| لم تعد الولايات المتحدة تخيف أحدا |
| الأحد, 20 أكتوبر 2013 08:48 |
|
في الوقت الذي كان ينتظر فيه الجميع أن تناقش الجمعية العامة للأمم المتحدة في اجتماعها الأخير قضايا تتعلق بتنفيذ أهداف الألفية الحالية, وجدنا الدبلوماسيين منشغلين في موضوع آخر مختلف تماما, وكان الجميع يتساءل: هل ما تزال الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة كما تدعي منذ انهيار الاتحاد السوفييتي, أم أن الوقت قد حان للتحرر من وصايتها؟ عام 1991 كانت الولايات المتحدة تعتقد أن التخلص من منافسها على الساحة الدولية, سيحرر موازنتها الحربية, وسيمكنها من تحقيق الازدهار الاقتصادي. لهذا شرع الرئيس جورج بوش (الأب) فورا بعد عملية عاصفة الصحراء إلى تخفيض عدد تشكلات جيوشه, وكذلك فعل خلفه بيل كلينتون الذي مضى إلى تعزيز ذلك الإجراء بالمزيد من تقليص الإنفاق الحربي. غير أن عودة الجمهوريين إلى الكونغرس في انتخابات عام 1995, أدت إلى إعادة النظر في مسألة الإنفاق الحربي, من خلال العودة إلى التسلح, رغم عدم وجود أعداء لقتالهم في ذلك الوقت, إلى أن أطلق المحافظون الجدد العنان لبلدهم لمهاجمة العالم بهدف تأسيس أول إمبراطورية عالمية. كانت هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001, فرصة مواتية للرئيس جورج بوش (الابن) كي يتخذ قرارا بغزو كل من أفغانستان والعراق, ومن ثم سوريا وليبيا والصومال والسودان, لينتهي بإيران, ثم يختمها بمهاجمة الصين. لقد بلغت ميزانية الإنفاق الحربي في عهده 40% من حجم الإنفاق العسكري العالمي. مع ذلك, كان لا بد لهذا البذخ المفرط من نهاية: لقد أجبرت الأزمة الاقتصادية واشنطن على القيام بتوفير في إنفاقها. كان من نتيجتها إقدام وزارة الدفاع على تسريح خمس تشكلات من جيوشها الأرضية, وإيقاف تمويل عدة برامج بحثية. هذا التراجع الحاد, كان بداية الخلل الذي أصاب كامل النظام فيما بعد. من الواضح الآن أن الولايات المتحدة, وعلى الرغم من تفوق قدراتها العسكرية على عشرين دولة عالمية مجتمعة, من ضمنها الصين وروسيا, إلا أنها لم تعد قادرة على شن حروب تقليدية واسعة النطاق. هكذا رأينا كيف تراجعت واشنطن عن قرار مهاجمة سوريا بمجرد انتشار قطع من الأساطيل الحربية الروسية في البحر المتوسط؛ الأمر الذي فرض على البنتاغون ضرورة التمركز في البحر الأحمر كي يطلق صورايخ توماهوك التي يتوجب عليها أيضا عبور أجواء المملكة السعودية والأردن لتصل إلى سورية. أما سورية, وحلفاؤها من غير الدول, فقد لوحوا بشن حرب إقليمية من شأنها أن تغرق الولايات المتحدة في صراع كبير. في مقال نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" فتح الرئيس فلاديمير بوتين النار حين أشار إلى أن "الاستثناء الأمريكي" هو في الواقع إهانة لمسألة المساواة بين البشر, ولا يمكن أن يؤدي إلا لكوارث. فرد عليه الرئيس أوباما من فوق منبر الأمم المتحدة أنه لا توجد دولة في العالم, ولا حتى روسيا, كانت تتمنى أن تحمل أعباء الولايات المتحدة, التي كانت -من خلال دورها كشرطي عالمي- تكفل على وجه التحديد حق المساواة بين البشر. لم تكن مداخلة أوباما مطمئنة: لقد أكد من جديد تفوق الولايات المتحدة على جميع دول العالم, ولم تتعد رؤيته لحق المساواة بين البشر, حقوق رعاياه بلاده. فجأة انهار سحر كلماته حين ضجت القاعة بالتصفيق اثر مطالبة رئيسة البرازيل ديلما روسيف, واشنطن بتقديم اعتذار لقيامها بالتجسس على كل دول العالم, بينما أدان رئيس الاتحاد السويسري سياسة القوة التي تنتهجها الولايات المتحدة. ثم مضى إيفو موراليس, رئيس بوليفيا إلى أبعد من ذلك حين طالب بتقديم رئيس الولايات المتحدة إلى العدالة الدولية بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية, وتبعه الرئيس الصربي توميسلاف نيكوليك, الذي ندد بمهزلة المحاكم الدولية التي لا تصدر أحكامها إلا ضد خصوم الإمبراطورية الأمريكية. وهكذا انتقل المشهد, من انتقادات تصدر عادة عن حفنة من الدول المناهضة للإمبريالية, إلى انتفاضة عامة تشمل أصدقاء واشنطن التقليديين. لم تكن سلطة أسياد العالم, في أي وقت مضى, عرضة للانتقاد العلني مثلما هي الآن, وهذا مؤشر, إلى أن الولايات المتحدة بعد تراجعها المخزي أمام سورية, لم تعد تخيف أحدا. ترجمة: سعيد هلال الشريفي المصدر: شبكة فولتير ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * مفكر فرنسي، رئيس ومؤسس شبكة"Réseau Voltaire" ومؤتمر محور للسلام. نشر تحليلات حول السياسة الغربية في الصحافة العربية، والأمريكية اللاتينية، والروسية. أحدث كتاب له باللغة الفرنسية: الكذبة الكبرى: المجلد رقم 2، التلاعب والمعلومات المضللة. |
