د. حاتم محمد المامي
منذ تصويت مجلس الشيوخ المناوئ للتعديلات الدستورية ظهر جدال أريد منه أن يكون بين القانونيين، والواقع أن رواده هم هواة بامتياز.. بعيدون كل البعد عن الفكر القانوني المتمرس.. أكثر هؤلاء لا يعرفون من القانون الدستوري إلا ما يعرفه طبيب الأسنان عن عملية القلب المفتوح.
نعم القانون كالطب تماما.. عندما تأتي حالة ما إلى المستشفى - خصوصا إلى قسم الاستعجالات- يمكن للكل من طبيب عام ومختص وممرض ومسعف وغيرهم، أن يتدخلوا لمعرفة ما يجب القيام به.. غير أنه إذا ثبت أن الأمر يتعلق بخلل في الأعصاب فعلى الأطباء غير المختصين أن يتنحوا جانبا وإلا كانوا عرضة لسخرية زملائهم وطلابهم وأصحاب الحالة المعروضة.. ألن يكون الأمر مضحكا ويتحول إلى دراماتيكي إذا أصر أخصائي التوليد في مقابل جراح الأعصاب على أنه لا يمكن إجراء عملية للدماغ قبل تخدير جزئي كما تقتضي عملية الولادة..
لن أستطرد مزيدا.. لكن أقول بكل أسف إنّ الذين يمكنهم فنيا خوض غمار الحديث عن آليات الدستور مجموعة لا تتجاوز عشرة قانونيين: {ثلة من الأولين وقليل من الآخرين}.. مع حق الجميع في إبداء ما يرونه حسب فهمهم وفراستهم في هذا المجال..
قد يرى البعض أن هذا القول تعسفي وإقصائي، لكن زملائي القانونيين يعرفون في قرارات أنفسهم أنه الحق، ولا ينقص من حصافة قانونيينا الإجلاء.. لم أكن لأبينه لولا أنني أريد لهذا الجدل المفتعل والعقيم الذي يذكيه هواة متطفلون على الموضوع مدفوعين بخبرات مزورة، وخبراء مزيفين مجندين سياسيا للعراك في حلبة القانون لمكاسب إعلامية لا علمية..
من هذا المنطلق على الذين يقولون إن التعديلات الدستورية الحالية والسابقة واللاحقة لا يمكن أن تصح من خلال المادة 38 من الدستور بحجة أن مراجعة الدستور خصص لها باب ولا يجوز الخروج على أحكامه بأي شكل من الأشكال دون المرور بتزكية البرلمان.. على هؤلاء - إن كانوا دستوريين- أن يراجعوا مواقفهم قانونيا وأن لا تدفعهم المواقف السياسية لتحميل الدستور ما لا يحتمل نصا ولا روحا..
أقول لأولئك القانونين - إن كانوا كذلك- وخصوصا للذين منهم في كنف وفلك الدولة، أن يراجعوا مواقفهم.. وإنّ ما يرّوجون له ويتداولونه تأويل سطحي ينقصه التبحر في فنيات القانون؛ وهي قراءة جامدة، ميتة ومميتة، لنص مقتضب يمتاز بمرونة لا نظير لها في القانون المقارن..
وأدعو السادة السياسيين إلى أن يخرجوا من طور المراهقة السياسية، وأن يتوقفوا عن التشكيك في مشروعية وشرعية التعديلات الدستورية بموجب الاستفتاء، وأن يعدلوا عن الإبحار في هذا الاتجاه، لأنه لن يخدم في النهاية آراءهم، وخصوصا استراتيجياتهم وجهودهم في المشاركة في السلطة.. وما عليهم إلا قراءة هذا المقال حتى نهايته ليقتنعوا بنصيحتي هذه.
من هنا أدعو هؤلاء وأولئك إلى أن يكفّوا عن مغالطة الرأي العام، وأن يستعدوا لكسبه بأمور أخرى غير التعويل على أخطاء السلطة والنظام. وإن ما يصوغون لا يعدو حججا واهية لا يقبلها المنطق السليم، ولاهي من نص الدستور ولا في روحه، وعواقبها السياسية كارثيّة عليهم دون غيرهم.
أولا: من حيث المنطق:
1. لا يصح القول لأكثر من ربع قرن أن نظامنا الدستوري رئاسي أو شبه رئاسي ثم فجأة نكتشف بمجرد تصويت مناوئ من مجلس الشيوخ أن نظامنا الدستوري برلماني بامتياز، وأن ما لم يقره البرلمان يسقط نهائيا ولن يمكن إعادة طرحه من جديد، جهلا أو تجاهلا لمسطرة سن التشريعات ذاتها؛ المبنية على التداول بين الغرفتين، حيث ضعف مجلس الشيوخ أمام الجمعية الوطنية في اعتماد أو استبعاد النصوص القانونية.
2. كما أن عدم إمكانية تعديل الدستور دون موافقة البرلمان يعني عمليا أن السلطة والسيادة في يد البرلمان لا في يد الشعب؛ خلافا لصريح المادة 2 من الدستور. فمثلا إذا أراد الشعب أن يقلص مدة الإنابة التشريعية أو عدد نوابه فعليه انتظار موافقة البرلمان، وذلك أمر يجعل البرلمان هو مصدر السلطة، بحكم الواقع، وليس الشعب الذي هو مصدر كل سلطة. وأن السيادة التي هي ملك للشعب يمارسها مباشرة عن طريق الاستفتاء أو من خلال ممثليه لا تمارس إلا من خلال البرلمان، وهذا محض هراء لمخالفته لمنطوق فقرات المادة المذكورة.
3. لن أستطرد في المنطق لأنه يدخل في إطار فلسفة القانون التي لا يخول الوصول لمستواها إلا شهادة الدكتوراه، وهي المعبر عنها في النظام الأنجلوساكسونى بدرجة فيلسوف في المجال (PhD) وإذا ما اعتبرناها معيارا سينقص كثيرا عدد العشر ة المشهود لهم بإمكانية النقاش على هذا المستوى.
ثانيا: من الناحية الفينة:
1. إن التشبث بمواد الباب الحادي عشر من الدستور واستبعاد المواد الأخرى فيما يتعلق بمراجعة القواعد الدستورية هو خطأ فني فادح في القانون الدستوري المعمق، لأنه إذا أمكن الجدل في التفريق بين الديباجة والمتن من حيث القوة القانونية فلا يمكن أبدا فقهيا تفضيل مادة على مادة أخرى في متن الدستور، إلا إذا استجلبنا فنية الناسخ والمنسوخ في الشريعة الإسلامية، حيث الفقه الحقيقي، وهي آليات لا يعترف بها القانون الوضعي. وعند استخدامها لا يبقى مما تبقى من العشرة المذكورين إلا من رحم ربي.
2. من هنا يقتضي تساوي الحجية بين المواد الصريحة في متن الدستور عدم التحجر على بعضها والعمه عن البعض الآخر. لو كان الدستور قدّم أي استثناء، ولو ضمنا، على القضايا ذات الأهمية الوطنية في المادة 38 أو في غيرها، كما فعل في الفقرة الرابعة من المادة 99 لسكتنا ولوجدنا لهم عذرا مقبولا فيما ذهبوا إليه.
3. إن المقصود في الفقرة 3 من المادة 99، بضرورة تصويت ثلثي كل من غرفتي البرلمان على مشروع مراجعة الدستور حتى يعرض على الاستفتاء يعنى فقط المشاريع المقدمة من طرف البرلمانيين.. وهذا منطوق الفقرة الثانية من نفس المادة التي تتحدث عن مبادرة البرلمانيين في المراجعة. ومعلوم في اللغة أن الضمير يعود إلى أقرب مذكور، وهو المشاريع المقدمة من طرف البرلمان التي يجب أن يوقع عليها ثلث النواب أو الشيوخ لعرضها للنقاش ولا تقدم للاستفتاء إلا إذا زكاها ثلثا كل من الغرفتين.
4. ولما لم يكن يوجد لدينا فقه أو فقه قضاء في هذا المجال، كان حتما علينا أن ننظر في القانون المقارن. مثلا في فرنسا نجد أن نفس الباب المتعلق بمراجعة الدستور موجود في دستورها، وذلك لم يمنع الفرنسيين من تعديل دستورهم بالاستفتاء سنة 1962، دون المرور بتزكية البرلمان، وقلبوا بذلك نظامهم رأسا على عقب؛ حيث أصبح رئيس الجمهورية ينتخب عن طريق الاقتراع المباشر بعد أن كان ينتخبه البرلمان في دستور سنة 1958.
ثالثا : من الناحية السياسة:
1. إن على من ينكرون إمكانية اللجوء إلى تعديل الدستور من خلال المادة 38 أن يدركوا خطورة الأثر السياسي لما يقولون ويستميتون في الدفاع عنه.. إنهم يقولون بصراحة وعن غير قصد إن التعديلات الدستورية المتفق عليها سنة 2006، التي أدخلت على دستور 2006، غير شرعية وغير دستورية لأنها - وبكل بساطة- لا تحترم أحكام مراجعة الدستور.. ولأنها لم تعرض على تشكيلة البرلمان التي حلّت عنوة ولا على تلك المنتخبة بشكل شفاف وديمقراطي بزعمهم.
2. هل يدرك السياسيون المتعصبون لهذا الرأي، الذين يحاولون هذا العام تحريم ما حللوه عاما آخر، نتائجه وآثاره لصالح النظام وأغلبيته. إن نتيجة مجادلتهم في رفض اللجوء إلى المادة 38 لتعديل الدستور تعني باختصار أن التعديلات الدستورية لسنة 2006 غير شرعية ويجب أن لا تلحق بدستور 1991. وهذا يعني عمليا - وبصريح العبارة- أن عدد مأموريات رئيس الجمهورية ليس مقيدا، وأن تحصينها بالاستفتاء لا قيمة له، لأن البرلمان لم يوافق عليها.
3. هذا الطرح وهذا المنطق يعطي رئيسَ الجمهورية الحالي الحق في الترشح لمأمورية ثالثة ورابعة وخامسة.. كما ينص على ذلك دستور 1991 قبل تعديلات 2006 التي أجريت باستفتاء بعيدا عن البرلمان.
إذن لا شيء يبرر منطقيا ولا فنيا ولا سياسيا هذا الجدل المفتعل.. فكفى هراء وافتراء على الدستور. وحاولوا التشويش على نتائج الحوار الأخير بغير هذا. فجدالكم قانونيا عمل هواة. وسياسيا هو لعب بالنار !!!