| رحلة ولد ابن المقداد الاستكشافية إلى آدرار 1900 (ح2) |
| الاثنين, 03 ديسمبر 2012 09:15 |
|
وبعد قراءة الرسالة انقسمت الآراء قسمين: فشاطر بعضهم رأي الشيخ سعد بوه وخالف بعض آخر وطال النقاش دون الوصول إلى أي حل. وفي تلك الأثناء وصل الشيخ سعد بوه نفسه الذي أمضى ثلاثة عشر يوما في مفاوضات حامية وفي الختام اتفق الطرفان. وطيلة هذه المنافسة تقرر إخلاء سبيلنا بشرط أن يترك السيد ابلانشيه أسيرا حتى يروا ضرورة فك أسره. وقد ذهبت بهم السذاجة إلى حد ربط إطلاق سراحنا معاوضة بالساموري أولا وسيديا زعيم والو السابق الذي تم تسفيره منذ 1875، زاعمين أن هذين الزنجيين مسلمان ولذلك تم احتجازهما في بلاد النصارى. وبعد مفاوضات مدوية ومناقشات عنيفة تم اتفاق الطرفين. ولتسهيل عودتنا إلى سان لويس وإخماد اضطراب سكان البلد اتفق ابلانشيه والشيخ سعد بوه والمختار ولد عيدَّة من جهة والزوايا والمحاربين وأعيان أطار من جهة أخرى على إعطاء الفرنسيين للدية. وقد تم عد القتلى من الجانبين فوجد أن معارضينا زادت قتلاهم بسبعة رجال، وعلينا دفع 400 قطعة قماش من (النيلة) لكل قتيل. وقد رضي ابلانشيه بهذه التسوية وطلب كتابتها وتوقيعها وفقا للسلطات التي خولها له موكلوه والتزم بدفع الديات بنفسه حتى وإن لم تدفعها الحكومة. وقد طلب من الشيخ سعد بوه أن يضمن عليه قضاء الامتيازات. وقد وافق الشيخ سعد بوه على ذلك كما التزم بقضاء كل المال المنهوب من القافلة من طرف القناصة. وفي المقابل سيطلق البيظان سراحنا ويمنحونا وسيلة نقل توصلنا. طلب البيظان توقيعي في نهاية الاتفاق إلى جانب توقيع ابلانشيه وقد رفضت ذلك رفضا باتا فليس هنالك ما يدعو إلى ذلك التوقيع ما دام رئيس البعثة قد وقع والشيخ سعد بوه أعطى ضماناته المكتوبة فهذا يكفي ومع إلحاحهم أقسمت بالقرآن على أن التزامات ابْلانشَيه والشيخ سعد بوه سوف يوافق عليها في سان لويس. وعليه تم تسريحنا وفور ذلك بدأنا سراعا في إعداد العودة إلى سان لويس. وقد شكرنا بحرارة لحماتنا ولأصدقائنا المختار ولد عيده والشيخ سعد بوه إذ لولاهما لأزهقت أرواحنا وبهما حصلنا على حريتنا يضاف إليهما الشيخ سيديا الذي كتب للأمير وإلى زوايا أطار في شأننا وقد أثرت رسائله في نفوس أكثرهم تعنتا. كما أن أحمد سالم نفسه أرسل رسالة لم أرها إلا أن المختار ولد عيدَّة حدثني عنها وكان لها هي الأخرى وقع إيجابي. وقد أراد ابلانشيه إصدار شهادة اعتراف بالجميل للمختار ولد عيدَّة إذ بفضله أبقِيَ على حياتنا وكذلك معاونوه الذين ساعدونا. مما يعترف له بالجميل على السلوك الحسن الذي ظل عليه معنا طيلة المحنة. فزوده بشهادة تثبت أن مهاجمتنا كانت خلال غيبته وبدون علمه وضد رغبته، وأن الهجوم قد توقف بأمره وفور وصوله. كما تنازل له من جهة أخرى، وكتابيا، عن كل ما يمكنه الحصول عليه من مال البعثة وممتلكاتها التي نهبت. واسمحوا لي - سيدي الوالي العام- أن أعبر عن رأيي المتواضع حول هذه الاتفاقية التي أبرمها ابلانشيه والمتعلقة بدفع الديات. ففي اعتقادي أن من مصلحة فرنسا تسديدَ هذا المبلغ؛ فالمصادقة على هذه الاتفاقية لن يكون سوى تأكيد لنفوذنا في الصحراء وسيؤكد للبيظان أننا نَبَر أيماننا ونفي بعهد قطعناه على أنفسنا كما أنه سيقوي علاقتنا بالأمير وبشيوخ القبائل ذات الشوكة بآدرار وبالزوايا المؤثرين أيضا الذين قد يثيرهم الأمر أو يحبس رغبتهم. وإذا لم تتم الموافقة على ما التزم به ابلانشيه فإن صديقنا الوفي الشيخ سعد بوه سيجد نفسه مرغما على تسديد ما التزم به نيابة عنا وسيكون في ذلك عدم اعتراف بكرمه الفياض وتدخله ومباحثاته من أجل البعثة. فقد قام رغم شيوخوخته -وعلى الفور- بسفر شاق في زمن حار وعبر مناطق متوترة وخلال طرق لا تخلو من لصوص، كل هذا من أجل إرجاع فرنسيين إلى أمتهم، فرنسيون مستعبدون بين أيدي شعوب همج جهلاء متزمتين بل ونصف متوحشين. إن الشيخ سعد بوه لم يأل جهدا في مقارعة زوايا متكبرين يحركهم حسده وقوة تأثيره وسعة صيته فتحملَ كل ذلك طيلة أيام عديدة واجه خلالها نقاشات عاصفة ومفاوضات شاقة وإهانات وسوء أدب، ذلك أنهم قد ذهبوا إلى حد القول بأنه يتواطأ معنا من أجل تخريب بلادهم. إننا سنفقد بعدم وفائنا له الصديقَ الوحيدَ الذي لعبت هيمنته ونفوذه دورهما في التأثير على نفوس سكان هذه الصحراء من أجل قضيتنا. إن فرنسا بجودها العميم، تعرف جيدا قيمة الخدمات التي يقدمها أبناؤها الشجعان الذين خاطروا في أصقاع مجهولة يسكنها وحوش من أجل نصب أول تذكار لقوة فرنسا وحضارتها وهذه الخدمات يَستقل في حقهاَ كل جليل. وفي حالة ما إذا تم تسديد هذا المبلغ فلن يجد سكان آدرار ذريعة للخوف منا وستصل قوافلهم إلى سان لويس كما كانت الحال، وفي اعتقادي أنهم سيرفضون أي تعامل معنا ما لم تنفذ وعود ابلانشيه والشيخ سعد بوه وسيجد منافسونا في المنطقة من أسبان ومغاربة، الذين لم يعقدوا بعد علاقة بالمنطقة فرصتهم لانتهاز الظروف وإقامة تلك العلاقات. وهنا أختم هذا الجزء الخاص من التقرير بمهمة ابلانشيه وأؤكد لكم -سيدي الوالي العام- أن قواد هذه البعثة وأعضاءها لم يفعلوا سوى ما أنيط بهم من مهمات تجارية وشخصية، لقد التزموا بالنهج الذي رسمتموه وبالأوامر التي أعطيتموها ولم يحدث في أي يوم من الأيام أن كلفني ابلانشيه بأي ترجمة تلامس من قريب أو من بعيد السياسة التي نتبعها في الصحراء الغربية. إنني لا أكيل الثناء هنا لابلانشيه ورفاقه بل أقول فقط إنهم وبفضل صبرهم العميق، وحذرهم الشديد وشجاعتهم وتصميمهم هم ثلاثتهم (ابلانشيه وديزين وغَامبيتَا) استطاعوا تجاوز المحنة. وكل ما أقوله لا يكفي لتصوير حالهم أثناء مقامهم بآدرار حين كانوا عرضة للحوادث المؤسفة لقد شرفتموني سيدي الوالي بمهمة خاصة تعني المختار ولد عيدَّة وقد حدثتكم عنها. لقد أعطيته المبلغ الامتيازي والرسالة التي وجهتموها إليه. إن هذا الرجل (المختار بن عيدَّة) ذو أخلاق حميدة وهو مستقيم ومخلص خلافا لكثير من أتباعه. لقد أظهر صداقته لنا عند أول لقاء معه وقد ظل على ذلك دوما. إن سلوكه الجيد خلال الأحداث وتأكيده لصداقتنا التي ظل يبديهاَ كل يوم في مباحثاته مع ابن أخيه محمد الأمين ومع أولاد غيلان والزوايا والأعيان المعادين لنا فهذا يدل دلالة لا مطعن فيها على إخلاصه. وخلال أسرنا قدم على أطار أحد أبناء الشيخ ماء العينين، ممثل السلطان المغربي بالساقية الحمراء وقد طلب هذا الرجل تسليمنا له باسم السلطان وقد باءت محاولته بالفشل كما ذكرت لكم في رسالتي بتاريخ 21 / 08 الماضي. أما احمد ولد المختار ولد عيدَّة، أمير آدرار في المستقبل، فلديه مشاعر ودية غامرة اتجاهنا مثل أبيه وقد وقف إلى جانبه وساعده على تخليصنا من المحنة. إن الوضع السياسي في آدرار ما زال على حاله فالاضطراب جراء الحروب المستعرة وخلافات القبائل القاطنة هناك، وهي قبائل مستقلة في أغلبها عن الأمير وليست له عليها من سلطة. عندما مات أحمد بن سيد أحمد قام عرب آدرار بإشهار السلاح والنهب والسلب وأخذ كل ما تصله اليد وقد هددوا الزوايا بحرق نخيلهم إن لم يسلموهم أموال الأمير المتوفى والتي قد أودعهم إياها. إلا أن أولاد عمني - بيت الإمارة- ابتعدوا عن هذه الممارسات وقرروا تنصيب المختار وهو عم الأمير المتوفى. وقد رفض أولاد غيلان محركو الوضع بالعاصمة، رفضا باتا تنصيب المختار الذي أصبح شيخا ضعيفا. وإذا كان المختار أسن الموجودين من بيت الإمارة فإن عدم ممارسته للسياسة يجعله غير صالح لهذه المهمة العظمي وقد اقترح أولاد غيلان أن يكون الأمير محمد بن سيدي بن عثمان الملتجئ إلى إدوعيش. رفض أولاد عمني هذا الاقتراح الملائم لمصالح أولاد غيلان فهذا الرجل المقترح قد صرح بعداوته لهم وقد توجهت منهم جماعة إلى المختار والتمسوا منه قبول اقتراحهم. رفض المختار الاقتراح أول الأمر معللا رفضه بشيخوخته وضعفه مما لا يسمح له بتحمل هذه المسؤوليات الجسام ولأنه يعرف جيدا سكان آدرار وسرعة تقلبهم فإن وعودهم لن تخدعه وعليه فليختاروا أميرا غيره وسيظل هو أحد الأشخاص العاديين. إلا أنهم ألحوا عليه في الطلب وتتالت الوفود ببابه متمسكين به ومتعلقين بتنصيبه فقبل طلبهم ولكنه اشترط عليهم جملة من الشروط: أولها إرجاع جميع المال المنهوب إلى ذويه ثم القَسَم على الوقوف معه في جميع الظروف لأداء مهماته وكذلك مساعدته على القبض على كل من مارس النهب بعد موت ابن أخيه، وهو نهب يأسف لوقوعه، كما يلتزم بإرجاع كل ما أخذه سلفه أحمد بن سيد أحمد من أموال للسماسيد. لقد تم الاتفاق على هذه الشروط العادلة كلها من طرف الأغلبية من مناصريه الكثيرين أما أولاد غيلان فقد رفضوا الشروط وهم أقلية. تم تنصيب المختار ولد عيدَّة أميرا على آدرار فبادر إلى السعي إلى استتباب الأمن في المنطقة، إلا أن آدرار لن يعرف الهدوء المطلق؛ إذ من المستحيل السيطرة على القبائل ذات الشوكة التي ترفع شعار الاستقلال أو تلك التي تعارض إمارته. وعند مغادرتي لآدرار كانت الحرب مضطرمة بين كنتة وأولاد بالسباع. إن هاتين القبيلتين وهما من أصل زاوي ما فتئتا في صراع وكل منهما تسعي إلى التحالف مع أولاد غيلان وإيديشلي وأولاد آكشار وأولاد عمني ومشظوف (أي قبائل آدرار ذات الشوكة فعلا) وكانتا كلتاهما تقدمان أموالا لشيوخ القبائل المذكورة إلا أن هؤلاء الشيوخ لم يميلوا أبدا إلى أحد الطرفين عن الآخر. غير أن كنتة استطاعوا أن يستميلوا أولاد اللب وهم الأعداء الألداء لأولاد بالسباع. ومما يخشى بخصوص المختار ولد عيدَّة أن يدخل بكار ولد اسويد أحمد في الحرب الأهلية الدائرة بآدرار. إن بكار يحتضن اللاجئ أحمد ولد سيدي ولد عثمان الذي يزعم أنه معارض للمختار وله عليه تأثير بالغ كما أن على بكار الحفاظ على المصالح الجسيمة: الغفر والحرمة. وهي حقوق تؤخذ من زوايا البلد وقد ظلت من امتيازاته وقد تشكل سببا قويا يدفعه إلى الدخول في الصراع. ولحسن حظ المختار ولد عيدَّة فإن ابنه أحمد، ولي عهده، شاب عادل وحازم ومحبب عند أهل الشوكة، كما أن نفوذه يتزايد باطراد. ويمكن أن نعتبر أحمد الآن الأمير الفعلي. ونأمل أن يظل محببا خوفا أو انقيادا، وسوف يتولى السلطة التي قد منحت له سلفا وفي ظروف عديدة إلا أنه رفضها لوجود أبيه الذي يتقاسمها معه فعلا بل ويتولى أعظمها.
قبائل آدرار
إن القبائل التي تعيش بآدرار بدوية كانت أم حضرية هي: أولاد عمني (بيت الإمارة) لها 250 بندقية ويرأسها الأمير. أولاد آكشار ولديهم 150 بندقية ورئيسهم ولد معيوف. أولاد غيلان وباستطاعتهم تجنيد 800 محارب وتنقسم هذه القبيلة إلى عدة بطون هي: نغموشه ورئيسهم اخطيرة، أولاد سلمون ورئيسهم اعلي ولد محمد ولد الديك، الذهيرات ورئيسهم اعلي ولد المالحة. إلا أنه ليس لأحد من هؤلاء الرؤساء حق القيادة العامة إلا أنهم يتعايشون في وئام تام ويسيرون شؤونهم بصفة مشتركة. أما إيديشلي فلديهم 700 محارب وينقسمون أيضا إلى بطون هي: الربه ورئيسهم ولد الصفره، معيوف الشيخ ولد ماغه. أولاد هنون. ورئيسهم بوشامه، أولاد انتاده ورئيسهم ولد حيمون، ولا يساوونهم وهم في إيالة أولاد عمني. أما مشطوف فلديهم 500 بندقية وينقسمون إلى بطنين لمبعجه ورئيسهم المتش؟ ومتات ورئيسهم ولد اعلي. أما كنتة وكانوا أصلا منفصلين إلا أنهم الآن في إيالة المختار بن عيدَّة ولديهم 900 بندقية وينقسمون إلى ثلاثة بطون هي أهل سيدي حامد ورئيسهم محمد الأمين والمتعنبرين ورئيسهم ولد سيداتي وأهل الشيخ ورئيسهم عبد الله. ولدى أولاد اللب 150 بندقية ورئيسهم عبد الله بن اعلي الذي ساعدني على الهرب. ومهما كانت هذه القبيلة قليلة العدد فإنها من أحَدِّ القبائل شوكة وأحيانا تتصل بالأمير وتارة تنفصل عنه. أما العبيد ولبحيحات فهم قوة القصر، وللأولين 80 بندقية ورئيساهم سيدي ولد بلال وأحمد ولد طيفور. وتكون المجموعتان قوة واحدة تشمل قوة الدفاع الخاص بالأمير ولهما تأثير قوي عليه ومن صفوفهما يختار مستشاريه الخاصين. هذه هي قبائل آدرار. أما تيرس فهي عبارة عن سهول واسعة تنمو بها المراعي الخصبة وهي منتجع للجميع ويسكنها أساسا أولاد بالسباع ولا يبغون بها بدلا، وهذه القبيلة القوية لديها 1200 بندقية وهي من قبائل الشوكة والتجارة. وبطونها: أولاد احميده ورئيسهم سيدي امبارك وادميسات ورئيسهم الأغطف، وأولاد البقار ورئيسهم سيدي ولد عبد الله وأولاد عزوز ورئيسهم اعلي ولد محمد المختار. إلا أنهم كلهم يقبلون زعامة سيدي ولد عبد الله. وهذه القبيلة ضاربة في البداوة وتذهب في انتجاعها حتى الساقية. ولأولاد ادليم، وهم من قبائل الشوكة، 250 بندقية ومسكنهم بتيرس كذلك وهم بطنان: أولاد أعمر ورئيسهم أحمد باب ولكويدسات ورئيسهم أمين وللأخير علاقة بالأسبان الموجودين بوادي الذهب ويتقاضى منهم امتيازا بسيطاَ كل سنة مقابل التجارة المحدودة التي يتعاملون من خلالها مع قبيلته. أما وادي نون فمجال رحب يقع في الشمال الغربي من أفريقيا وتسكنه قبائل لم أجد خبرا يوثق به عن قوتها العسكرية، ومن مسمياتهم قبيلة تكنة، أهل تلك البلاد وبطونهم أربعة: آيت لحسن رئيسهم دحمان، وآيت موسى رئيسهم الناظم، وآزوافيط رئيسهم سيدي عالي، وآيت جمعة ورئيسهم مولاي أحمد. وقد عين السلطان المغربي دحمان ولد بيروك من آيت لحسن قائدا فهو الحاكم العام لواد نون. ومنذ ثلاث أو أربع سنوات، وإثر سوء تفاهم معه تم تعيين قائد آخر أصله من حاحا (جنوب المغرب) وقد جعله السلطان على الخط الفاصل بين واد نون وجنوب المغرب. وقد وجد دحمان نفوذه يتقلص لأخذ ولد ناجم وهو أحد ذويه جزءا من الأرض وقد عينَ مؤخرا قائدا فصار معارضا خطيرا. ويَشِيع أن دحمان أصبح يفكر في التفاوض مع قوة أوروبية يود أن يستند إليها إن أمكن ذلك. ومن المؤمل أن وفاة الوزير ولد با أحمد أخيرا قد أزاحت ندا عنيدا لدحمان وعليه قد يستعيد نفوذه السابق في القصر العلوي وبالتالي هيمنته على وادي نون. بقي أن أذكر قبيلتين منفصلتين عن وادي نون إلا أنهما تنتجعانه أحيانا أو ترودان أودية الساقية الحمراء أحيانا أخرى وتزرعان بها وهما العروسيون ويكوت، رئيس الأولي ولد دحماد ورئيس الثانية ولد يوسف. إن جميع هذه القبائل متزمتون وحروبهم مستمرة ولشدة تزمتهم لا يمكن أن نستفيد منهم فدعاية قوادهم الزوايا تذهب إلى أننا لم نأت إلا لاحتلالهم بل أكثر من ذلك جئنا للقضاء عليهم. فقط يمكن اعتبار كنتة وأولاد بالسباع وأولاد اللب قبائل ذات حكمة قد يمكننا إبرام علاقات معهم فالأولي والثانية قبيلتا تجارة وخيول والثالثة قريبة منا مكانيا فهي ترود بين منطقة الترارزه ومنطقة آدرار ترصدا للقوافل. وإذا ما استطعنا كسب هؤلاء فإن مسافرينا المتفردين قد يتمكنون من التنقل بحرية دون تخوف ودون الحاجة إلى خفير. لقد طلبتم مني -سيدي الوالي العام- معلومات حول الوضع الراهن للشيخ ماء العينيَــن وحول نواياه اتجاه الحكومة المغربية واتجاهنا نحن وأن استعلم لكم عن الزوايا الذين قد نحتاج إلى التركيز عليهم أو جذبهم إلى صفنا. يمكن أن أؤكد لكم أن الشيخ ماء العينين يحظى بتقدير كبير من لدن الحكومة المغربية فهو ممثلها وقد أنهى بناء السماره مقره حيث أبنية فخمة شيدت لاستقبال الجيوش التي أرسلها السلطان بطلب من الشيخ. لقد زار مراكش أخيرا بدعوة من السلطان ليحضر تعيين الوزير الجديد الذي عين محل الوزير المتوفى. لقد تحسنت نيته اتجاهنا على الأقل خلال محنة ابلانشيه إذ لم يظهر أي فعل ضدنا بل لزم الحياد التام. هل لأنه كان مسافرا نحو المغرب ولم تسمح له الظروف بالاهتمام بنا؟ قد يكون ذلك. إلا أن رسائله التي أرسل للشيخ سعد بوه بعد اتفاقهما قد أرسلت إلينا ومضمونها أنه لم يعد يكِنُّ لنا ما كان يضمر سابقا. وقد أعطاني الشيخ سعد بوه الرسالة التي وصلته من أخيه وستجدونها مع هذا التقرير. أما عن الزوايا الذين قد نعتمد عليهم فأتشرف بأن أذكر بداية الشيخ سعد بوه فصداقته وإخلاصه كشمس الظهيرة، ففضائل هذا الرجل تتجلي في الذكاء والحكمة وقد عاملنا بكل صراحة وأريحية وهي أمور لا تحتاج إلى بيان. ثم بعده مباشرة يأتي الشيخ محمد فاضل الذي كان عدونا أصلا إلا أن موقفه تغير وأحسبه صديقنا بالماضي أو قريبا من ذلك. فقبل قدوم بعثة ابلانشيه كتب إلى المختار بن عيدَّة يرجوه أن لا يتخذ منها موقفا عدائيا كموقف زوايا أطار وأن عليه عدم الأخذ بآرائهم في هذا الصدد. وعند مقدم الشيخ سعد بوه كتب إليه رسالة سلمت لي وستجدونها مع التقرير. إن ما سنستفيده من تقربنا من الشيخ محمد فاضل سيكون عظيما: إنه زاو ذو تأثير كبير بآدرار وهم جميعهم تلاميذه وهو يُعنَي بشؤون البلد السياسية ولا تضمد جراح الحروب إلا بوساطاته ومن المؤسف أنه لا يذهب إلى سان لويس، وعلينا أن ندعوه وعلى كل حال فمن المستحب أن نكَوِّنَ معه علاقة بواسطة الشيخ سعد بوه وهو أمر يسهل وصولنا هنالك بسرعة. والآن وقد ذكرت كل من أظهر صداقتنا وبالتالي يمكننا أن نعتمد عليه فمن واجبي -سيدي الوالي العام- أن أسمي معارضينا المستميتين في مكافحتنا يوم كنا بآدرار. لقد كان جهلهم وتطرفهم وسوء نيتهم سببا في الفواجع التي ذكرت لكم. هنالك جميع السماسيد سكان آدرار وإدوعلي سكان شنقيط وهم قبيلة من الزوايا والتجار وكثيرا ما حلوا بسان لويس ولا يمكنهم الاستغناء عنه حيث يعرضون بضائعهم ومنه يستجلبون تجارتهم. ورئيساهم ولد اعبيدي ومحمد ولد حبت وهم معروفون بتصلبهم الجشع وبفظاظتهم شأنهم في ذلك شأن أعيان السماسيد مثل سيدي أحمد بن عبد الرحمن وأخيه محمد السجاد وقد أقسموا أن يذهبوا هذه السنة إلى البلاط المغربي ويطلبوا من السلطان احتلال آدرار وإرسال جيوش تحت إمرة قائد يعينه. ومن المؤكد أن المختار ولد عيدَّة إذا لم يتمكن من إحكام السيطرة واحتواء هؤلاء الممانعين فإن تهديدهم هذا سيكون مصدر خوف. إن جميع محاولاتنا لإحكام السيطرة على هذه الأصقاع باءت بالفشل. ثم إنه وخلال مقامي بآدرار لم أسمع بدخولنا في الصحراء واحتلال عين صالح من طرف لامي نظرا لانعدام وسائل الاتصال بل نظرا لقلة المسافرين في هذا الاتجاه. وعند ذهابنا سمعت أن الجيش المغربي أرسل إلى ناحية فكيك لمراقبة الحدود حتى لا يتسرب الفرنسيون بداخلها. هذه -هي سيدي الوالي العام- المعلومات التي استطعت الحصول عليها ورغم أنني كنت سجينا ومجروحا فإنني آسف كثيرا على عدم القيام بما هو أكثر وأجدى. ولكن تأكدوا -سيدي الوالي العام- أني وفقا لتعليماتكم فلم آل أي جهد، على الرغم من ضآلة جهودي لكي أؤكد وأثبت في كل مكان أن رغبتنا هي العيش في سلام ومحبة مع قبائل البيظان. ولم يبق -سيدي الوالي العام- إلا أن أحدثكم عن الوضع التجاري والفلاحي لآدرار. لقد كانت التجارة هذه السنة ضعيفة نظرا إلى كون القوافل التي تذهب إلى ولاته وتيشيت بالرقيق وتستورد الذهب والفستق السوداني لم تذهب لسببين: لقد قطعت الطرق الرابطة بين هاتين المدينتين وآدرار نظرا لوجود عصابات من أولاد الناصر الذين هم في حالة حرب مع مشظوف الحوض. ثم إن اختطاف الساموري الذي كان يسهل النخاسة في هذه المناطق قد أجحف بهذه المضاربات إلى حد أن أهل آدرار لم يستطيعوا القيام بأي عمل في هذا المجال. لقد تذمروا كثيرا من هذه الحال وكلما سألتهم عن استعلامات تجارية يردون بأنه منذ أن قام رئيس النصارى بالقبض على المامي الساموري فإنه يمتنع عن بيع الرقيق في السودان. ثم إن بيع الملح الذي يحمل عادة إلى السودان بكميات مهمة كان ضعيفا هذه السنة، فكنتة -وهم المسيطرون على بيعه- مشغولون هذه السنة بالحرب التي يساندونها ويساهمون فيها مما هي الحال في السنة الماضية. ونفس الشيء ينطبق على سكان وادي نون الذي يجلبون القمح والذرة والشعير لآدرار وكذلك الفراش المغربي... الخ. فإنهم لم يعودوا آمنين نظرا لانقطاع الطرق جراء تعرض أولاد ادليم، فلم يأت من الشمال سوى عدد قليل من الناس يزعمون أنهم تلاميذ الشيخ ماء العينين وذلك ما يحميهم عادة من شر ذوي الشوكة. لم يبق إذن من الأبواب المفتوحة سوى باب سان لويس، إلا أن التجار لم يستطيعوا الاستفادة منه وخاصة قماش النيلة والأقمشة القطنية والسكر والأرز والرصاص والبنادق المشتراة من سان لويس، إذ لم يمكن بيعها بربح في آدرار نظرا لقلة المشترين. أما الفلاحة فلم تكن أكثر ازدهارا هي الأخرى ما عدا غلات التمور التي اقتطفت هذه السنة في شهر يوليو وبكثرة؛ أما غلات القمح والشعير والذرة التي يزرعها السكان فلم تكن كمياتها الضئيلة تسد الحاجة المحلية. لقد كانت الأمطار نادرة وقد عم الجفاف وبدأت أسراب الجراد تظهر وتقضي على النبات. إن هذه الأصقاع ذات الأراضي القاحلة والتي كثيرا ما تتعرض لهزات وتحطيم نظرا للحروب المستعرة بين القبائل، والتي يقودها أمير لا تعترف به جميعا، بل يرفضه البعض. كما أن التجارة بهذه الأصقاع مشلولة وبحاجة -على ذلك الأساس- إلى هدوء وأمن حتى تزدهر. فلا بد من جعلها تحت وصاية صارمة تعمل الخير وتمتاز بالسخاء مثل تلك التي يزدهر في ظلها سنغالنا الجميل.
وكلي احترام وخضوع سيدي الوالي العام خادمكم المطيع والمتذلل توقيع: محمد بن ابن المقداد |
