حكاية هديل
الأربعاء, 13 نوفمبر 2013 08:36

 

يحيى المعلم*

altهديل السكافي طفلة فلسطينية اعتادت أن تزور والدها في الأسر كلما أتيحت للعائلة هذه الفرصة. هديل كانت تركض إلى والدها حين كانت تراه فيحتضنها وتحتضنه، يغمرها وتغمره، فتمنحه سعادة تعوض القليل من مرارات السجن ويمنحها إحساس بالأبوة حاول الاحتلال أن يحرمها منه..

 في إحدى المرات قرر الضابط الصهيوني في السجن منع هديل من الاقتراب من والدها فجن جنونها، أخذت تدق بيدها على الزجاج الفاصل بين الأسير والعائلة، واخذ والدها يدق من الجهة المقابلة.. لكن لا حياة لمن تنادي؛ فالضابط المسؤول المجرد من أبسط الأحاسيس الإنسانية أصم أذنيه وصمم على منع هديل من الاقتراب من والدها رغم رجاءات جدها وأمها وكل أفراد العائلة.

 عادت هديل مكسورة الخاطر إلى المنزل.. لم تعرف النوم يومها.. وإذا عرفته لغفلة استيقظت على صوت قبضتها تدق على حائط المنزل، تماماً كما كانت تدق بكل قوتها على الزجاج الفاصل بينها وبين والدها الأسير.. في اليوم التالي رفضت هديل الطعام، امتنعت عن كتابة فروضها المدرسية، امتنعت عن قراءة كتبها، وحتى عن حمل الأقلام.. وبدأت صحة هديل تضطرب، ووجهها يشحب، جسمها النحيل أصلاً يصبح أكثر نحاله.

 لم يترك أهلها طبيبا إلاّ وزاروه، ولا مستشفى داخل فلسطين، ودول الجوار، إلاً وأرسلوا هديل إليها، لكن الصدمة النفسية كانت أقسى من كل المعالجات، ولم تمر أسابيع إلا وهديل شهيدة في سبيل الله، ومن أجل الحرية..

 هذه القصة رواها بشكل مؤثر صباح اليوم جدّ هديل الحاج عبد الرحمن السكافي خلال مؤتمر صحفي دعت إليه في نقابة الصحافة اللبنانية، لجنة "عائلات لبنان تساند عائلات فلسطين" وهي صاحبة المبادرة في دعوة وفد من الأسرى المحررين إلى لبنان في إطار حملة التكافل الأهلي والتضامن الاجتماعي التي تطلقها اللجنة المستمرة في عملها منذ أكثر من عقد من الزمن.

 حكاية هديل هي واحدة من آلاف الحكايات الإنسانية المؤثرة التي تنمو على هامش ملحمة الأسرى الفلسطينيين والعرب في سجون الاحتلال، وهي ملحمة بالفعل؛ خصوصاً حين تسمع ذوي الأسرى يتحدثون عن محكوميات أولادهم ويقولون: "ابني محكوم بثلاثة مؤبدات" أو "أربعة مؤبدات" وكأن المؤبد هنا أسبوع أو شهر أو سنة.

 وحكايات الأسرى -بل ملحمتهم- يجب أن تكون حقيقة يومية في حياة فلسطين والأمة والإنسانية جمعاء. وأن لا يتحول الأسرى إلى مجرد أرقام تتردد أعدادهم مع كل دفعة إفراج، وبالتأكيد أن لا يتحول الإفراج عنهم إلى بند في مفاوضات، أو إلى مقايضة حق إنساني مكرّس بكل الكتب السماوية والأعراف والمواثيق القرارات الدولية بباطل مرفوض بكل المقاييس اسمه "الاستيطان" أو الاحتلال.

 قال مفكر أممي كبير: "إن شعباً يستعبد شعباً آخر لا يمكن أن يكون حراً". واليوم يقول طفل فلسطيني صغير - كهديل وغيرها- إن إمة تسكت على سجن خيرة أبنائها هي السجينة الحقيقية، لأن الاحتلال ليس احتلال الأرض فقط؛ بل انه احتلال الإرادة وهنا الطامة الكبرى.

 فمتى تتحرر إرادة الأمة.. كي نرى كل أسرانا محررين، ولكي تطمئن روح هديل السكافي ومعها أرواح كل الشهداء.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* أمين سر اللجنة الوطنية للدفاع عن الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال.

 

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

الآن في المكتبات

فيديو

المتواجدون الآن

حاليا يتواجد 1 زائر  على الموقع