| ديوان "أغاني الوطن": حينما يبكي الشاعر الأرض.. وهو يغني!! |
| الخميس, 07 نوفمبر 2013 08:53 | ||||||||||||||||||
|
محمد ناجي ولد أحمدو
ولكن تلك الشخصية القانونية الصارمة، لم تستطع أن تخفي شخصية أخرى صُنعت من رقة الشعر ورهافة الإحساس.
لوحة غنائية شجية لمناضل طوحت به صروف الصراع السياسي بعيداً عن مرابع الصبا، في الركن القصي من الوطن الذي وهبه الرجل حياته، ليس اعتباطا أن تتخذ من حرف السين المهموس الذي يوحي بالحزن ومشاعر الأسى، رويًّا لها، ولا أن تتكئ على مجاراة قصيدة البحتري الشهيرة الموجعة في رثاء آل ساسان:
يبدو الموقفان متشابهين، أبو عبادة يلوذ بخرائب إيوان كسرى، بعد مقتل ممدوحيه؛ الخليفة المتوكل ووزيره الفتح بن خاقان، في حفلة أنس بمحضر الشاعر، وهو يبكي من خلال إيوان كسرى زمان المتوكل، ويقدم عِظة للقتلة، خلاصتها أن دوام الحال من المحال، وأن الأكاسرة الشم صاروا فقرات تروى من ملحمة تداول الأيام. وولد إشدو المنفيُّ في باسكنو بأقصى شرق موريتانيا، يرفض – كسلفه- أن يركع، ويتساءل في ألم عن نسائم البحر، وهيهات منه البحر، فهو على حافة موريتانيا الشرقية، ويشبه نفسه بزهرة عبقة يحكم عليها بالموت في قبر انفرادي، ولا حُماة الذمار من "الفوارس العبشميين" قريب.
رغم تعس الأيام (الحاضر في النصين) فإن الشاعرين لا يستسلمان لحوادث الدهر؛ فها هو ذا البحتري يصون نفسه عما يدنسها، ويترفع عن نوال "الغوغاء" الذين أطاحوا بولي نعمته، ويتماسك حين عصفت به الأرزاء، ويبدو ولد إشدو خالي البال رغم السجن والنفي! ألا يستدعي تذكره للموسيقي الموريتانية بـ"انتماسها" و"كرسها".. كم هي العقوبات تافهة عند المناضلين!!
ثم هو في نهاية القصيدة يحب ضَياعه في بلاده التي يرضى في رباها بظلمه وبخسه، ولا تستهويه المنافي الباردة؛ بل كفاه سلوى أنه بأقصى بلده منسي. *** قصيدة من ديوان الشاعر الكبير محمدن ولد إشدو "أغاني الوطن" الذي صدر في حلة قشيبة عن ديوان الكتاب ودار الصفوة في ثلاثمائة وست وعشرين صفحة من الحجم المتوسط. يتصدر الديوان إهداء "إلى الذين يصنعون الفجر في ليل بلادي، إلى النفوس الزكية التي علمتني الحب والخير والجمال".. ثم مقدمة ضافية للشاعر أحمدو ولد عبد القادر، تحدث فيها من موقع الصداقة و"الرفاقة" عن الديوان والشاعر؛ عن الروافد التي تشكل الينابيع الأولى لتجربة ولد إشدو، وعن كلفه بالموسيقي والطرب الموريتاني الذي يبدو جليا خلال الديوان، ولا يغفل الإشارة إلى أنه رائد شعر التفعلة في موريتانيا. ويسترسل ولد عبد القادر: "والعارفون بالأستاذ عن كثب سيدركون - بسهولة- خواص وأبعاد تعبيره في كل جملة أو بيت، والألوان والظلال والأشذاء المميزة له، في كل لحن مُوقَّع أو آهة مترنحة.. في حياة الرجل محطات وفذلكات من المعاناة الممضة؛ دأب على ابتلاعها تحدّياً أو تجلداً واصطباراً". الديوان مَوّالٌ من مواويل النضال، هو حكاية ولد إشدو مع السجون والمنافي والإقامات الجبرية؛ فيه النصوص التي تجبرك على البكاء رغما عنك، وفيه القصائد التي تجعلك تكبر صبر الشاعر، ووفاءه لمبدئه. اسمع ولد إشدو يرثي والده، وهو بعد تحت الإقامة الجبرية:
هي قصيدة تذكر بأشهر روميات أبي فراس، ولا غرو؛ فالرجلان رمى بهما نكد الدنيا حيث لا خِل إلا الصبر أو الاستسلام، الأمير الحمداني أسر بعد أن رفض الفرار، ولا خيار إلا الفرار أو الردى، فمضى لما لا يعيبه، وهو راض بقراره فمكانه الصدر أو القبر، لا توجد منزلة بين المنزلتين، و"الكادح" الموريتاني ولد إشدو، يتلقي نعي أبيه فتى العشيات، ثمال اليتامى كريم السجايا.. إلى آخر ما أسبغه الشاعر الموجع على فقيده العزيز. وهو السجين الأسير فلا تسيل له دمعة ولا تند منه زفرة، وإنما يبثه شعراً رقيقاً ينفذ إلى نياط القلوب يفيض بالأسى والشجن. يتبدى خلال الديوان شغف الشاعر بملاحم العرب الموريتانيين، وتقديره وإكباره لرجالات تاريخهم، يستدعي الرجل ومضات من ذلك التاريخ، ويربط بينها وبين الصفحات المضيئة من عهود الأسلاف الأُوَل في المشرق العربي، هو في هذه القصيدة الموجهة إلى المطربة المرحومة ديمي بنت آبه يخلق عناقا بين عهد بلاط بني العباس في بغداد، وبين ملاحم العرب الموريتانيين من أولاد امبارك، والموسيقى التي كانت تزدهر في "حللهم"* دون أن ينسى أن يشير إلى تواشج الحاضر الموريتاني مع شقيقه العربي، من خلال استدعاء صورة كوكب الشرق تبارك "أروع مقداما" هو عبد الناصر "يحمي القناة ويجلو صولة الروم":
يتجلى ذلك البعد في وقوفه على قبر الأمير اعلي شنظوره ولد هَدِّي ولد أحمد ولد دامان في هضبة "وَنْوَنْ" بوسط موريتانيا؛ يبكي إلى الأمير العظيم خطوب الزمان، بلغة غنائية (لم يسم الرجل ديوانه "أغاني الوطن" من فراغ) ويصف أحفاد الرجل بالغرباء، لأنهم تخلوا - حسب وجهة نظره- عن قيم جدهم، الذي "ثوى بعيدا بين أفلاك السماء". كان ولد إشدو حادا جدا في مناكفاته النضالية، جارحا في سبيل المبادئ كما يراها، جسورا على "أعداء الوطن" كما يراهم. ولم تشغله القضايا الوطنية عن دعم القضايا العادلة العربية والعالمية؛ في هذه القصيدة "الحزيرانية" التي كتبت غداة حرب الأيام الستة عام 1967، يقول الرجل وقد عين نفسه ناطقاً باسم الأمة العربية، في حوار تخيله مع نادلة فرنسية تطوع زوجها "جان" في القوات الإسرائيلية: (...)
حملت مدفع جدي
هتكوا حريم الأمهات بين ثنايا النص قصائد تتحدث عن هموم عربية ووطنية وشخصية؛ فهو عصارة نضال الشاعر، رغم أنه لم يجئ كاملا، لظروف حياة الرجل من تفتيش إلى مطاردة إلى سجن انفرادي إلى إقامة جبرية.. تلك الظروف التي تجعل حفظ النصوص شيئا أقرب إلى المستحيل، لأنها دوما عرضة للإعدام "حرقا" إذا ما وقعت عليها أيدي العسس.
ختامه شعر يقول ولد إشدو:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * جمع "حِلة" وهي في الأصل القوم النزول، وكانت في موريتانيا تطلق على مضارب خيام الأمير.
(عن مجلة "الرافد" الإماراتية، عدد نوفمبر 2013 |
