| د. محمد عبدي: "نحن بلدٌ نشأ بإرادة استعمارية لا بحتميةٍ تاريخية" |
| الأحد, 04 يناير 2015 09:22 |
|
نعيد نشر هذه المقابلة تأبينا لفقيد الأدب الشاعر محمد ولد عبدي رحمه الله (ح3/3)
سؤال: في الآونة الأخيرة ظهر حراك اجتماعي وسياسي للطبقات المظلومة تاريخيا، هل تعتقد أنه بدون توحد هذه الأصوات المشتتة القادمة من الهامش يمكن أن يحدث أي تغير راديكالي باتجاه إنصافها؟ جواب: أتابع -عبر الانترنت ووسائل الإعلام- ما يدور في الساحة الاجتماعية والسياسية الموريتانية، وما يمور فيها من حراك، ويتصادَى فيها من أصوات، ويتنادى فيها من تظلمات.. وهو أمرٌ طبيعي يستجيب والشرطَ التاريخيَ المعيشَ في ظل انفتاح العالم وثورةِ الاتصالات وحركيةِ التواصل الاجتماعي، وهيمنةِ روح ما بعد الحداثة، التي استيقظت فيها الهوياتُ الأصولية في مختلف أنحاء العالم. غير أن ما يحدث في موريتانيا لا بدّ أن يُقرأ ضمن سياقه التاريخي وشرطه الاجتماعي، وأفقه المستقبلي؛ فنحن بلدٌ نشأ في حدّه الجغرافي وبنيته الاجتماعية ووظيفته السياسية بإرادة استعمارية، لا بحتميةٍ تاريخية، وأُقيمتْ هياكلُهُ التنظيمية على مرجعيات ثقافية تُكرس سلطةً نسقيةً خلقتها سردياتٌ تاريخيةٌ في أَزمنةِ التَّدافع وإرادة البقاء، لذلك ولهذا سيكون الانتقالُ من وضع الوجود القسريِ وثقافةِ العنف الرَّمزي إلى الدولة المدنية الحديثة القائمة على مفهوم المواطنة أمراً عسيرا، له مخاضاتُه وتدافعاتُه وإكراهاتُه، واعتقد أن الحراك الذي ذكرتَ هو نتيجة حتمية لخصوصية تلك النشأة، كما أنه ضروري لبلوغ دولة المواطنة المنشودة، غيرَ أنه ينبغي أن يحترز ابتداء من حمل العيوب النَّسقية ذاتها التي يقومُ عليها نسقُ السُّلطة (الثقافية والاجتماعية والسياسية) فلا يتَخَنْدق في هويات ضيقة عمياءَ كما هي حالُها، ولا يحترف العنف المادي والرمزي الذي تمتهنه، ولا يكرس الجَبْذَ والنَّبْذَ الذي تُمارسُه.. إنه -إن فعلها- لن يكون سوى الوجهِ النَّسقي الآخر لتلك السّلطة، وساعتَها لن يستطيعَ كسبَ أي رهان إلا بمُغالبَةٍ عَجماءَ قد تطيح بالوجود كله؛ خصوصا بالنظر إلى هشاشة المنشئ المشار إليه. غير أن مداخل النضال عديدة، أجلاها وآكدها الشراكةُ في التهميش؛ حيث الإقصاء المشترك والفقرُ المشترك والظلمُ المشترك والجهلُ المشترك، وهي مشتركاتٌ تتسعُ قاعدتُها ومنتسبوها بحجم تسلّطِ السلطة الزمنية، وتفشِي واستشراءِ الأنساق التاريخية، وساعتها ستضم - بلا شك- متظلمين مقصين من مختلف شرائح المجتمع، لأن تلك المشتركاتِ مفاهيمُ لا هوية لها تاريخيا، وهذا صنيعٌ أجدى وأحزَّ في المفصل من التَمترُسِ خلفَ هواياتٍ شرائحية ضيقة لن تؤديَ إلا إلى تخندق مماثل يتوسل تاريخا لا يسنده سوى الاشتراك في ممارسة العنف الرمزي والتواطؤ على نفي الآخر. كما أن من مداخل ذاك النضال على المستوى المعرفي تفكيك الأنساق التقليدية المهيمنة وكشف حِيَلها السلطوية وقدرتها على التخفي في اللغة والرموز والإشارات، وفضح أساليبها في سلب الإرادات وتسريب المسلمات الخرافية وجعلها جزء من المخيال الجمعي. ولن يتحقق هذا المطلب الأخيرُ إلا بإرادة المعرفة وتحصيلها وتوظيفها من أجل تغيير الحال والمآل، وحينها سنكون جميعا موريتانيين هوية وانتماء، منصهرين في بوتقة واحدة، متحدين في معركة وحيدة هي معركة التنمية والحلم المشترك، لا متخندقين في هويات خرساء تُفخخُها كراهياتٌ متفلتةٌ. وبعد أوليست أمريكا بتعدد هوياتها بوتقة صاهرة أو قل جوزة هند، ظاهرها بألوانه وقلبها أبيض، لا يجمعها سوى حلم مشترك كبير؟
سؤال: أنتم عضو اللجنة العليا المنظمة لبرنامج "أمير الشعراء" مع ذلك يرى البعض أن الموريتانيين مستهدفون في هذا البرنامج ويظلمون باستمرار ما هو تبريركم لذلك؟ جواب: أعتقد أنه لن يظلم موريتاني في أمر أنا فيه شريك، ولا في أمر أنا عليه شاهد، وإن وقع -وتلك استحالة- فقد سقطت من بساط الفتوة على حدِّ تعبير "شهيد القوم" الحلاج. وإن ما قمت به من دور- يعاتبني عليه دائما زملائي في اللجنة العليا ولجنة التحكيم، ويعرفه جيدا شعراؤنا الذين شاركوا في مختلف دورات البرنامج- لهو أمرٌ لا أسوِّقُه لأحد، لأني لا أساوم على وطني أحدا. إن كل من يتلفع بياء النسبة الموريتانية هو في قلبي مكين؛ وخاصة إذا كان شاعرا، فكيف تتصوره يُهضم حقا في أمر أنا فيه شريك؟ معاذ الله! وأحسب ظن "البعض" في سؤالك هو عينه "بعض الظن" في الآية.
سؤال: ما هو آخر كتاب قرأتموه؟ جواب: من آخر ما قرأت من الكتب، كتاب لباحث مغربي يُدعى محمد بازِّي، بعنوان "نظرية التأويل التقابلي – مقدمات لمعرفة بديلة بالنص والخطاب" وهو مقاربة نقدية عميقة تسعى إلى بناء نظرية موّسعة حول ما أسماه بـ"الكون المتقابل" و"الكون النصي المتقابل" ثم "التأويل المتقابل" انطلاقا من بنية عميقة مؤسسة للمعنى، قائمة على التقابل المثنوي أو المتعدد، وقد أقام تصوراته على مجموعة من الفروض الاستكشافية اختبر من خلالها عددا كبيرا من النماذج النصية والخطابية. ويتميز هذا الكتاب بأسلوبه الاستدلالي المتماسك، وبنائه النظري الباذخ، ومصادره العلمية المتعددة.
سؤال: ماذا تعني لكم الكلمات الآتية: مصطلح "المص" القلق, الموت, المنفى. جواب: "المص": آلية من آليات النبذ الاجتماعي ابتدعتها السلطة الثقافية إمعانا في التَّسلط والعنف الرمزي ضدّ المهمشين، والأولى – إن وجد أصلا- أن يحترفه العارفون "بسرِّ الحرف" ومسالك العلوم، لا الأميون الذين لا يملكون تعبيرا ولا تدبيرا. القلق: كلما ضاق الوطن واتسعت الأحلام فثمَّة للقلق وعشيرِه متسعٌ، ثم اعلم - أيدك الله- أن الشعراء اعتادوا امتطاءَه ليلا عساهم إلى سدرة النص يفدون، وما "أبو عبادة" عن سُنتهم بحائد، كيف وقد أمسك عروةَ الخمسين. الموت: العدوة الوحيدة التي لا يحن إليها أحدٌ ولا يتغيب عنها أحدٌ. المنفى: محرقة الروح وقلق السالكين، سألته من أنت؟ قال: أنت.
سؤال: بماذا توصون الشعراء الموريتانيين الشباب اليوم؟ جواب: أوصيهم بعد تقوى الله، بالخروج من جلالبيب الماضي وخرف الذاكرة، وأن يدركوا أن الشباب ليس بالعمر وحسب؛ وإنما بالفكر والرؤية والحلم، فيا ما رأيتُ شبابا في العمر ولكنهم – للأسف- أكثر ماضوية وتخلفا من أجدادهم، همُّهم التماهي بالماضي شعرا وفكرا ومسلكا فرديا وعلاقات اجتماعية، مُحنطِّي التفكير والتعبير، لا يبصرون أبعد من خطاهم، ويحسبون أنهم يحسنون صنعا، وهيهات ذاك؛ إن هو إلا العمى الثقافي والخسران العقلي المبين، كيف - أدامكَ الله- لوطنٍ ذاك شبابُه أن يُؤسسَ كيانا أو يحفظ وحدة أو يحقق حلما، أو يسابق سلحفاة في ميدان؟ ولا تحسبنّ الشعرَ بمفازة من هذا الحكم، فأغلب ما في الساحة الموريتانية الحالية من شعر - واستثن القلة القليلة- إن هو إلا أشباهٌ ونظائر، مُتشرنقا في لُحْمَته البلاغية وبما تُتيحه هندسةُ الكَلِمِ وأساليبُ المجاز من وجوه التوافق والتأليفات، ليس له بالمكان ولا بالإنسان اتصالٌ، فكيف باستشراف أفق أو رسم رؤية أو حمل أمانة. ثم - أيدكَ الله- كيف التعبيرُ عن واقع موّارٍ حؤولٍ بشكلٍ متصلب المفاصل ثابتٍ كُرِّرَ منذ الجاهلية حتى يومنا هذا.. أيعقلُ أن نرفلَ اليومَ في أزياء الجاهلية كما فُصِّلت في أبحر الخليل؟ أوليست الأشكالُ أكثر دلالة من المضامين؟ ومن ذا الذي يستطيع أن يعبئ البحرَ المحيط أو بحرَ الرمال المتحركة في قنينة على مقاس أربع تفعيلاتٍ أو ثلاثٍ في شطر واحدٍ، أتراها تسعُه؟ أم ترانا سنظل نعيش بأجسادنا في القرن الواحد والعشرين وبعقولنا في القرن الأول للهجرة؟ لذا فشبابنا بصفة عامة - والشعراء منه بصفة خاصة- مدعوون إلى أن يجسدوا في شعرهم ذواتَهم زمانا ومكانا وحلما مستقبليا مشاما، وأن يعملوا على التأسيس لخطاب وطني حداثي قادر على إنقاذ الوطن من المصير الكارثي الذي يدفعه إليه المنتجعون أصحاب سياسة البطون و"الساعة التي أنت فيها" وهو خطاب نحن أحوج ما نكون إليه الآن، وأكثر احتياجا إليه مسلكا أخلاقيا، بعد ما استحكم فينا فقد المناعة الأخلاقي. * شكرا لكم على الوقت وسعة الصدر.
(نقلا عن صحيفة "التبصير" الإلكترونية) |
