| محاضرة الشيخ عبد الله بن الشيخ المحفوظ بـن بيه (ح 4/ 8) |
| الاثنين, 02 يونيو 2014 08:19 |
|
الأسئلة
نحن نحتاج إلى فقه يأخذ من هذا ومن ذلك ويجمع من هذا وذلك. فإلى أين وصل التقعيد فيما يتعلق بالمقاصد وتنزيلها إلى الواقع لكي يستفيد منها الناس ويكون هنالك ضبط معياري يضمن السلامة الشرعية فيما يتعلق بالمعاملات وفيما يتعلق بالموضوع الذي تحدث عنه الشيخ، وهو العلاقات السياسية؛ سواء أكانت داخلية أم خارجية، وفيما يتعلق بالاكتشافات العلمية وما يطرح فيها من إشكالات مثل الاستنساخ وأطفال الأنابيب.. وغير ذلك؟ هذه الأمور كلها - حسب كل فن وتخصص- تحتاج إلى ضبط معياري يضمن السلامة الشرعية في كل منها، فأين نحن منها وأين المقاصد من هذا؟ والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. الشيخ عبد الله: سؤال المقاصد سؤال قد يشتمل على تفاصيل كثيرة، أو في محتواه ومضمونه قد يحتاج المرء إلى أن يشرح الأمر شرحا طويلا. لكن باختصار لنقل إن المقاصد هي الغايات وهي المرامي التي ترمي إليها الشريعة. هذه الغايات والمرامي قد تكون جزئية وقد تكون كلية، وأكثر حديثهم هو عن المقاصد الكلية؛ أي المقاصد التي تشتمل على كثير من القواعد لأن الكلي هو عبارة عن مبدأ ينطبق على جزئيات كثيرة وهناك ما دعاه الشاطبي بكلي الكلي، أي المقاصد التي لا وراءها منتهى، وهي المقاصد الثلاثة: الضروري، والحاجي، والتحسني. الإشكال في المقاصد هو إشكال محدد: هل يمكن أن نبحث في المقاصد دون أن نتحدث عن أصول الفقه؟ وبالتالي هل يمكن أن تؤدي المقاصد وظيفتها في توليد الأحكام الشرعية دون القنوات الأصولية؟ أي دون الأوعية الأصولية. فعندما تتحدث عن العلل فأنت تتحدث عن القياس.. عن مسالك العلة! ومسالك العلة كلها من المقاصد سوى مسلكين: مسلك السبر والتقسيم، ومسلك الدوران طردا وعكسا، فليست فيهما رائحة التعليل ولا رائحة المقصدية، وإنما العلة فيهما من باب الأمارات.
د. الحسين ولد امدو: لدي سؤلان: السؤال الأول يتعلق بالدور الذي يمكن أن تضطلع به وسائل الإعلام محليا أو عربيا من أجل المساهمة في تعزيز هذه الحوارية التي لم تتحدد بعد كيفية الاضطلاع بها. السؤال الثاني: الإطار الناظم لاتحاد العلماء المسلمين بصفة عامة يشهد درجة من الانقسام والاصطفاف؛ ألا تخشون السياسة عليه؟ وهل ساهم في إذكاء –أو إطفاء- النيران المشتعلة في بلداننا العربية؟ وشكرا. الشيخ عبد الله: الأستاذ مدو – بارك الله فيه- طرح أسئلة صحفية حقيقة، وهي من نوع تلك الأسئلة التي يحبها الصحفيون، فلعلي لا أتحدث كثيرا عن العلماء. هل أذكوا – أم أنهم أطفؤوا- الحريق؟ فلنترك ذلك للتاريخ. لكن لنقل إن الأحداث المتسارعة جعلتنا نفكر في حركة غير اعتيادية؛ بمعنى أن الناس يعقدون مؤتمرات للحرب أو لتأييد جهة عن جهة، ونحن نعقد مؤتمرات نتجنب فيها أن نذكر أحدا بسوء، بحيث يمضى المؤتمر دون أن نتكلم عن أحد، ونقول: نبحث عن السلم غير المشخص ونرى أن هذه الوسيلة - من الناحية الشرعية- أولى من التشخيص، لأننا إذا بدأنا بالتشخيص نفقد صفة الوسيط. الوسيط لا يكون خصما. أما وسائل الإعلام فهي هذا وذاك. طبعا أنت تعرف بيت أبي نواس: دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ** وداوني بالتي كانت هي الداء هل يمكن لوسائل الإعلام أن ترتفع إلى مستوى الدواء؟ إلى مستوى علاج هذا الوضع؟ ولقد فكرنا، وحتى في المؤتمر – الإخوة هنا يعرفون ذلك- أصدرنا توصية بإنشاء قناة للحكمة. هذه القناة تدفع بالتي هي أحسن، لا ترد على سوء. تطلب من الجميع فقط أن يفكروا {أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا} أن يقدموا إسهامات في السلام. ووجدنا في الحقيقة في المؤتمر تجاوبا كبيرا، وبخاصة في الشرق؛ من باكستان ومن أفغانستان ومن تلك المناطق التي تكتوي الآن بهذه الحروب، وكذلك من المسلمين في روسيا. فالتربة الآن عطشى إلى فكر مهدئ وليس مهيجا. ونعتقد أن الكثير من الإخوة الذين نقدر علمهم ونقدر حماسهم للخير، أنهم مع الوقت سيراجعون هذه القناعات للوصول إلى قناعات أخرى أو – على الأقل- لتنسيب الموقف من هذه القضية. لا أحتاج إلى أن أقول إنه في اجتماعات العلماء دار الكثير من هذه البحوث، وفي جو من حسن الظن في الحقيقة؛ حول حسن الظن والكلام بالحسنى، لكن – في الحقيقة- كل إنسان له اجتهاد قد لا يطابق ولا يوافق اجتهاد الآخر، والإرادات تختلف، والمفاهيم تختلف. بارك الله فيك ووفقك. الشيخ الطالب اخيار ولد مامينا: ألا ترى - يا صاحب الفضيلة- أن من أسباب ضعف الأخوة الإسلامية ضعف جانب التزكية المنبثق أو المبني على مقام الإحسان؟ السؤال الآخر طرحه الأستاذ أبو بكر، يتعلق بما يقع من لبس عند الناس فيما بين الداعية والواعظ والمفكر والعالم، وينبغي التمييز بين هذه الأصناف. ونشكركم على هذه المحاضرة القيمة. الشيخ عبد الله: بخصوص السؤال الأول أتفق معكم في أن طريق الإحسان وتزكية النفوس أو التصوف الصادق - فلنقل هذا- من الوسائل التي يمكن أن تعيد في حياة الأمم شيئا من الهدوء والعافية. إذا كان بعض البلدان الغربية يدرسون لأبنائهم الفلسفة، أعتقد أن الطالب في النرويج بشمال أوروبا عندما يتخرج من الثانوية يذهب إلى مدرسة لدراسة الفلسفة؛ أي ليسمع الأسئلة الكونية قبل أن يتوجه إلى تخصصات علمية أخرى. فيكون قد كسب شيئا من الرزانة وشيئا من التنسيب. نحن لا ندعو إلى مثل هذا لكن ندعو إلى شيء من الروحانية التي تعلم الطالب شيئا من التواضع. فالتواضع هذا هو خير طريق – وأنتم أدرى بذل مني- لكنْ هناك شيء يقوله العلماء، ويذكره شروح الشاطبي عندما دعا القراء إلى التواضع، فقالوا: داءان ينتشران بين القراء والفقهاء، هما الغيبة والعجب، ولأجل هذا شدد الشاطبي على هذا.. وعش سالما صدرا وعن غيبة فغب ** تحضّر حظار القدس أنقى مغسّلا فالتواضع مفتاح. أنا أعتقد أن التربية الروحية إذا أمكنت من أمثالكم من العلماء الذين يجمعون بين العلم والعمل، ومن خلال تجربتي فإن العالم الإسلامي كله محتاج إلى تقديم مناهج لتدرس في البلاد الإسلامية. دعوت إلى هذا في اجتماعات في الشرق وحتى في اجتماع افينا وكان فيه كل الناس بين ما يسمى سلفية ومذهبية.. إلى آخره. دعوت إلى شيء من هذا القبيل لأن الإنسان يحتاج إلى شيء من الهدوء، يحتاج إلى شيء من سلامة الصدر، يحتاج إلى شيء من عدم التركيز على شخصه وأنانيته. هذا قطعا لا شك فيه، وهو موضوع جيد جدا، ولعلنا في المستقبل نتذاكر في هذا الموضوع، علينا أن نقوم بسلسة من الأفكار لتقديمها للساحة الإسلامية لمن يريد أن يستفيد منها. أما اللبس بين الداعية والمفكر فقد اختلط الحابل بالنابل حقيقة. والإشكال الكبير في هذا هو إشكال الاجتزاء. الاجتزاء هذا هو أن يتعلم المرء حديثا واحدا أو آية دون أن يحيط بمعناها وبتأويلها وتنزيلها وتعليلها ثم يفتي! هذا إشكال كبير. لا يأخذ بالوسائل الأصولية والمنهج الأصولي في الجمع بين الأدلة ولا في التنزيل أيضا على الواقع، بمعنى أنه يفصل بين خطاب التكليف أحيانا وخطاب الوضع. هذا إشكال كبير! لأن كل حكم فقهي فإن خطاب التكليف فيه مقرون بخطاب الوضع. الشروط والأسباب والموانع. فإذا فصل بين هذا فلم ينظر إلى توفر الشروط ولا إلى انتفاء الموانع ولا إلى قيام الأسباب حينئذ يقع الخطأ. الخطأ الثاني ينشأ عن فك العلاقة بين الوسائل والمقاصد يقول: هذا مقصد نبيل، أنا أريد أن أطبق الشريعة، لكنه سيستعمل وسيلة غير نبيلة وهي وسيلة البغضاء والقتل! هذا لا يصح. الانفكاك بين الوسائل والمقاصد وبين الأحكام التكليفية وخطاب الوضع، كل هذا أدى إلى وضع سيئ جدا. بمعنى أن هذا الشخص ليس فقيها في نفسه! قد يكون داعية وقد يكون مفكرا.. سمه ما شئت لكنه ليس فقيها؛ فالفقيه عليه أن يكون عالما بالشريعة، عالما بوسائل الجمع بين الأدلة؛ كيف يجمع بينها إذا تعارضت؟ كيف ينظر في العام والخاص وتخصيص العام بوجه، ثم الترجيح.. إلى آخر ما تعرفونه من المسطرة الأصولية. أنا أرى أن هذا هو الداء، وهو أيضا المحك الذي يمكن به "عند صليل الزيف يصدق الابتلا" كما قال الشاطبي مرة أخرى. أنا الليلة شاطبي! يعني أنه هنا يظهر الدرهم الزائف من الدرهم الصحيح عند ما يختبران، فنقول: إذا كنت تقوم بالدعوة فقم بها، لكن لا تدَّعِ الفقه. والله أعلم. |
