| الجنرال رمضان |
| الجمعة, 26 يونيو 2015 12:04 |
|
بقلم: أ. معن بشور
فحين أطل علينا رمضان وسط ذلك الحصار العاتي، حصار العدو العسكري، والحصار الأعتى، حصار العجز والتواطؤ والتخاذل، كثيرون منا قالوا إن هذا الشهر - شهر الخير والبركات- لن يكون إلا قوة لنا في حصارنا، وأطلق البعض عليه لقب "جنرال رمضان" تعبيرا عن الأهمية العسكرية التي يعلقونها عليها، نتيجة ما سيطلقه فينا من معنويات. فمع رمضان عدنا إلى التاريخ نستحضر لوحاته المشرقة، بعد أن يئسنا من الجغرافيا أو كدنا، فتذكرنا بدرا؛ الموقعة الشهيرة في الشهر الفضيل حيث غلبت فئة قليلة فئة كثيرة بإذن الله.. وكم من موقعة "بدر" صنعناها بأيدينا أيام الغزو.. ألم تكن موقعة المتحف بدرا أخرى، ألم تكن معارك المطار، وخلده، وكلية العلوم، والبص، وعين الحلوة، والرشيدية، وبرج الشمالي، وقلعة الشقيف، وبيادر العدس، وعين دارة، وبحمدون، أسماء جديدة لتلك المعركة الرمضانية الخالدة. ومع رمضان أيضا، وفي أجوائه تذكرنا غزوة "الخندق".. حيث أشار سلمان الفارسي (رضي الله عنه) على الرسول (صلى الله عليه وسلم) حين حوصرت المدينة بأعداد غفيرة من القبائل (أحزاب ذلك العصر) بحفر خندق كبير حول المدينة.. فعجزت عن اختراقه الجيوش لتأتي العاصفة فتودي بما تبقى لديها من عزم وتصميم.. ولاحظنا ونحن نتذكر "الخندق" كيف بنى المدافعون عن بيروت، لبنانيين وفلسطينيين وسوريين وعربا متطوعين، خنادقهم بأجسادهم الغضة، ومعنوياتهم العالية. وفي أجواء رمضان أيضا، تذكرنا أن الغزوة الجديدة التي نتعرض لها ما هي إلا تتمة لغزوات صليبية وتتارية ومغولية وغربية متعددة مرت علينا، تستهدف إيماننا قبل أرضنا، وحضارتنا قبل خيراتنا.. وإلا فكيف نفسر قطع الماء والكهرباء، ومنع الخضروات والتموين عن الصائمين المحاصرين في بيروت.. بل كيف نفسر اختيار الغروب موعدا لتفجير الشاحنات المفخخة أو القصف العنيف المفاجئ.. ومع ذلك حين كان يحين أذان المغرب، كانت قلوبنا تخفق مرتين، مرة لنجاحنا في صيام يوم جديد من أيام الحصار.. ومرة لصمودنا ليوم آخر من أيام رمضان.. لقد تسمر العدو على أبواب بيروت طيلة شهر رمضان وبعده.. ولم يتمكن من دخولها إلا عبر حيلة دولية وإقليمية ومحلية.. وتبين أن رمضان، لدينا، أكثر من شهر نمارس فيه ركنا من أركان الإيمان، إنه إطلاق لطاقات روحية ضخمة في داخلنا وتحصين أخلاقي منيع لنفوسنا.. وعهد ووعد وتجديد الولاء لمبادئ وقيم ولرسالات بتنا اليوم بحاجة إليها أكثر من أي وقت مضى.
مجلة المنابر – العدد الرابع/ حزيران 1986 |
