| كمال جنبلاط.. لم يعد لك مكان هنا |
| الأحد, 16 مارس 2014 11:34 |
|
الأمير الشرقي هو ذلك الذي يمسك السلطة بالدم، ويوسّعها بالدم، ويحافظ عليها بالدم. الحكام المستبدّون للاستبداد، أو الرجال الكبار ذوو الرؤية والمشاريع الكبيرة، كلهم جمعتهم عقيدة القوّة والعنف. محمّد علي هو أوّل من سعى في العصر العربي الحديث إلى بناء دولة كبيرة ومستقلة، فانشغل بالمؤامرات والمؤامرات المضادة، ثم بتصفية خصومه واحدا بعد الآخر. حارب الولاة والمتنفذين وأصحاب السطوة والسلطان، توجّس من المماليك ونواياهم، فدعا أركانهم إلى حفل وداع ابنه الذاهب إلى قتال الوهّابيين. وفي ذروة الاحتفال أقفل أمامهم الطرق والأبواب وقتلهم واحدا واحدا في بضع دقائق. بعد المجزرة تابع مسيرة الحروب في الجنوب والغرب والشرق، وكأن مصير حكمه مرهون باستمرار نزيف الدم "ابن سعود" الحالم بوحدة الجزيرة العربية، كتب عليه أن يقاتل ثلاثة عقود متواصلة، ضد الزعامات المحلية وحماتها الأتراك، وضد الأحساء وحكام اليمن قبل أن يتوّج حروبه بدخول الحجاز وينعم - بعد ذلك- بالدولة التي بناها، وبما تكتنزه في باطنها من ثروات. بعدهما، أنظمة تعاقبت حديثا على المنطقة جعلت القتل، الفردي والجماعي، وسيلة مشروعة للحفاظ على السلطة. ثورات ضد الظلم والاستبداد سرعان ما تخلي الساحة لقوى متعصبة، تكفر كما تشاء وتعيدنا إلى ما هو أسوأ من عصور الجهل والظلام. في هذا العالم "القاني" ناضل كمال جنبلاط مستنيرا بالمبادئ الإنسانية والأفكار السامية والتعاليم الراقية، فهزم، وقتل. آمن بالمساواة بين البشر وبحقوق الإنسان وبالعدالة في امتلاك الثروة وتوزيع الدخل، فاضطر لترك الساحة للظلم والقهر والجشع، الجشع الذي لا حدود له. كمال جنبلاط المؤمن بوحدة لبنان ووحدة العرب، ووحدة الإنسانية، ماذا كان يقول لو كان اليوم حيا وشاهد الحقد المرفوع دون خجل على رايات المذاهب؟ ماذا كان يقول لو شاهد السهولة التي يهدر فيها البعض دم البعض، في البلد الواحد والمدينة الواحدة، والدين الواحد؟ الرجل الذي نذر الحقبة الأخيرة من حياته لنصرة فلسطين ومناضلي فلسطين وشهداء فلسطين، كان سيصدمه الفخر بالاستشهاد، بين المدنيين والأبرياء، وعلى أشلاء العروبة، الشهيدة. كان سيصدمه أن قضية فلسطين أصبحت من الماضي، سقطت من ذاكرة العرب، وحلّ محلها تناحر من كان يفترض توحّدهم لاستعادة الحقوق والمقدّسات. الدولة التي سعى إلى إصلاحها وإعادة بنائها على أرقى القواعد الديمقراطية والدستورية، هي اليوم أسيرة الفراغ؛ بل الإفراغ المتعمّد. الحياة السياسية التي أرادها نظيفة غايتها الإخلاص في الخدمة العامّة وخدمة المجتمع أصبحت أسيرة الفساد، المال فيها هو الغاية، ولا من يخجل أو يستحيي من الموبقات. كمال جنبلاط لا ترجع، ابق حيث أنت، أخطأت العنوان في المرّة الأولى، والمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين. |
