صبرا عائلة الإعلام..
الجمعة, 22 مايو 2015 08:33

 

المختار ولد داهي

(سفير سابق، خبير تحليل وتقييم السياسات العمومية)

altتطفو مسألة حرية الإعلام على واجهات الرأي العام بعد البيان الذي أصدره أحد أهم الأقطاب السياسية بالبلد (المعاهدة من أجل التناوب الديمقراطي) والذي طالب من خلاله الجهات المختصة بمزيد اليقظة والضبط اتجاه اختراق بعض وسائل الإعلام السمعي البصري من بعض المنابر العنصرية والشرائحية والمناطقية؛ وهو البيان الذي لم يخل من شيء ولو قليل من "الخشونة اللفظية".

لا مشكلة لدي مطلقا مع فهم "أسباب نزول" بيان العاهدة من أجل التناوب وأنا الذي نبهت مرات عديدة إلى ضرورة التفكير الجاد والاستباقي من أجل الوقاية من "صداع اجتماعي" أخشى  -إن لم نتداركه، ولسوف نتداركه-أن يكون قد اقترب. أضف إلى ذلك أن الخط الوسطي لقادة المعاهدة المنحاز للتناوب السلمي والتغيير المتدرج والتراكمي في زمن "شبه الفتنة العربية" هو في رأيي فضيلة تجُبُّ ما قبلها وتشفع لما بعدها.

كما أنه لا صعوبة لدي في تفهم "الصدمة" التي حصلت لبعض وسائل الإعلام والروابط الصحفية من النقد اللاذع والمطالبة بتعسير المحاسبة المسطر في بيان إحدى كتل المعارضة الديمقراطية باعتبار أن مثل ذلك متوقع ومنتظر عادة من السلطات والأحزاب الحاكمة وجهات الرقابة؛ أما أن يرد ذلك من أحزاب المعارضة فلم تكن تلك الجهة التي تتعوذ الصحافة بالله منها ولا الباب الذي تتوقع منه رياح محاسبة الإعلام الحر.

ولا أنسى أن "أرفع عمامتي" تحية لموقف الحكومة الذي لم يتجاوز تسجيل الأسف لتكرار الأخطاء المهنية؛ خصوصا منها المتعلق بالركائز الراسيات للأمة الموريتانية كالإسلام والوحدة الوطنية والترابية، مؤكدا أن مثل تلك التجاوزات لن تستفز الحكومة، ومذكرا الإعلاميين بواجب استحضار و"تشغيل" الوازع الإسلامي والوطني والمهني..

لدي حول الموضوع ثلاث ملاحظات واقتراحان يستحق كل منها مقالا مسببا ومفصلا، لكن إكراهات ما أسميه "الرأي السريع" (high way opinion) - والذي يتناسب مع الوقت المخصص من الكتاب للكتابة المساوي للوقت المخصص من القراء للقراءة- تفرض المرور على تلك الملاحظات والاقتراحات "مرور كرام تمبدغة".

وبخصوص الملاحظات فيمكن إجمالها فيما يلي:

أولا: حرية الإعلام هي جوهرة عقد الديمقراطية الموريتانية؛فمن المعلوم بداهة وتجربة أن ركائز الديمقراطية ثلاث: الاقتراع الحر والمباشر، وانتظام عمل المؤسسات الديمقراطية كالبرلمان والأحزاب والنقابات وهيئات المجتمع المدني، ثم حرية الإعلام. ويكفي أن نستحضر أن بلادنا لا تتصدر قائمة أي من التصنيفات الإقليمية في مجال الديمقراطية وتكريس الحريات غير قوائم تصنيف حرية الإعلام حتى نعلم أن حرية الإعلام هي بحق جوهرة العقد الديمقراطي ويتعين الحفاظ عليها وترقيتها ومكافأتها..

ثانيا: ملاحظة أن الطلب الإعلامي أكبر بكثير من العرض السياسي والثقافي: الإعلام كالجسم لا بد له من غذاء، وغذاء الإعلام الإنتاج السياسي والثقافي؛ وحيث إن الأخيرين يشهدان ركودا إن لم أقل "إغماء طويلا" بفعل استقالة "الكثير من القادرين على التفكير والتحبير والتعبير" والاستعاضة عنهم بعصابات من "صنعة الإرجاف والإلحاف والإسفاف" فإن الطلب الإعلامي أكبر بكثير من العرض السياسي والثقافي؛ مما ألجأ وسائل الإعلام إلى أكل الغث من الإنتاج السياسي والثقافي الذي لا يستبعد أن يتخلله شيء من الإنتاج العنصري والشرائحي والمناطقي.

ثالثا: عملة الإعلام المغشوشة طردت عملة الإعلام الجيدة؛ ذلك أن "سيبة" منح تراخيص الصحف والمواقع الألكترونية أغرقت الحقل الإعلامي بالعديد من العاطلين عن العمل؛ منهم من يحمل شهادات علمية، ومنهم من لا يحمل غير بطاقات الهوية! ينقسمون إلى جماعتين: جماعة كثيرة العدد من "غير المهنيين الموهوبين" الذين يمتلكون مواهب صحفية أو قدرات قيادية أو ملكات فنية أو شبكة علاقات أخطبوطية قوية تمكنهم من الولوج إلى مراكز الرأي والقرار وانتزاع الأخبار الدقيقة، وقد شكل انتماؤهم للحقل الإعلامي إضافة مهمة للقطاع تستحق التحية والتقدير.

وجماعة أخرى بلا خبرات ولا مواهب ولا علاقات، اغتصبت شرف المهنة فحولتها إلى مهنة للتسول والتزلف والإفك السياسي والاجتماعي.. مما حدا بالعديد من مهنيي القطاع وشرفائه إلى وضع مشاريعهم الصحفية في الثلاجة في انتظار ظروف أفضل، ولا زال مشكورا ومذكورا ومأجورا كثير من أولئك الشرفاء المهنيين والهواة الموهوبين يواصلون العطاء و"الاحتراق" شأنهم في ذلك كشأن الشعلة والقابض على الجمر.

وتأسيسا على الملاحظات السابقة أقترح اقتراحين لتصحيح مسار الحقل الإعلامي الحر وتنقيته من الشوائب التي علقت به حتى يبقى ناصعا رافعا ذكر البلد بالثناء في المحافل الإقليمية والدولية:

أّ. الحرص على "حرية صلبة للإعلام" و"مسؤولية ناعمة للإعلاميين". 

يجدر التنبيه بخط عريض وغليظ وبصوت عال وجهوري إلى أن الإعلام الحر أحوج إلى "جزرة" المزيد من التشجيع تقنينا وتمويلا وتكوينا منه إلى "عصا" الصرامة والتطبيق الحرفي لجانب العقوبات من دفتر الالتزامات الذي وقعت عليه المؤسسات الإعلامية في غياب توفير جانب التحفيزات والتشجيعات.

لذلكم فإني أدعو إلى الحرص على توفير "حرية صلبة" للإعلام الحر: حرية توفر التكوين وتسهل التمويل وتوفر مصادر الأخبار. وفي المقابل أطالب بـ"مسؤولية ناعمة" للإعلاميين: مسؤولية تتجاوز الصغائر والأخطاء وتحاسب حسابا يسيرا على الكبائر، وذلك طيلة الفترة الكافية لاستعادة الجسم السياسي والثقافي والإعلامي لعافيته؛ ذلكم أن الإعلام كالإنسان، كلاهما ابن بيئته.

ب- مراجعة نظام صندوق دعم الصحافة.

ويحسن هنا توسيع قاعدته من خلال إضافة مكونة خاصة بإعادة دمج الصحفيين ليصبح "صندوق دعم الصحافة وإعادة دمج الصحفيين" وذلك ضمانا للتكفل بإعادة دمج العديد من أدعياء المهنة الذين انتسبوا لها اضطرارا لا اختيارا، وما دفعهم إلى ذلك إلا انسداد الأفق. ويتم ذلك من خلال توفير تمويلات لتوجيههم إلى مزاولة مهن حرة أخرى تناسب مؤهلاتهم ومهاراتهم وتضمن لهم الاندماج في الحياة النشطة للمجتمع.

تلكم "متفرقات" حول الجدل المثار حاليا حول ما يسميه البعض "فائض حرية الإعلام" ولا أملك في ختامها إلا أن أقول: "صبرا عائلة الإعلام" على "عداوة الظروف" وشيء من ظلم أهل السياسة وكثير من صرامة واستعجال القراء، لكن موعد الشرفاء منكم المهنيين والهواة الموهوبين العاضين بالنواجذ على الحرية والكبرياء هو التوفيق والتكريم والمكانة في المستقبل وفي ذاكرة التاريخ.

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

الآن في المكتبات

فيديو

المتواجدون الآن

حاليا يتواجد 1 زائر  على الموقع