محاضرة الشيخ عبد الله بن الشيخ المحفوظ بـن بيه و"تنبيه المَراجع على تأصيل فقه الواقع" (ح 1/ 8)
الاثنين, 12 مايو 2014 08:42

تقديم

altالشيخ عبد الله بن الشيخ المحفوظ بن بيه لا يحتاج إلى التعريف، فهو علم من أعلام العلم والثقافة في العالم الإسلامي، وموريتاني الجنسية، ينتمي إلى أسرة ـ محظرة عريقة اشتهرت بالعلم والورع والتصوف هي "أهل بيه" في الحوض. وهو من الأوائل في البعثة القضائية الموريتانية إلى تونس سنة 1961 حيث نبغ وتصدر وتميز. 

وقد تقلد بعد عودته إلى موريتانيا العديد من المناصب القضائية والسياسية بما فيها الوزارة التي قاد مختلف مرافقها في حكومة الرئيس المختار ولد داداه إلى أن تم الانقلاب على نظامه الوطني سنة 1978. حينها تفرغ الشيخ عبد الله للعلم وهجر السياسة وهاجر إلى المشرق. وهو اليوم أستاذ الدراسات والعلوم الإسلامية بجامعة الملك عبد العزيز، ورئيس المركز العالمي للتجديد والترشيد بلندن، وعضو المجامع الفقهية، وكان إلى عهد قريب نائب رئيس الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين الذي استقال منه عندما راعه ما أصاب الأمة من فتنة وقتل ودمار وفساد باسم الإسلام والإسلام منه براء دون أن يحرك الاتحاد ساكنا في غير اتجاه الفتنة!

وككبار المصلحين والمجتهدين الذين يلبون نداء أممهم وينفرون لنجدتها حين يشتد كربها وتزيغ الأبصار وتبلغ القلوب الحناجر، امتشق الشيخ عبد الله بن الشيخ المحفوظ بن بيه قلمه وأعمل عقله وعلمه وهب يؤصل فقه الواقع انطلاقا من المقاصد الشرعية الكبرى على أساس موازنة دقيقة بين المفاسد والمصالح دون إصدار الفتاوى والأحكام على عواهنها وإغفال النظر إلى مآلاتها. مبينا ومؤكدا أن الشريعة قسمان: عقدي لا محل للخلاف فيه وهو التوحيد والإيمان؛ وفقهي تطبيقي فروعي خاضع لخطاب الوضع وهو قيام الأسباب وانتفاء الموانع وتوفر الشروط، لم يخل من خلاف على مدى تاريخ الأمة؛ لكنه إذا لم يلتبس بالقسم الأول لا يكفر صاحبه، إذ مذهب أهل السنة لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب. ولسان حاله ينشد قول الشيخ محمد عبده في واقع مماثل أو يكاد:

مجـدي بمجـد بلادي قمت أطلبـه     وشيمة الحر تأبى خفض أهليه

أحاول الصعب في رأيي فأدركه      ولا حسـام ولا رمـح أرويــــه

وإنما الفكر يغني نفس صاحبــه      عن الجيوش إذا صحت مباديه.

                         

ويعتبر كتاب الشيخ عبد الله "تنبيه المَراجع على تأصيل فقه الواقع" (انظروا صورة الكتاب) الذي صدر بداية هذا العام جوهر هذا التأصيل. وقد قدمه وشرحه الشيخ نفسه أثناء حله وترحاله الهادف إلى إخماد نار الفتنة وتعزيز السلم في المجتمعات المسلمة بسلسلة محاضرات ودروس اخترنا منها للنشر في موقعنا نص وملحقات محاضرته التي ألقيت في جمع غفير من الفقهاء بمباني الإذاعة الوطنية. راجين من الله عز وجل أن يتقبل ويهدي ويمن ويمد في العمر حتى يتحقق الهدف المنشود بلوغه لوجه الله تعالى!   

 محمدٌ ولد إشدو

 

المحاضرة

 

altالشيخ عبد الله ولد بيه: الحمد لله رب العالمين. اللهم صل وبارك على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.

لا أحتاج إلى الاعتذار، فالسفر والكبر يكفيان للتعبير عن حالتي، مع ذاكرة لم تعد تسعف وجسد أصبح متداعيا؛ فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا ويعيننا بفضل دعائكم وبفضل حسن ظنكم.

أصحاب المعالي، وزير الاتصال وفضيلة وزير الشؤون الإسلامية، وأصحاب الفضيلة السادة العلماء، الإخوة الأفاضل..

ليس لدي الكثير مما أقوله، فربما كنتم قد سمعتم عن ذكري المتواضع أكثر مما أستطيع أن أعبر عنه. لكن – مع ذلك- سأستعين بالله تعالى؛ فهو المستعان جلت قدرته، وهو الرحمن الرحيم. أسأله أن يوفقني لأقدم لكم بعض النُّبَذ - أو بعض الإشارات أو الإثارات- على درب التأصيل والترشيد الذي نسعى إليه جميعا.

إذا أردنا أن تتحدث عن موضوع فيقول الباحثون إن من الضروري أن نقدم ما يسمى بالأسئلة المفاتيح؛ هذه الأسئلة هي: ماذا؟ لماذا؟ كيف؟ متى؟ أين؟ هذه الأسئلة يطرحها علماء الأصول عادة في باب العام الزماني أو المكاني، والنحاة يقدمونها أحيانا في الظروف وأحيانا في الموصولات، وطبعا هذا أمر معروف لديكم، لا حاجة إلى التوقف عنده؛ لكن نحن نقدمها في المجال البحثي.

أي مشكلة يريد المرء أن يواجهها فعليه أن يطرح جملة من الأسئلة.. فماذا هو سؤال عن الماهية؛ عن أي شيء نتحدث؟ ما هي المشكلة؟ ولماذا هو سؤال عن السبب والعلة، وكيف هو سؤال عن الحال والخبر، وبعبارة أخرى هو سؤال عن الكيف، وأين هو سؤال عن المكان الذي يدور فيه الحدث، ومتى هو السؤال عن الزمان الذي دار فيه الحدث أو يدور فيه الآن.

انطلاقا من هذه الأسئلة يمكن أن نتخذ مدخلا.. مولجا إلى دهاليز الإشكالات التي تعاني منها الأمة.

غني عن القول إن التجديد هو عبارة عن ربط واصل بين كليات الشريعة وجزئياتها، بين المقاصد والقواعد والفروع والجزئيات وبين الزمان؛ أي الواقع. فهذا الربط وهذا التفاعل والتعامل بين هذه المعطيات ينشأ عنه فكر التجديد، أو إجابات على أسئلة الزمان. ولهذا فعندما يصفون عالما بأنه مجدد فغالبا ما يشيرون على أنه قدم جملة من المفاهيم أو جملة من الحلول للزمان الذي وجد فيه، أي لسؤال "متى؟".

العلماء –رحمهم الله تعالى- لم يعرّفوا التجديد كما عرّفه بعض الفلاسفة المتأخرين تعريفا كاملا إلا أنهم أشاروا إلى هذا التعريف، أولا التعريف اللغوي وهو جدد تجديدا؛ أي أتى بجديد، ففعَّل تدل على التكثير كما تعلمون، أو تدل على التصيير، وهما المعنيان الأولان.

كثر بِفَعَّلَ صير واختصر..

كثر بفعل.. فهي تدل على أن التجديد عملية متراكمة ليست سهلة ولست بسيطة ولكنها معقدة {وغلقت الأبواب} إما لأن الأبواب كثيرة وإما لأن الغلق كان شديدا. لكن التجديد الذي وقف معه العلماء هو تجديد يتعلق بالشريعة؛ سواء تعلق الأمر بنقل الشريعة وتدوينها أو تعلق الأمر بالاستنباط والفهم.

يقول الشافعي - رحمه الله تعالى- وهو ثاني المجددين، أو أول المجددين من العلماء.. يقول إن العلم علمان: علم اتباع وعلم استنباط. فعلم الاتباع هو نقل الكتاب والسنة، وعلم الاستنباط هو التعامل مع الفتاوي التي تستنبط من الكتاب والسنة. وهو قانون العلمين إلا أنه كان أرجح في الجانب الآخر – وهو الاستنباط- لأنه وضع مسطرة للوساطة بين الوحي وبين النصوص البشرية. هذه المسطرة هي أصول الفقه.

لهذا نجد أن التجديد لم يكن معرفا تعريفا تاما، فهل التجديد الترميم أو الإتيان بجديد منفصل؟ أنا أرى أن التجديد ليس شيئا منفصلا عن المادة الشرعية، وبالتالي لن يكون إلا متعلقا بما يسميه الفلاسفة بالعلل الأربع؛ أي المادة والصورة والفاعل والعلة.

وهنا أريد أن أحذر تحذيرا، أو أشير إلى شيء هو أن من يتكلم بلغة العلم فهو مضطر ضرورة إلى أن يستعمل نفس المصطلحات. هذه المصطلحات قد لا تكون متاحة للجمهور! إذا تحدث شخص عن الهندسة فلن يكون هذا متاحا للجمهور الذي لا يعرف الهندسة. وبالتالي أمام هذا الوضع سأحاول أن أزاوج بين لغة الفن وبين لغة الجمهور إذا صح التعبير، وإن كان الجمهور هنا جمهورا من النخبة، أعتقد أنهم في بعض هذه العلوم قد يكون لهم من الرسوخ ما ليس للعبد الضعيف.

المهم انطلاقا من النقطة الأولى هو أن التجديد مكمل فقط. بعض العلماء أشار إلى التجديد كمرادف للاجتهاد؛ فسيدي عبد الله في مراقي السعود عندما يتحدث عن قضية الاجتهاد يقول:

والأرض لا عن قائم مجتهد ** تخلو إلى تزلزل القواعد

حتى يجيء الفاطمي المجدد ** دين الهدى لأنه مجتهد

فجعل الاجتهاد سببا للتجديد.

لكن – مع ذلك- أرى أن التجديد لا بد أن يدل على عمل زائد على مجرد الاجتهاد؛ فالمجتهد لا يمكن أن يكون مجددا بدون أن يأتي بأمور أو بمفاهيم أو بقضايا أو باستنباطات لم تكن معروفة. فلا يكفي أن يكون مجتهدا فقط ليكون كذلك. بخاصة إذا فهم المجتهد من خلال تسلسل يذكره أبو حامد رحمه الله تعالى، وهو التفكر والنظر والتدبر والاجتهاد والاستنباط. إذن فالاجتهاد مرتبة قبل الاستنباط لأنه بذل للجهد للوصول إلى قضية، أما الاستنباط فهو الوصول الفعلي إلى القضايا.

لكن لأرجع لأقول إن التجديد هو ربط واصف دائم بين القضايا العصرية وبين المفاهيم الشرعية أو الأصول الشرعية، أو الشريعة أصولا وجزئيات أو فروعا.

من هذا المنطلق كان للعبد الضعيف مع بعض الإخوة هنا من العلماء، ربما قبل حوالي أربع سنوات.. فكرنا في أن العصر متغير، وأن الزمان متغير، وأن الخريطة التي أمامنا أيضا هي متغيرة، وأنه لا بد من البحث في هذه القضايا التي يطرحها هذا العصر، لمحاولة إيجاد حلول لهذه القضايا؛ سواء كانت هذه القضايا سياسية، أو اقتصادية، أو اجتماعية، أو في العلاقات الدولية.

هناك أمثلة كثيرة وشواهد،.. طبعا هناك سعد التفتازاني يفرق بين المثال والشاهد؛ فالشاهد هو الذي يشهد للقاعدة بإثباتها والمثال هو الذي يستنبط من القاعدة.

هناك أمثلة كثيرة للتغيرات التي يمكن أن تحدث في هذه المفاهيم بناء على كليات أكبر. وهذا أمر في غاية الأهمية. مفهوم الجهاد مثلا، مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مفهوم السلطة والسلطان، مفهوم الطاعة.. هذه كلها مفاهيم شرعية ثابتة. كذلك مفهوم الدار؛ دار إسلام، دار كفر، دار حرب، دار سلم. هل تنطبق على الواقع الذي نعيشه الآن؟

كل هذه الأسئلة طرحناها بالإضافة إلى مفاهيم اقتصادية وأخرى اجتماعية كالمرأة المتعلمة اليوم، هل ما زالت محكومة من طرف وليها، هل يجبرها وليها؟ هل يكون عاضلا لها؟ سلسلة الآثار التي تنشأ عن ذلك..

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

الآن في المكتبات

فيديو

المتواجدون الآن

حاليا يتواجد 1 زائر  على الموقع