| أبواب دمشق السبعة والجدار العالي! |
| الاثنين, 22 أكتوبر 2012 12:26 |
|
ومع مرور الزمن وامتداد السور كثرت أبواب المدينة ومن ثم أغلق قسم منها إلا أنها بقيت حافظة لتقاليد وعادات أهلها المضيافين بأبوابها المشرعة دائما أمام حاملي رايات السلام والنيات الطيبة ومغلقة أمام أصحاب الخناجر المسمومة والرايات السوداء. دمشق التي عرفت كل حضارات البشر ومر عليها الكثير الكثير من المحن وشهدت أسوارها وأحجارها آلاف المعارك لم تكن مفاتيح أبوابها سهلة المنال لطالبيها؛ لا في التاريخ القديم ولا الحديث، وبقيت رافضة للضيم شامخة حافظة لمكانتها المرموقة في العلوم والثقافة والفنون والأدب وحتى السياسة وربما لم يخطئ الشاعر ياقوت الحموي عندما قال: "ما وُصفت الجنّة بشيء، إلا وفي دمشق مثله" فلماذا جار عليك الدهر يا دمشق وعليك أيها الشعب السوري في يومنا هذا؟ منذ بداية الأزمة السورية لم تغف عين ولم يهدأ بال؛ لا للقريب ولا البعيد، بحثا عن مفاتيح أبواب دمشق تحت ذريعة إنقاذ الشعب السوري من محنته الحالية. أول الفاتحين والساهرين على حل الأزمة السورية بعد إصابتها بعدوى الربيع العربي كانوا من جامعة العرب التي أشهرت سيوفها وهددت وأرعدت وحمّلت النظام السوري كل الأوزار ووصمته بأنه خارج عن الشرعية لعدم انصياعه لمطالب شعبه، بينما هم المعنيون لا غيرهم بالحفاظ على مصير هذا الشعب بحكم التاريخ والدين واللغة المشتركة، وبحكم أن عاصمة الدولة الأموية استبيحت دون حسيب أو رقيب، فقرروا استنادا إلى مخططات فاتحهم العربي الكبير واستشارة أقرب مساعديه صناعة سبعة مفاتيح لأبواب المدينة المنهكة، فسهروا سبع ليال بطولها متفحصين كتب الجن ووجدوا أن مقارعة أقوام "الحن والبن" لن تكون سهلة على الفاتحين فأصدروا القرار تلو الآخر وأدلوا بدلوهم الذي يزخر بالتهم الموجهة للرئيس العنيد موكلين لقنواتهم نقل الصورة والخبر بسرعة خارقة وبدون تحريف أو تركيب للجمل والحركات، لكن جهود جامعة العرب الملهمة للتغيير لم تأت بشيء فقرروا تعليق عضوية هذا البلد وفرضوا عقوباتهم جوا وبرا وبحرا وأرسلوا مراقبيهم مدججين بكل مفاتيحهم القديمة والجديدة علها تصلح لفتح أبواب العاصمة السورية. آراء المراقبين بعد أيام قليلة من بداية عملهم لم ترق للفاتحين العرب؛ فبدلا سماع الهدير في تقاريرهم حّمل المراقبون المسؤولية لما يجري على الأرض لكلا الطرفين، ولإنقاذ الطبخة قبل أن تشوط وتفسد وليمة الربيع العربي قرر الفاتحون سحب مراقبيهم وتحويل الملف السوري لكل المنظمات الدولية في العالم. مجلس الأمن لم يستطع تلبية طموحات العرب الملتهبة بالتغيير السريع، ولم تنجح محاولات أعضائه الغربيين ليّ الأيدي الصينية ولا الروسية لتمرير قرار صغير فاكتفوا بإرسال مراقبيهم بقبعاتهم الزرقاء على متن قارب مبعوثهم الإفريقي ذي الشراع المكسور الذي لم يستطع مواجهة الرياح السورية العاتية فعاد بخفي حنين تاركا وصيته بنقاطها الست لمن سيقود من بعده مهمة البحث في بلاد الله الواسعة عن مفاتيح جديدة لأبواب المدينة العجيبة. صراخ وضربات قبضات الفاتحين العرب أمام كاميرات العالم ذهبت مع الريح ولم تلق آذانا صاغية لدى القيادة السورية ولا لدى قيادات المعارضة التي لم يستطع أحد حصرها لكونها كالفطر البري كانت تنبت مع كل رعد جديد في سماء المدن السورية وبقيت دون سلة تجمعها لكون المسموم منها كثير العدد كريه الرائحة ولا تمكن المخاطرة بطبخها لتعدد الوصفات وكثرة الطباخين وبنتيجة اختلاط الحابل بالنابل ضاعت مطالب الشعب المسالم وذهبت حقوقه مهب الريح بعد أن خرجت الأمور عن السيطرة نتيجة الاقتتال المستمر. نتيجة المعارك الداخلية لم ترض السلطان العثماني الجديد فاستدعى أصدقاءه المقربين من العرب للاستشارة وأخبرهم سرا أنه وجد تحت وسادة جده مفاتيح المدن السورية كلها، وأنها منذ انهيار الدولة العثمانية لا تزال أمانة في عنقه، وهو سيكون الفاتح الجديد بعد فشل الجميع بفتح دمشق العصية؛ ولو بابا واحدا من أبوابها. هلل الجميع وصفقوا لاقتراب نهاية المحن وامتطى السلطان الجديد حصان الربيع العربي وقاد جيوشه براياتهم مختلفة الألوان والأسود يطغى على أكثرها وخطب بهم بكل لغات العالم كي يفهموا واستعان بكبير شيوخ العرب ليقرضه فتوى لجيوشه المتشوقة للفتح المبين، فأفتى الأخير بكل ما لديه وأقسم بكل شعرة في لحيته البيضاء بأن النصر سيكون على يد الفاتح الجديد وأن مفاتيحه لن تخطئ وعلق على سيف السلطان الجديد ثمانية مفاتيح أخرى احتياطا؛ فالزيادة أفضل من النقصان، وأثنى بأحر الكلمات، والله المستعان؛ موصيا الجميع بعدم إضاعة المفاتيح لكونها صالحة لأبواب الجنة. أم المعارك لم تأت بالمرجو وعاد السلطان مكسور العنق لاعنا حلفاءه المقربين والبعيدين، لأنهم كذبوا ولأن مفاتيحه كلها مزورة وهي أساسا ليست من وصايا جده؛ بل هدية سيده في البيت الأبيض، وأنه لم يستطع فتح باب واحد؛ فكل الأبواب السورية بقيت مغلقة بوجهه، وأنه اضطر لترك جيوشه وسط الركام، وأن كل ما استطاع فعله هو كتابة جملة ملطخة بالدم السوري على جدران المدن المهدمة، هي "الإسلام هو الحل". سيد البيت الأبيض الذي ينتظر بفارغ الصبر ولاية جديدة ليقرر كيف سيكون الحل أدهش حلفاءه باختراع جديد مفاده أن الجماعات المتطرفة التي تقاتل على الأراضي السورية تحاول استغلال الوضع الحالي لخدمة أجندة تخدم مصالحها المستقبلية واعتبر الأمر سابقة خطيرة، وأمر من جديد ببغاءه الشقراء أن لا تنسى تكرار جملته المفعمة بمحبة السوريين بأن أيام الأسد معدودة ولم يبق إلا القليل. يبدو أن سيد البيت الأبيض ضلّ في الأرقام وحسابات الأيام الباقية لهذا الرئيس العنيد ولا يزال يبحث باستخدام كل تقنياته عن أسرار الجدار السوري وسبب فشله في البحث عن المفاتيح. لكن يبدو أنه لم يقرأ التاريخ؛ فأبواب دمشق مشرعة لمن يأتيها مسالما وموصدة أمام جحافل المعتدين.
(نقلا عن "روسيا اليوم") |
