. سألنا البيظان لماذا لم يأت ابلانشيه؟ فقلنا لهم : إنه ينتظر إيصال الماء الذي وعدتم به إلى رجاله. لم يقتنعوا بهذه الإجابة ورفضوا الوفاء بالتزاماتهم. كتب السيد اجوينوت إلى ابلانشيه رسالة فالتحق بنا فطالبناهم بإرسال الماء إلى رجالنا.

تناهت إلى أسماعنا طلقات نارية فقيل لنا إن قناصينا هربوا وتركونا وتركوا أمتعتنا بعد أن أصبحوا بدون قائد.

وقد تم نهب كل ما تملك البعثة من أسلحة وأمتعة وبضائع وزاد وقد أصبحنا سجناء.

في مساء نفس اليوم زارنا المختار ولد عيده وعبر لنا عن أسفه الشديد على ما وقع من أحداث مؤسفة. بينما أكد أننا بحكم كوننا سجناء فحياتنا مضمونة وهو ملتزم بذلك.

ولكن واحسرتاه! فالأمير المسكين صادق في قوله فوضعيته الخطيرة وأمنه المهدد فرضت عليه أن يأتينا محاطا بحراس مثيرين من مناصريه.

قد كان الزوايا والمحاربين على علم بنيات الأمير الطيبة اتجاهنا لذلك اجتمعوا من جديد لمناقشة قضيتنا وقد فرض المتحمسون رأيهم فطلبوا من المختار ولد عيده أن يسلمنا للقتل لأن ذلك مقتضى الشريعة المحمدية؛ فينبغي قتل كل من يحاول أخذ أرض المسلمين أو مالهم. وقد أكدوا أننا جئنا لآدرار رغبة في احتلال البلد وتحضيرا للغزو.

وفيما يخصني فقد كانت وضعيتي جدَّ صعبة؛ إذ ضربت بالسلاح إخوتي في العقيدة دفاعا عن النصارى وحرصا على البقاء معهم، على الرغم مما عُرض علي وعلى الرغم من التحذيرات التي وجهت لي. ولذا فأنا استحق موتا بطيئا مرعبا بأفظع عذاب ممكن. لقد طلبوا من الأمير أن يسلمني لهم مقيدا موثقا كما عرضوا عليه في المقابل هدايا ثمينة وغرامات تؤخذ منهم. ثم هددوه بالهجرة عن البلاد إذا رفض تسليم النصارى للقتل أو خلى سبيلنا نذهب إلى سان لويس.

حاول الأمير بكل ما أوتي أن يصرفهم عن عزمهم وأن يفي لنا بوعده (أي عدم قتلنا) مؤكدا أنني صديقه الأمثل وصديق ذويه وأنه واثق من قولي ومن قول أصحابي المسالمين وأنه يعتبرني كابنه ويستحيل عليه تسليمي أو تسليم النصارى إليهم.

ولكي يزعزعوا ثقة الأمير بي أعلنوا له أن أسفاري السابقة إلى آدرار كانت لهدف التجسس على الأمير السابق ودراسة البلد وتهيئة قدوم البيض لغزو المنطقة. وأنني كفرت بدين الرسول وخنت أمانته وأمانة آله. وأنني استحق قتل الغادر بل على الأمير أن يسلمني مقيدا لسلطان المغرب بوصفي أسير حرب.

وأذكر أنني أتيحت لي الفرصة مرتين للفرار وبصورة سرية لكن بشرط أن أكون وحدي. فأولا عرض على عبد الله بن عثمان وسأتحدث عنه في مناسبة أخرى- الهروب، كما عرضه على مولود بن مولود وقد اتخذ كلاهما الاحتياطات الأمنية من أجل هروبي. وقد رفضت العرضين بطبيعة الحال.

تمادى المختار بن عيده في رفضه على الرغم من إحراجه الشديد، لقد كانت الإغراءات المادية تغريه كما كانت تزعجه تهديداتهم التي يعلم جيدا أنها قد تودي بحياته ومن جهة أخرى يعلم جيدا أن من مصلحته أن يحمينا ويبقي على أرواحنا مما يعني الإبقاء على علاقاته بالحكومة، فهو يدرك أن فرنسا ستثأر بصورة مدوية وعنيفة عندما يُغْدَر بمواطنيها.

وقد علمنا أثناء مداولات قضيتنا أن القناصة الذين فروا نحو سان لويس صادفوا قافلة من قوافل آدرار فأغاروا عليها وسلبوا ما بحوزتها وقد ضاعف ذلك من خطورة وضعنا ودفع بالزوايا إلى عناد أشد وادعاءات أعنف حيالنا.

إنهم يدعون الآن أنه لا علاج لما وقع وأن الفرنسيين لم يعودوا ينتظرون قتل هؤلاء: فقد بدؤوا في الثأر وعلى ذلك الأساس ينبغي بعث سفراء إلى سلطان المغرب وأن يتم اقتيادنا بسرعة نحوه وفي المقابل سيمنح السلطان أسلحة ومدافع ثقيلة تضاهي ما عندنا. فلن يترك السلطان المؤمن أبناء الرسول (صلي الله عليه وسلم) عرضة للنصارى.

لم يكن المختار بن عيده يعير انتباها لحججهم، ولكي يسكتهم -ولو مؤقتا- وحتى يربح الوقت اقترح إيفاد الشيخ سعد بوه.

وقد شرح لهم كيف كان هذا الشيخ صديقنا وأسباب تلك الصداقة. وأعلن الأمير أنه لن يتخذ إجراء دون استشارته والعمل برأيه. وأكد أن الشيخ سعد بوه مؤمن ملتزم بالشريعة المحمدية ولن يغدر المسلمين بآدرار ولن يخونهم.

هدأت هذه الآراء من خواطرهم ولما رأى الأمير زعزعتهم أعلن أنه سيسلم السجناء للشيخ سعد بوه فور قدومه وسيكون هذا الشيخ مسؤولا عما سيحدث لهم.

وفي نفس الوقت حصل المختار على رسالة من الشيخ سعد بوه حملها مبعوث خاص ومن خلالها يعلمه الشيخ باطلاعه على ما حصل لنا وبإدراكه تخوفات البيظان. ويعلن ضمانه للسلام باسم الفرنسيين كما يؤكد تسديد امتياز لولد عيده فيما إذا قبل تسليم الفرنسيين المسجونين.

وبعد قراءة الرسالة انقسمت الآراء قسمين: فشاطر بعضهم رأي الشيخ سعد بوه وخالف بعض آخر وطال النقاش دون الوصول إلى أي حل.

(نقلا عن موقع "مراسلون")

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

الآن في المكتبات

فيديو

المتواجدون الآن

حاليا يتواجد 2 زوار  على الموقع