27 مايو.. تاريخ الانقلاب على سياسة رئيس الوزراء أحمد ولد بوسيف
السبت, 28 مايو 2016 15:12

 

المامي ولد جدو  

alt"عندما بدأ في ممارسة الحكم تكشف لنا أن اختياره لهذا المنصب لم يكن موفقا، وأن الظروف الاستعجالية التي تم فيها لم تتح لنا فرصة التعرف على توجهاته السياسية، وعلاقاته الخارجية، ولا على نمط حكمه؛ فقد ظهر لنا من قراراته الأولى أنه ليس الرجل المناسب للمشروع الذي كنا نطمح إليه...".

(العقيد محمد خونا ولد هيدالة تعليقا على فترة حكم ولد بوسيف).

إن الطبيعة المعقدة للجريمة السياسية في حد ذاتها واختلاف رؤية الدول في معالجتها، حسب طبيعة نظامها السياسي، وصعوبة وضع تعريف محدد لمصطلح "السياسة" نفسه يجعل باب التأويل مفتوحا لكل الفرضيات.. عادة ما تتم التهيئة لتغيير الأنظمة بشكل كلاكسي عبر تهييج الشارع ليخرج عن السيطرة وبث حالة من الفوضى، في محاولة لإظهار هشاشة السلطة، وأحيانا يتم اللجوء لأساليب مختلفة..

في الثامن مايو 1979 شهد الشارع الموريتاني أوضاعا مماثلة بعد جولة رئيس الوزراء التي شملت باريس ومدريد والرباط، وقد أبانت بوضوح عن بوصلة سياسته الخارجية، كما أظهرت عزمه على توقيع سلام مشرف لموريتانيا لا تتنازل بموجه عن الأرض، أو أن تحصل على سلام عادل حسب الرجل. السؤال الذي لا يستحضره الكثيرون للإجابة على أسئلة مهمة كثيرة هو كيف كانت الوضعية السياسية للبلاد قبل وفاة المقدم أحمد ولد بوسيف، والوضعية التي باتت عليها بعد وفاته؟

 

ظهور الخلافات للعلن..

بالعودة إلى الوضعية السياسية التي كانت تعيشها موريتانيا في تلك الفترة، نرى أنها تميزت بحراك دبلوماسي نشط للعقيد أحمد ولد بوسيف رئيس الوزراء، بعد توقف المعارك، واللجوء للتصريحات السياسية بديلا عن الاحتكام لفوهة المدافع التي أخمدت في الخطوط الأمامية للجبهات ترقبا لحل سياسي كانت موريتانيا هي صاحبت الموقف الأقوى خلاله عسكريا وسياسيا، وقانونيا وتاريخيا، وباتت بعد رحيل ولد بوسيف أضعف عسكريا وسياسيا وقانونيا.. توقف القتال لم يكن يعني لرئاسة الحكومة الجديدة سوى البحث عن سلام مشرف، وإلا فلا معنى لتلك الحرب؛ وهو ما بات جليا من خلال مبادرات رئيس الوزراء خلال جولاته التي لم تهدأ بحثا عن صيغة تؤمن حلا سياسيا لائقا لموريتانيا، مثلما كان تماما في جبهات القتال صامدا شريفا وطنيا بكل المقاييس. يقول ولد بوسيف: "نحن مع السلام، ولكن ليس بأي ثمن". إلا أنه خلال بحث رئيس الوزراء عن صيغة مشرفة للسلام خرج الصراع داخل الحكومة العسكرية إلى العلن، وبرز محوران يدفعان في اتجاهين مختلفين.. ويتجلى ذلك بوضوح في ابروتوكول طرابلس بين السلطات الموريتانية ممثلة في وزير الخارجية أحمدو ولد عبد الله ونظيره الليبي؛ والذي تم خلاله الاتفاق على تسليم الأرض مقابل اتفاقيات اقتصادية، وسلام دائم، لكن تمرير الاتفاق كان بحاجة إلى توقيع رئيس الحكومة الموريتانية، وقد اتفق الطرفان على تاريخ 26 مايو موعدا للتوقيع الرسمي. إلا أن المفاجأة كانت مدوية وصادمة لرعاة الاتفاق الليبيين، وللموريتانيين والصحراويين على حد سواء، عندما أوضح رئيس الحكومة رفضه لذلك الابرتوكول وعبر عن ذلك في تصريح للصحافة الفرنسية أثناء وجوده في باريس قائلا إنه لا علم له بالأمر.

يقول ولد بوسيف: ".. كنت قد عبرت عن رغبتنا في السلام خلال التغيير الذي حصل في بلادنا.. وقد أصدرت الأمم المتحدة قرارين بخصوص الصحراء الغربية، أولهما يعهد بموجبه لموريتانيا والمغرب بإدارة الصحراء، أما الثاني فيتعلق بمبدأ تقرير المصير. وموريتانيا قد صادقت على هذين القرارين، وهي مستعدة للحوار حول مضمونهما"..

(من المؤتمر الصحفي لرئيس الوزراء الموريتاني).

هكذا إذن كان توجه أحمد ولد بوسيف، وهي السياسة التي كان من الواضح أن أطرافا في الجيش والحكومة تعارضها بشدة. ويبقى السؤال المطروح: هل حاول وزير الخارجية وضع رئيس الحكومة أمام الأمر الواقع؟ دعونا نتساءل بصيغة أكثر وضوحا: هل كان سفر أحمدو ولد عبد الله بدون علم رئيس الوزراء، وبدعم وإيعاز من وزير الدفاع، وقائد الجيش المقرب عائليا من وزير الخارجية؟

تشبث أحمد ولد بوسيف بالأراضي التي استرجعت بموجب اتفاقية مدريد 1975 ظهر جليا خلال تصريحه بالقول إنه لم يكن في مخيلة موريتانيا التخلي عن تيرس الغربية (الصحراء) حسب ما أوردت جريدة الصباح المغربية في الثالث من مايو 1979 (أسبوعين قبل وفاته) وذلك في تعليق على زيارة وزير الخارجية أحمدو ولد عبد الله لطرابلس ولقائه بالصحراويين. إلا أن سياسة رئيس الحكومة لم يكن بالإمكان تطبيقها على أرض الواقع في ظل معارضة قادة في الجيش. ويتضح ذلك من تصريح العقيد هيدالة في مذكراته "من القصر إلى الأسر" والذي قال فيه: ".. رئيس الحكومة الموريتانية المقدم أحمد ولد بوسيف كان يسعى لتعيين كادير في منصب قائد أركان الجيش بعد رجوعه من داكار". الشهادة توضح أن رئيس الحكومة كان يحتاج لقبضة قوية على الجيش حتى يتسنى له تطبيق سياسته الرامية للتمسك بتيرس الغربية والبحث عن سلام عادل مع الأشقاء الصحراويين؛ وهو ذات الأمر الذي سعى إليه المصطفى ولد محمد السالك. وهو ما يناقضه ابرتوكول طرابلس جملة وتفصيلا، الذي ينص على سلام دائم مع البوليزاريو مقابل التنازل عن المنطقة حسب توفيق فياج (كتاب مشكلة الصحراء، الصفحة 272) وكذلك يومية "غد إفريقيا" التي أصدرت هذا الاتفاق حرفيا.

تناقضات سياسية الحكومة الموريتانية طفت على السطح، فمن جهة يوقع وزير الخارجية ابرتوكول اتفاق بدعم من قادة في الجيش؛ بينما يقول رئيس الحكومة - الموجود في باريس حينها- بأنه لا علم له بالأمر أثناء خروجه من مقابلة مع رئيس الحكومة الفرنسية فاليري جسكار دستاه.

وفي شهادة أخرى أوضح ولد بوسيف أن السعي للسلام يجب أن لا يسبب مشكلات مع الجيران حسب "جون آفريك" (العدد 954 بتاريخ 18 إبريل 1979). كل تلك الأحداث الدراماتيكية تعيدنا للبرنامج الأخير عن حياة الراحل أحمد ولد بوسيف وشهادات قيادات سياسية وعسكرية كانت فاعلة في تلك الحقبة، فقد صرح وزير الخارجية أحمدو ولد عبد الله - في تناقض واضح- قائلا إن أحمد ولد بوسيف كان صاحب رؤية واضحة وعلى اتفاق تام معهم. بينما قال العقيد هيدالة: "أحمد ولد بوسيف كان يستشيرنا في جميع القضايا السياسية وكنا على وفاق".

ويناقض نفسه في مذكراته (من القصر إلى الأسر) قائلا: ".. لم يقطع ولد بوسيف خلال فترة حكمه أي خطوة باتجاه السلام؛ لذلك فكرنا في كيفية مواجهة تصرفاته، ولكننا كنا نستبعد إمكانية الانقلاب". ويعلل ذلك بالقول: ".. لأنني وجماعتي لم نكن واثقين من أن أحمدو ولد عبد الله - رئيس الأركان- يمكن أن يحرك قيادة الأركان لصالحنا؛ لذلك صرنا ننسق مع الرئيس المصطفى لمواجهة انفراد ولد بوسيف بالسلطة". (الصفحة 89 من مذكرات هيدالة "من القصر إلى الأسر").

فكرة الانقلاب على ولد بوسيف - المؤامرة- كانت موجودة لدى بعض قادة العاشر من يوليو الذين سبق أن انقلبوا على زعيمهم المصطفى ولد محمد السالك، ومن قبله المختار ولد داداه، لكن لماذا؟ أو ما هو السبب الحقيقي؟ الغريب أن هيدالة نفسه يحاول التنسيق مع الرئيس المطاح به المصطفى ولد محمد السالك ضد بوسيف؛ وهو الذي سبق أن وجه له ذات الاتهامات المتعلقة بالانفراد بالحكم، وقال إنه سعى لإقصائه بكل الطرق؛ وهو ما رفضه هيدالة خوفا من أن يتم تعيين العقيد كادير في محله كقائد أركان الجيش.. حسب تصريحه هو نفسه في مذكراته (الصفحة 79).

شهادات صادمة تظهر حجم التباين بين تصريحات الرئيس السابق محمد خونا ولد هيدالة خلال مذكراته وخلال شهادته التلفزيونية الأخيرة.

لقد كشفت الأحداث - بجلاء- أن الرجل لم يكن في مخيلته التخلي عن شبر واحد من الأراضي الموريتانية مهما كلف الثمن. لذلك كان من الواجب على من يرغب في تسليم الأرض إزاحة ولد بوسيف من طريقه. وبدأت تصرفات غريبة تصدر عن قيادات في الجيش تزامنت معها تهديدات علنية للبوليزاريو ضد موريتانيا، أو على الأرجح ضد ولد بوسيف. تتوعد بتبعات وخيمة لعدم الالتزام بتوقيع ابروتوكول طرابلس، حيث صدر بيان شديد اللهجة موقع باسم الأمين العام لجبهة البوليزاريو تقول إحدى فقراته: "نتمنى أن تتحمل انواكشوط العواقب الكارثية لعدم الحضور يوم 26 مايو من أجل التسليم".

ومن جهة أخرى كان من الواضح أن الأمين العام للجنة العسكرية للخلاص الوطني العقيد الطيار "كادير" - المقرب من أحمد ولد بوسيف- لم يكن على وفاق تام مع وزير الدفاع المقدم محمد خونا ولد هيدالة؛ وهو ما أوضحه هيدالة نفسه حين قال في مذكراته: ".. استطعنا معارضة جميع القرارات التي اتخذها العقيد كادير، والتي تصب في مصلحة بوسيف وجماعته؛ مما أدى لأن يقدم استقالته، فدخل علينا رئيس الوزراء غاضبا وسأل لماذا لا تتفقون مع الأمين العام؟" (يقصد "كادير").

يقول هيدالة: ".. أتاني بوسيف قبيل سفره واحتج على أننا أجبرنا كادير على الاستقالة، فقلت له إننا لم نجبره، وإنما عبرنا عن رأينا، ونحن الأغلبية؛ فإن كان لا يريد العمل معنا فذلك شيء يخصه". (الصفحة 89).

ويضيف في إطار تعطيل قرارات كادير: ".. لذلك كنا على اقتناع بأنه إن عاد من سفره - يقصد ولد بوسيف- فسيسعى للتخلص منا، وقد سمعت بعد ذلك أنه كان سيعين كادير على الأركان مكان أحمدو ولد عبد الله".

وهو أمر في حال حصوله سيشكل عائقا كبيرا في وجه الجناح الذي يتهم بالقرب من البوليزاريو، فماذا جرى بعد ذلك؟

نهاية الجزء الأول.

 

(نقلا عن "الحرية نت")  

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

الآن في المكتبات

فيديو

المتواجدون الآن

حاليا يتواجد 1 زائر  على الموقع