| من "القمع" إلى "الخلع".. قراءة أخرى في مذكرات الرئيس ولد هيداله |
| الأحد, 13 يناير 2013 08:55 |
|
بقلم: حبيب الله ولد أحمد
(من رسالة وجهها سيدي محمد ولد هيداله لأبيه محمد خونا ولدهيداله منتصف دجمبر 2012). قرأت الجزء الأول من كتاب "من القصر إلى الأسر" الذي صدر عن "وكالة الأخبار المستقلة" (الكتاب يقع في 212 صفحة من الحجم الصغير تضم مقدمة وستة أبواب) وتناول تجربة الرئيس الموريتاني الأسبق محمد خونا ولد هيداله في الحكم.. قرأت الكتاب مرتين، فأسلوبه يساعد على المضي قدما في قراءته، ولا غرو فقد كتبه الصحفي المتمرس المختار ولد نافع، الذي تولى "الصياغة النهائية" للكتاب (الذي يتضح من سياقه العام أن له "رواة متعددين") فنقل عن هيداله نقلا جعلني أحيانا أسير بحذر شديد في المنطقة الفاصلة بين ما قاله ولد هيداله، وما "أريد" له أن يقوله، فلقد تجاذبتني فرضيتان وأنا أتابع الكتاب، أولاهما أن ولد هيداله ترك لـ"الرواة" حرية التصرف حتى في الأفكار والأسماء والأشياء والأحداث، فطفق هؤلاء "الرواة" يكتبون من "عندياتهم" نحتا لتاريخ بحثوا فيه، وبه، وله، ومنه، عن صيغة توافق هوى في أنفسهم، وثانية الفرضيات أن الرئيس ولد هيداله "روى" (للمختار ولد نافع) فعلا أحداثا نسي بعضها، أو "تناسى" بعضا منها. وفى كلتا الفرضيتين فإن الكتاب لم يسلم من الدخول تحت طائلة "ويل للشعر من رواته"، والنثر أكثر "ويلات" من الشعر كما هو معروف، وكان طبيعيا أن يعبر "الرواة" عن أنفسهم (تعتقد أحيانا وأنت تطالع صفحات الكتاب متمعنا في السطور وما بينها وما خلفها أن هناك رسالة كبرى يحملها الكتاب وهي تلميع تاريخ تياري ومدرسة فكرية بعينها) في كل فاصلة من الكتاب، ليس لأنهم يريدون ذلك، ولكن لأن الانتماء "الإيديولوجي" فرضه عليهم بطريقة "كنسية" وهو نفسه الانتماء الذي دفعهم –أصلا- للتفكير في الحديث عن ولد هيداله بالذات، في بلد يحتفظ -والحمد لله- بأربعة من رؤسائه السابقين على قيد الحياة، ومنهم من لعب دورا محوريا في التاريخ السياسي والعسكري المعاصر للبلاد، واحتفظ بملفات أكثر تعقيدا وأطول تاريخا وأشد حساسية من الملفات التي بحوزة الرئيس محمد خونا ولد هيداله، الذي ينبغي القول أولا وأخيرا، إنه جدير بالاحترام، باعتباره رئيسا موريتانيا سابقا، وضابطا من خيرة ضباط الجيش الوطني، حمل السلاح دفاعا عن الحوزة الترابية لبلاده، وهذه مكانة مستحقة، لا ينقص منها كونه اشتهر بديكتاتورية عنيفة، جعلته يضرب بيد من نار كل خصومه السياسيين، ولا حتى "الغمز" المتواصل- اليوم كما بالأمس- في علاقته بجبهة "البوليساريو" (رأت هذه الجبهة النور على الأراضي الموريتانية ولم تكن عند تأسيسها –حسب رأي بعض كتاب التاريخ السياسي لشبه المنطقة- تحلم في أدبياتها النضالية "الرومانسية" بأكثر من الانضمام لموريتانيا أولا، للبحث بعد ذلك عن شكل من أشكال "الحكم الذاتي" وهذا ما يفسر تحمس القوى اليسارية والقومية في موريتانيا لدعمها ومدها بالمال والرجال قبل أن تتحول إلى حركة "انفصالية" فيما بعد). ومن الواضح أن علاقة ولد هيداله "المفصلية" ببعض القوى السياسية المحلية التي ازدهرت (تياريا) ونمت "أظافرها" في حقبته (الإسلاميون مثلا) اقتضت إخراج هذا الكتاب، وإن كانت علاقة مسكوتا عنها -حتى الآن على الأقل- في الجزء الأول، مع أنها ظهرت قوية بين السطور، وعند الحديث عن بعض الخصوم التقليديين للتيار الإسلامي (آنذاك) مثل القوميين الناصريين والبعثيين، وبعض من حركات اليسار، حتى أنه بمقدورك الخروج بخلاصة واضحة وغير معقدة من الكتاب، وهي أنه "إذا أردت معرفة أعداء ولد هيداله ففتش عن أعداء التيار الإسلامي والعكس" والعلاقة بين الرجل والتيار معروفة منها ما هو علني، ومنها ما هو سري، لم يحن الوقت (فيما يخص مؤرخي هذه البلاد المعاصرين وكتاب و"رواة المذكرات") لكشف ملابساته، وأثناء الانتخابات الرئاسية التي خاضها الرئيس ولد هيداله (2003) نزل الإسلاميون بكل ثقلهم الإعلامي والدعائي و"الدعوي" إلى جانبه، وفاء لعهد الأيام الذهبية لتلك العلاقة؛ إذ ليس سرا أن فترة ولد هيداله كانت فترة التيار الإسلامي الذهبية في موريتانيا ماديا ومعنويا، حيث ازدهرت الجمعيات والنوادي و"السفريات" والعلاقات الداخلية و"الخارجية" للتيار، وقفزت إلى الواجهة أهم وأبرز الأسماء القيادية فيه، حتى قيل يومها إن قرار تطبيق الشريعة الإسلامية "تم بناء على تفاهمات بين هيداله وحلفائه الإسلاميين" الذين مكن لهم في الأرض، والقصر والأمن، وعاش معهم "أشهر عسل" افتقدوها بعده طويلا. من تلك العلاقة ينبغي وضع أحداث ومواضيع هذه المذكرات في سياقها، فـ"نقل" المذكرات عن هيداله (كان "صبع النقال" حاضرا بقوة) هو يقينا محاولة لكتابة تاريخ تلك المرحلة، ربما ليتم تغييب الفقرات الأبرز فيها، والتغطية على التحالفات المفصلية لولد هيداله مع أطراف سياسية محلية وأجنبية، و"تبييض" صفحة سوداء من تاريخ الرجل، تتعلق بقتل وتعذيب وتشريد العشرات من شباب التيار القومي الناصري، وهي صفحة لم يكتب فيها ولد هيداله أكثر مما كتبه حلفاؤه السياسيون آنذاك، ولذلك فإن إدانته بتلك الأحداث المريرة والمخجلة في التاريخ الموريتاني المعاصر، هي أيضا إدانة لكل الذين استخدمهم -تلك الأيام- "سوط عذاب" و"فزاعة" رعب، و"عسس ليل" ضد ضحايا قمعه المشهود، ولعل ذلك ما يفسر عدم حديث الرجل أو (الحديث نيابة عنه) عن تلك الحقبة، حيث هانت على "رواة" المذكرات كل تلك الدماء والمآسي، فاكتفوا بفقرة بائسة باهتة تشبه كثيرا "سكين الشاة" التي كشفت عنها لتذبح بها، عند حديثه عن علاقته بالناصريين، حيث قالوا- على لسان هيداله ربما- إن الناصريين كانوا ضحية لصراعات عاشتها التيارات السياسية المحلية آنذاك، وكانوا "ضحية" كذلك لـ"القذافيين" الذين "قفزوا على ظهورهم للتمكين محليا للزعيم الليبي الراحل معمر القذافي" وليست هذه الفقرات هي أقبح ما قيل في الاعتذار فقط، ولكنها أيضا تشويه للتاريخ، وتلذذ بدماء الضحايا الناصريين، فعلى افتراض أن "خصومهم السياسيين" هم من عذبهم وقتلهم ووشى بهم، فمن كان يقود البلاد، ويملك الكلمة الأولى والأخيرة، ولديه الشرطة والسياط، والزنزانات والمخافر، والمحاضر والجواسيس، أليس الرئيس هيداله نفسه..؟!! ألم يكن قادرا على إيقاف القمع الهمجي المنظم ضد الناصريين..؟!! هل كان "خصوم" الناصريين خارجين عن نطاق سيطرة الرئيس وهم الذين يتحركون عادة بأوامر منه..؟!! ألم يكونوا عينه الباصرة ويده الباطشة منذ وصوله للسلطة..؟!! ثم هل كان يكفى إظهار صور نسخ من الكتاب الأخضر ومبالغ مالية على التلفزيون يومها لإدانة ذلك الكم الهائل من خيرة شباب البلاد وأطرها وقتلهم بدم بارد والتنكيل بأسرهم..؟!! وعلى أية حال، وسواء اعترف هيداله بمسؤوليته -مع حلفائه- عن دماء وعذابات عشرات القوميين، أم حاول تغييب حقائق ذلك الملف "الأحمر" فإن الموريتانيين يعرفون بالأسماء والأحداث حتى الجلادين، وأرقام الزنزانات، ولوائح الشهداء والمعذبين، والجرحى والمفقودين، والمسرحين من الوظيفة العمومية، والجيش على خلفية الانتماء للتيار القومي العربي.. (يحتفظ بعض معاصري تلك الفترة من منتسبي التيار الناصري ببيانات ووثائق و"يوميات" مهمة كان التنظيم الناصري يصدرها بشكل شبه أسبوعي لتوثيق مجريات الانتفاضة والطرق المتبعة من قبل النظام آنذاك لقمعها وإجهاضها وربما تكفي لاستيضاح حقيقة تلك الأحداث الدامية وبيان المسؤولية المباشرة عنها). إن جمال أسلوب "الصياغة النهائية" لم يكن ليخفي المغيب في الكتاب، كما أنه لم يكن كافيا لتلميع رجل شهدت فترته ألوانا من القمع لم يسبق لها مثيل في التاريخ الموريتاني المعاصر، ونبتت فى عهده "علبة" جهاز تجسس داخلي محكم الحلقات يحصى "الأنفاس والأكباش" عرف فيما بعد تحت اسم "هياكل تهذيب الجماهير" وهي أمور لا يمكن لك أن تصدق أن رجلا أثنت عليه مقدمة الكتاب ثناء حسنا، وقالت إنه يبكي "من خشية الله" يمكن أن يكون مسؤولا عنها أو وقعت في عهده "الزاهر"..!! والواقع أن "الكتاب" كان في غنى عن التشكيك في وطنية ولد هيداله، وعلى لسانه، وفيما يفترض أنه مذكراته، فقد أفردت فقرات عديدة منه، غير بعيدة من "يكاد المريب يقول خذوني" للحديث عن شعور هيداله بالمرارة، عندما يحس بـ"الغمز" في وطنيته وهو شعور لا مبرر له، وكان ينبغي عدم ربط القراء به كثيرا، فالرجل "عروسي" من "الرقيبات" وهي قبيلة موريتانية معروفة تضرب بجذورها الطيبة هنا على الأرض الموريتانية، قبل ظهور "البوليساريو" ثم "الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية الشعبية" لاحقا، وأبناؤها مواطنون موريتانيون، خدموا البلد بإخلاص سياسيا واقتصاديا وأمنيا، وعلاقتهم بالشعب الصحراوي لا يجب إخراجها من سياقها، فالموريتانيون والصحراويون - كما المغاربة والجزائريون - شعب واحد فرقته الحدود الاستعمارية البغيضة و"ذرية بعضها من بعض" وكما قال الولي مصطفى السيد فإن الصحراويين والموريتانيين "بيضتان في عش واحد".. ثم إن "حرب الصحراء" لم تكن أول حرب رفع فيها الأخ سلاحه في وجه شقيقه (ولن تكون الأخيرة) فهو أمر معروف تاريخيا منذ قابيل وهابيل، مرورا بغزوات النبي صلى الله عليه وسلم، خاصة بدر التي اقتتل فيها الإخوة وأبناء العمومة، اختلافا في الرأي، وانتصارا لمعتقدات متنافرة..!! ومن المؤسف حقا أن "سطور الكتاب " حولت "الإحساس" إلى "عقدة" فبدلا من علاج "إحساس" هيداله المتعلق بازدواجية الولاء، بالغت في إثبات أن الرجل عمل فعلا على تكريس ولائه لـ"البوليساريو" وذلك من خلال مثالين ما كان لـ"الكتاب" أن يوردهما، إذا كان فعلا يريد تبرئة "الرئيس"، والابتعاد به عن هذه "العقدة" و"شبهاتها" المثال الأول هو فترة هيداله في "أطار" حيث هاجم الصحراويون المدينة التي كانت عصية عليهم دائما، وقال هيداله (أو الرواة) إنه كان خارج المدينة يومها، فكيف تجرأ الصحراويون على مهاجمة أطار؟!! وهل كان اختيار "التوقيت" مجرد صدفة..؟!! ولماذا فقط "ضربوا" عندما خرج "القائد العسكري" من المدينة..؟!! ومن أعطاهم معلومات (ساعدتهم) على اختيار تلك اللحظة بالذات..؟!! أم أن "الصدفة" وحدها أبعدت هيداله عن مواجهة "أبناء عمومته" لحماية مدينة "أخواله" التي كلف بالدفاع عنها قبل غيره..؟!! المثال الثاني حديث "الرواة" (على لسان هيداله طبعا) عن الهجوم الأول لـ"البوليساريو" على انواكشوط، حيث قال إنه أمر من طرف قيادته العليا بالتوجه مع وحدات من نخبة الجيش تحت إمرته إلى العاصمة للدفاع عنها، بعد معلومات مستقاة من بعض الأسرى الصحراويين، تحدثت عن هجوم وشيك لقوة صحراوية على نواكشوط... قال "الراوي" (على لسان هيداله) إنه فعلا تحرك بقواته نحو العاصمة، لكن "تعطل أحد المدافع" الكبيرة، جعله يستقر في نقطة على الطريق لمدة أيام لإصلاح المدفع المعطوب..!! إن هذه الحادثة غريبة فعلا، فهل يمكن لضابط وطني صدرت إليه أوامر عليا بالدفاع عن عاصمة بلاده، أن يتوقف عن الزحف لأن مدفعا تعطل "فجأة"..؟!! وما قيمة "مدفع" واحد مقابل عاصمة وطنية يفترض أن تتم حمايتها ولو بالعصي..؟!! ألا تقول بعض التقاليد العسكرية العريقة إن القائد أحيانا بمقدوره التضحية بأرواح بعض من جنوده إذا رأى أن ذلك أمر ضروري لحسم معركة ما لصالحه..؟!! ولإنقاذ أرواح مائة جندي محاصرين مثلا ألا يمكن التضحية بأرواح عشرة جنود لفك الحصار وتخليص الجنود من قبضة العدو..؟!! وهنا يمكن التساؤل بحسرة ومرارة (أكثر من تلك التي أحسها هيداله والبعض يغمز في ولائه لموريتانيا) ألم يكن من المناسب وطنيا وعسكريا وتكتيكيا التخلي عن المدفع المعطوب ومواصلة الزحف باتجاه العاصمة لمنع المهاجمين من استباحتها..؟!! ودفعا لحجة هيداله بأنه كان عليه البقاء مع المدفع المعطوب حتى لا يغنمه الصحراويون ألم يكن من المناسب تفجيره أو تفكيكه ومواصلة السير باتجاه العاصمة حتى لو لم يجد رجاله غير الحجارة لرد العدوان الآثم على العاصمة..؟!! كنا نتمنى نشر صورة المدفع المعطوب فلابد أنه "مذهب" وإلا لما كان بهذه القيمة التي تذهب فيها عاصمة بلد مستقل وله سيادة وتتعطل الأوامر العسكرية ثمنا لـ"شفائه" من "عطب" لم يقل لنا "الكتاب" بعد ذلك هل شفي منه أم لا..؟!! أما الحديث المتكرر في صفحات الكتاب، وعلى لسان هيداله عن شجاعة المقاتلين الصحراويين، ومحاولة التقليل من شأن أداء الجيش الموريتاني في مواجهتهم، والإشارة المتكررة لانعدام الروح المعنوية والقتالية لدى المجندين الموريتانيين لدرجة الحديث عن بكاء بعضهم، وتراجع البعض الآخر أثناء بعض المعارك الميدانية، بل والقول صراحة إنه لولا تدخل الطيران الفرنسي والمغربي لما حقق الجيش الموريتاني أية مكاسب ميدانية، فهي أمور مخجلة حقا، ومستغرب الحديث عنها من طرف ضابط من ضباط القوات المسلحة الموريتانية، قال عن نفسه إنه أبلى بلاء حسنا في المعارك التي خاضها في الصحراء الغربية دفاعا عن بلده وشعبه (لم يتسن التأكد من ذلك من مصادر محايدة) ثم لوم السلطات القائمة يومها على اعتقال بعض المندسين من عملاء "الجبهة" في ازويرات، والتباكي عليهم باعتبارهم "أهلنا " و"أقاربنا" وكأن البلاد ليست في حرب ضروس، ومن حق قيادتها تأمين ظهور الجيش، واستئصال شأفة "المندسين" والعملاء، والطوابير الخلفية، التي كانت تنقل وبأدق التفاصيل تحركات الوحدات الموريتانية، وخريطة انتشارها، ودرجة تسليحها، و"الإحداثيات" القبلية والعرقية لقادتها، وبشكل شبه يومي إلى القادة الميدانيين لـ"الجبهة" مستفيدة من أريحية "البيظان" وطمأنينتهم العفوية، واندفاعهم لاستقبال الضيوف، واحتضانهم؛ خاصة إذا كانوا من "بني جلدتهم" تلك الملاحظات و"التلميحات" ضربتني –كأي مواطن موريتاني- في الصميم؛ سواء صدرت من ولد هيداله، أومن "الرواة" فعلاوة على أنها فرية و"حديث إفك" من الناحية التاريخية، فهي أيضا تشكل إهانة لجيش موريتاني وطني عتيد، ولمؤسسة عسكرية موريتانية عريقة حارب أبناؤها بشجاعة واندفاع وطني وفى أصعب الظروف، وبإمكانيات متواضعة في مواجهة مقاتلين صحراويين (حاربت معهم وإلى جانبهم دائما وحدات من قوات النخبة الجزائرية ومتطوعون من مختلف أنحاء العالم) مهرة ومدربين ومسلحين جيدا، من طرف الجزائر، والاتحاد السوفيتي، وليبيا، وكوبا، وغيرها من دول العالم، ثم إن "القريب" يجب أن يتحول تلقائيا إلى عدو بمجرد مظاهرته لأعداء الوطن، الذي ينبغي أن تهون في سبيله كل التضحيات الممكنة. إن تلك الإشارات تتناقض -بشكل قاطع- مع المسؤولية التي يفترض أن يتحلى بها ولد هيداله، ليس باعتباره مواطنا موريتانيا، ورئيسا سابقا، ولكن أيضا باعتباره ضابطا من خيرة ضباط الجيش الوطني الموريتاني، الذي نفخر جميعا بأدائه في الماضي والحاضر، ونتطلع لرؤيته مستقبلا في أفضل الوضعيات المتاحة (في ساحاته وأدواره الحقيقية وبعيدا عن الانقلابات و"التسييس") لأنه مجننا وحصننا الحصين. وللأمانة فان الجيش الموريتاني حارب بروح وطنية ومعنوية عالية ومشهودة، أربكت العدو ونالت إعجاب الجميع، وسجل بالدم على رمال آوسرد، وتشله، وبير أم اكرين، وإنال، ولكويرة، واتميمشات، وعلى عموم أراضى ولاية (تيرس الغربية) أسماء شهداء خالدين من خيرة الضباط وضباط الصف والجنود، وهيداله نفسه -وفى نفس الكتاب- أشاد بشجاعة الشهيد ذائع الصيت اسويدات والضابط الطيار كادير وغيرهما من ضباط الجيش ورفاقه تحت السلاح، مع أن التاريخ القتالي للجيش الموريتاني، لا يحتاج تزكية من أي كان، فهو ناطق بالعظمة والعطاء. وبغض النظر عن القيمة التاريخية للكتاب (هو عبارة عن سلسلة مقالات أكثر من كونه مذكرات بالمعنى السردي الوثائقي) ومستوى الإضافة "النوعية" أو"التاريخية" الذي قدمه للمكتبة الوطنية، فإنه لم يوفق في الحديث بصدق وجرأة وموضوعية عن تلك الفترة المثيرة للجدل من تاريخ البلاد، ولم يقدم مبررات منطقية للأخطاء التي رافقتها، وهي كثيرة (القتل والتعذيب الممنهج ضد الناصريين، التسرع في تطبيق الشريعة الإسلامية دون تهيئة الناس لذلك حتى أن البعض رأى في القرار مجرد استهداف للأميين والفقراء والعامة من الذين يمنعهم الجهل والبؤس من تفهم القرار والتعاطي معه بإيجابية، التهور في قتل بعض ضباط 16 مارس، خاصة منهم الجرحى الذين كانوا على أسرة العلاج، التفريط في الأرض الموريتانية، والاستخفاف بأرواح من ماتوا دفاعا عنها، ضرب بعض الموريتانيين بعضهم الآخر تحت يافطة "صراع التيارات السياسية المحلية" توقيع اتفاقيات وتفاهمات مع أطراف أجنبية كانت في معظمها مجحفة بالطرف الموريتاني، واختفاء ملايين الأوقية والهبات العينية التي قدمت لبناء ما كان يفترض أن يكون "قصر الشعب" والذي لم يبق منه سوى أعمدة خرسانية صماء رغم حملة التبرعات الضخمة التي لم تكن سوى "ضرائب" أثقلت كاهل الشعب والدولة لتذهب سدى) مع أنها لا تلغي بعض الومضات "الهيدالية" الجريئة من قبيل: التعامل بحزم مع صندوق النقد الدولي، والصرامة الإدارية، وبناء هيبة الدولة، وخلق رهبة ضرورية منها لدى العامة آنذاك، خلق مجالات للتكافل الاجتماعي والعمل التطوعي، ومحاولة تثبيت القدم الموريتانية في المحافل الدولية، وإقامة مشاريع طموحة لعل من أبرزها إنشاء تلفزيون وطني بدعم كامل وشامل وسخي من عراق الرئيس الشهيد صدام حسين. ولا بد من القول إن الحقيقة الأبرز تاريخيا والتي تم تغييبها عن سطور "المذكرات" هي أن هيداله لم يسقط نتيجة صراعات داخل المؤسسة العسكرية، أو لاعتبارات وحسابات داخلية وخارجية، بقدر ما أنه سقط تحت وطأة "الانتفاضة الناصرية" الشهيرة (مارس ابريل مايو يونيو يوليو 1984) وهي الانتفاضة التي اهتزت فيها البلاد بفعل ثورة شعبية حقيقية، طالبت بإصلاح قطاعات العدالة، والتعليم، والتشغيل، والصحة، والأمن، والزراعة، وحماية الحريات العامة، وصيانة الهوية الحضارية للبلاد، وتوطيد اللحمة الوطنية، وحركت مدن البلاد كلها من أطار إلى روصو، مرورا بلعيون ومكطع لحجار وانواكشوط وغيرها.. كانت تلك "الانتفاضة" التي قادها بصلابة "التنظيم الوطني الموريتاني الناصري" (تومن) أول وأبرز وأهم مسمار يدق في نعش مرحلة حكم الرئيس ولد هيداله، فلقد كان لها ما بعدها في التاريخ النضالي المعاصر للموريتانيين وقواهم الحية، بفضل دماء ودموع وعرق وتضحيات خيرة أطر وشباب ونساء التيار، وقوة مراسهم التي لم تلن أمام آلة تعذيب وقتل كانت أيامها الأقوى والأسوأ في التاريخ الموريتاني كله..!! كان من الحسنات العديدة لتلك الانتفاضة الخالدة، أن أخرجت هيداله ونظامه الدموي، من "القمع" إلى "الخلع" وغسلت بذلك عار مرحلته الدموية (في بعض جوانبها) من التاريخ الموريتاني المعاصر. |
