القبلية.. الوتر المارق على الديمقراطية
الأربعاء, 28 مايو 2014 08:46

 

بقلم: الولي ولد سيدي هيبه

altلا شك أن الجوقة القبلية التي تعزف جزافا هذه الأيام على أوتار الديمقراطية باتت لا تنطلي على أحد لفرط سخافتها وبعدها عن منطق الدولة الحديثة وقد أصبح من المعلوم أنها لا تستقيم مطلقا إلا على قاعدة المواطنة التي لا تخشى الزلازل ولا تهزها العواصف مهما تغيرت التضاريس السياسية

 ومهما اضطرب مناخها. حقيقة خبرتها شعوب كل الدول باختلاف أعراق أهلها وألوانهم ومعتقداتهم وتشهد منذ أمد بعيد استقرارا لا تعكره دلاء السياسيين وعدالة اجتماعية لا يوجهها الأفراد بل أطر دولتها القانونية الثابتة والنمو المطرد الذي تسهر عليه آليات تصحح نفسها بمقاييس تتعاطى باستمرار مع المتطلبات في تجددها والأزمات في منحنياتها.

أن تبرز وتتحرك مبادرات، في ظرف سياسي معين تهدف إلى تقييم أو تثمين أو مساندة سياسة ما، أو رائد ما، هذا أمر طبيعي بالغ المعنى وجليله في هذا السياق الطبيعي حتى لا تمر هذه السياسة ذات الأوجه المميزة التي عادت على البلاد بفوائد جمة وذاك الرائد الذي بذل الجهد وتفرغ للمهمة، كي:

* لا يمر ذلك كله مرور سحابة الصيف، ثم حتى تتكشف ضرورة استكمالها سياسة ناجعة تحمل في لبها بذور الاستمرار،

* ولا تغيب مناصرته رائدا أو زعيما أثبت جدارته وبصم على واقع بلده بما يوطده ويحميه من غوائل الزمن.

مبادرات ترى النور من عمق الرؤى التي يتقاسمها الكثير من الأطر والمواطنين المتجردين ممن لا يحملون لذلك من العناوين إلا ما يفصح عن التزامهم بقضايا الوطن وتعلقهم بمصالحه ودوافع إشاعة العدالة الاجتماعية بين أفراده وبنائه بلدا قويا مهيبا لا يظلم ولا يغبن في كنفه أحد.

هي بذلك تكون المبادرات المستحبة والأطر الجامعة تذوب فيها سلبية الأطياف وتدفع خارجها ظلامية الاعتبارات التي أضرت باللحمة والتناغم والانسجام بين كل مكونات الوطن وشرائحه لحد الساعة أكثر مما أفادت، وأخرت بما هو كاف من مظاهر التخلف والفقر أضعاف ما قدمت على شكل ارستقراطية بائسة الشكل عديمة الالتحام بما هو كائن من مثيلاتها عبر العالم المتحضر.

وأما الذي نراه في كل مناسبة من المبادرات التي لا تهتم بشأن الوطن ولا تحمل همه ولا تحمي أمنه من التدافع المحموم إلى الوراء في هيستيرية متجددة لا يبررها مطلقا إلا الضعف الصارخ عن متطلبات التغيير ومسايرة مد الفكر الحديث والعجز المفضوح عن بناء الثقة في النفس فجديدة لا تتكئ على قواعد الإقطاعية المهترئة الصدئة المتخذة في الخلفيات الجامدة قرارا مكينا وسدا منيعا في وجه التحول الإيجابي المنشود ولا تأخذ للارتقاء الذي يتيحه تنور العصر أسباب العمل المجدي والنجاح عند خواتمه.

وهي أولا المبادرات في هذا الثوب البراق التي تكون في ظاهرها الحق الذي يراد به الباطل. الحق متجسدا في قوة "المدعوم" بفضائل ذاتية والباطل بـ"مفضوحية" المآرب المادية من:

* جاه تحمله الوظيفة المشتهاة.

* ومداخل مالية ناتجة عن موقع التسيير المصاحب.

لكنها المبادرات التي وإن حملت أيضا كل اسم بارع في التمويه والتخفي فإنها تبقى بكل صفاء المشهد الذي حاولت أن تخدع عارية عن تمسك "تجار النسب" ببارود القبيلة للطلقات الموسمية في غفلة جمهور أفرادها الذين يطحنهم الفقر ويبقيهم أحياء منتشين من احتساء قذى قدح كأس الأمجاد الطوباوية.

وثانيا المبادرات الرجعية المستشرية في العقول، والتي تترجمها على أرض الواقع أفعال الالتحام حول النافذين والأغنياء فيها، سوى المنهج الذي يحارب الديمقراطية ودولة القانون للجميع.
ولما أن كانت المبادرات بهذا الحجم من الحضور في الأذهان والقوة في التحرك، فإنها في واقع الأمر:

* لا تحرز أي نصر ولا توجه مطلقا القائمين عليها إلى ما يرعى الصالح العام بدءا بذويهم من العشير الذين جمعوهم وكأنما دفعوا مركبتهم من عمق الوحل فلم تتوقف لتصحبهم إلى نقاء الأرض وانسيابية مسالكها.

* ولا تضمن صالح الوطن في استقراره وأمنه وبنائه على أسس العدل الشامل والمواطنة المشتركة وخلق فرص فتح آفاق المستقبل الواعد.

وهو بكل ذلك الأمر الذي يظل في العمق بعيدا عن "الكرنفالات" وقوة الأبواق ما لا يدرك حقيقته سوى المغبونين داخل السرب، فلا يستجيبون في الواقع العملي إلا لقناعاتهم وقد بدأت تتحدد مع الاستقلالية التي أتاحتها الدولة في مفهومها البراغماتي وفلسفتها المتحررة من قيود البناء الكلاسيكي للمجتمعات البدائية المستعصية على التحول.

ولأن المجتمع الموريتاني متنوع الأعراق ومصاب في جسمه كله بداء التراتبية التي ترفع وتزدري، فإن اللجوء إلى القبلية بكل سلبيات التعاطي بها سياسيا لتجاوز كل عقبات الجدارة العلمية والعملية والطموح المثابر الذي ينبني على الكفاءة وحب تحقيق الذات المستقلة المعطاء في صيرورة الوطن المزدهي، ولدت وإن بمسميات وتقاسيم أخرى وبأساليب وأفكار تبين عن بعض الاختلاف في منهج التعاطي بممارسات مغالطة تنهج ذات السبيل وتتبنى نفس الطموحات المجافية لمدارك الوطنية ومبتغياتها. وهي بمحاكاتها إنما تنافس على الحضور وتغالط عمقها البنيوي المستجيب رغم جوره في دائرة أصحابه في كل مكونة وشريحة. 

وما ضعف الأطر الحزبية منذ نشأة الدولة المركزية على يد المستعمر الفرنسي في ستينات القرن المنصرم إلى يومنا هذا إلا لأنها في جوهرها صناعة قبلية وعرقية وحديثا طبقية وإن خفي الأصل ظلا وراء الجسم الظاهر ضعفا أمام التحديات والرهانات الكبرى.

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

الآن في المكتبات

فيديو

المتواجدون الآن

حاليا يتواجد 1 زائر  على الموقع