| اكتبوا كي لا تموتوا من الخجل..! |
| السبت, 16 أغسطس 2014 08:41 |
|
بقلم: الولي ولد سيدي هيبه
صحيح أن الكاتب المخضرم والملم الجيد بخبايا تاريخ البلد السياسي، وهو الذي كان له فيه ذات يوم شأن وأي شأن، قد تطرق إلى محاور دقيقة هي أهم ما يستدعينا بموجبها اليوم للتفكير الجاد في انتشال أنفسنا داخل حيزنا الوجودي المحاصر من سيول التجاوز الجارفة، وإن بأسلوب - وليعذرنا المفكر- قد لا يساعد كثيرا بما يقتطعه في ذلك وفي عصر السرعة من وقت ثمين على اختزال ملح للزمن باتجاه الخلاص قبل فوات الأوان. فإن الوقوف بالتحليل على ما كان من الصراعات الفكرية التي:
* خَندقت، في الماضي، الجميع وراء "صنمية" الفكر و"ديماغوجية" الحركات التي ولى عهدها والأحزاب التي قامت على رمادها ولم تتحرر من أساليبها ومناهجها.
وإني لأعجب للمثقفين؛ لا يملكون زمام تفكيرهم ويأبون، في إصرار شبه مرَضي وبخمول عقلي يلازمه كسل حركي مزمن، إلا أن يظلوا (وفقط في حيز ما تفرض لهم رغما عنها وعنهم مكانتهم ومستوياتهم في ترتيبية مواطني البلد في المعرفة والعطاء) في طرحهم ومعالجتهم لأحوالهم وقضايا أمتهم جزءا من تفكير الآخرين واستسلاما لاستنتاجاتهم وعملا بتوجيهاتهم بعيدا عن خصوصياتهم ومميزاتهم. وإني لأرى - من ناحية أخرى- أن هذا العناد وذاك التكاسل المزمنين في عموم سلوك الطبقة المتعلمة والمثقفة والسياسية الموجودة في واقع الأمر كمًّا ونوعًا إلا أنها استاتيكية، هما العاملان يمنعان بتاتا من خلق الحلول الملائمة للواقع المرير في ظل الأخذ ضمنها حلولا بالتميز الإيجابي والخصوصيات المتحركة والانسجام المصاحب في ذلك مع الحراك العالمي العام.. وإنها بذلك تبقى الوضعية التي تشي بكل إخفاق المعطى الثقافي والفكري وبالمستوى المفجع للتخلف العلمي والتنموي اللذين يعيشهما البلد وأهله لا يكادون يحسون بذلك وكأنهم الأجرب الذي يعتاد على الألم حتى يفقد الإحساس بالأكلة التي تفترس جلده فيقلع تلقائيا عن الحك مستسلما دون مقاومة. إن من يتابع ديناميكية الحياة في الدول النامية وتلك التي انطلقت بقوة على أثرها لا بد أن يدرك أن أفراد شعوب هذه الدول قد تجاوزوا منذ أمد اعتبارات الذاتية الضيقة التي هي من رواسب أمراض أصبحت من الماضي السحيق، كالانتماء العرقي الضيق والقبلي المتجاوز والجهوي السلبي، وأن يلحظ كذلك أن الحكومات والقيادات السياسية والعلمية والمخططة والموجهة في حيز الأنماط التربوية المؤطرة لم تعد تتشكل على الأسس التقليدية الواهية المفتوحة على التنافس السلبي في دائرة الاستجابة لغرائز التسلط والهيمنة، وإنما عمليا وتلقائيا بما تفرزه وتمليه في ذلك الحاجة العامة والمصلحة العليا اللتان لا دخل للأفراد فيهما مطلقا دون كفاءاتهم وجدارتهم بالثقة التي تودعها فيهم شعوبهم. وإذ الأمور أخذت بهذا التحول الاستثنائي في تاريخ البشرية منذ أول خلق منحى جديدا فإنه لم يعد ضروريا مطلقا التنبيه إلى أنه لم يبق كذلك من رواسب عموم الأيديولوجيات (التي كانت رمت بكل ثقلها وكثافة ظلالها وقوة تأثيرها على مطلق تراب قارات العالم وحفرت مكانة لها في عقول كل شعوبها التي تقاسمت الاعتقاد فيها وآمنت بقوتها وسحر بيان لغتها في مساعيها ومقاصدها) إلا ما يمسك من لا يزالون متشبثين بعراها عن تصريف أفعال الحراك إلى المستقبل بمنطق الواقع الجديد الذي تحرر مطلقا من ظلامية وقسرية الفكر الجامد.. حقيقة وعتها مجددا شعوب أمريكا اللاتينية التي كانت تترنح سكرا تحت تأثير مقاطع الشيغفارية والكاستروية حتى الثمالة ولا تقطع عمليا إلى المستقبل قيد أنملة. وها هي اليوم تقارع بطيها تلك الصفحة، وبأخذها عوضا عنها بمفاهيم العصر وتطلعات الشعوب إلى الحرية في التعبير وفي الإبداع والمنافسة تتسلق سنة بعد سنة مراقي التقدم وتلج حلبات التنافس مع من سبقوهم إلى إدراك تلك الحقيقية. فهذا الشعب "البانامي" في أمريكا الوسطى يستلم زمام إدارة "قنال باناما" الذي يربط بين المحيطين الأطلسي والهادئ ويقلص الزمن والمسافة، ويسترد للبلاد كرامتها ويحفظ مصالحها بأيدي وعقول أبنائها. وتلك - هي الأخرى- دولة البرازيل العظيمة التي تتشكل ساكنتها من خليط من الأعراق والثقافات تمخر عباب يم الديمقراطية والعلم والصناعة وتتبوأ مكانتها اللائقة من بين الأمم ذات الشأن. وهو الأمر الذي لم يتسن لها كما هو الحال لغيرها إلا عندما طلقت طلائعها الثقافية والسياسية منطق الأيديولوجيات الدوغماتية وانحسارية أذهان أممها في أنماط جامدة من الفكر المقولب والموجه بصرامة. وفي حين تزخر البلاد بالطاقات الفردية العالية والكفاءات النادرة من كل الأنواع والأصناف وعلى كل الدرجات وجميع المستويات، فإن العجيب يبقى على النقيض من ذلك، افتقار قادتها الفكريين وزعمائها السياسيين وموجهيها الروحيين وقادتها الحاكمين إلى القدرة على تدبير أمر هذا الثراء واستغلاله بما يعمم الوعي ويرسخ المبادئ والقيم ويطلق العنان للبناء ويرفع سهم التنمية وينشر الخير والعدل ويوطد وحدة الوطن ولحمة الأمة ويرسخ قواعد الدولة ويضبط إيقاع المصير المشترك وينقي الدين من الشوائب ويضع البلاد نهائيا على سكة البناء ويضمن ديمومة الحال في ذلك.. عجز غير متوقع لا يوازيه - كما هو الحال- إلا ما يكون من خنوع هذه القيادات والزعامات لما يمارس عليها من اضطهاد الطفيليين ونفوذ الوصوليين وتأثير المتزلفين المتجردين من مآثر الضمير ومحامد القيم، الذين خلا لهم الجو فلم يفلتوها فرصة ليضربوا أول ما يحلو لهم ضربه منظومة أخلاقية تلفظ أنفاسها الأخيرة ليسعوا بعدها إلى إثبات أن ضربها نصر ويرسخوا قاعدة أنها القشة التي قصمت ظهر البعير الأجرب. وفي ظل هذه الوضعية الاستثنائية في بلد استثنائي وعقليات استثنائية وطبقة مثقفة استثنائية وممارسة سياسية استثنائية هي الأخرى لا بد من يقظة الأقلام المتبصرة لفضح مكامن الخلل وتقديم الحلول المواتية وفتح الباب واسعا أمام الحل المطلوب لبلد - ولن نمل قولها- محاط بكل أسباب التفكك والاندثار. وبقدر ما أن هذه الأقلام العامرة بمداد التنوير مطالبة في إلحاح شديد بذلك من أجل بقاء وطنها وخلاص شعبها، فإنها إن لم تفعل في موازاة ذلك فإنها ستموت حتما من الخجل. |
