تربة بنت عمار
لقد التزمت في وقت سابق بـأن أستريح عن قضية المرأة -مثلما يفعل المحارب- بعد شهر مارس الماضي، والذي قدمت فيه سلسلة غطت كامل أسابيعه؛ تلك السلسلة التي أعتقد أنها محاولة لإعادة الاعتبار في شأن المرأة انطلاقا من خلفيتنا الدينية والحضارية، عندما قدمنا نماذج حية ذات مغزى ودلالة من عهد النبوة الشريف، تلك النماذج التي تجاهلتها قرون التخلف والانحطاط، وحجبها الفكر الرجعي..!!
إن وقفتنا مع عهد النبوة للدلالة على مكانة المرأة السيدة المؤمنة الشهيدة، المهاجرة والمقاتلة والمجادلة والمبايعة، والمستشارة والزوجة والصحابية.. خير شاهد على تفنيد ما ذهب إليه البعض من تشويه ديننا، سواء أكان ذلك عن قصد أم عن حسن نية..
لقد استوضحنا من خلال شهر مارس الماضي أثناء وقفتنا مع عهد النبوة كيف كان الإصلاح والتجديد في أسمى عصور البشرية عدلا وإصلاحا، ومدى انعكاس ذلك على المرأة ضحية ظلم الجاهلية ووثنيتها..!!!
اليوم سأعود لميدان تحرير المرأة بعد فترة نقاهة، كان جهد قلمي فيها مع الوطن وقيمه، والوطنية ومفاهيمها. لا شك أن وطني فوق المرأة.. لكن قضية المرأة -في نظري- جزء من شيء كبير ومتسع يسمى الوطن، إن شروط النهضة والإصلاح التي تنعكس على الوطن والمجتمع تعتبر المرأة من أهمها، وقضيتها من أكثر قضايا الإصلاح تشعبا.. حيث واكبت فكر المجددين والمصلحين، أثناء المحاولات التي عرفها تاريخ النهضة العربية والإسلامية، مع كوكبة المصلحين الذين أرقهم واقع هذه الأمة التي شرفت بأنها خير الأمم..!!!
في جولة استقرائية مع المحاولات الإصلاحية التي عرفها مجتمعنا الإسلامي بعد تجاوزنا لخير القرون، حينما تنبه للوضع بعض رجال هذه الأمة؛ أعني بالوضع وضع المرأة التي كانت أول من استفاد من رسالة الإسلام العادلة، وأول من ضاعت حقوقه إبان التراجع الذي أصاب الأمة بعد العهد الراشدي، وانتقال السلطة من المدينة المنورة، وتحول الخلافة إلى ملك وراثي استبدادي في أغلب الأحوال، وانتشار ثقافة الجواري والمغنيات..!!!
رغم هذا الوضع القاتم إزاء المرأة فإن بعض سدنة الإصلاح، قد حاولوا فك الحصار عن الضحية بالسماح لها -ولو جزئيا- بالمشاركة في هم مجتمعها، ونبدأ مع أحد أهم علماء الأمة، وأحد المذاهب الفقهية: أبي حنيفة النعمان (ت150هـ) الذي أجاز للمرأة القضاء فيما تشهد فيه؛ وبهذا قيل عن فقه أبي حنيفة إنه كان "يسير مع الحياة ويراعي مشكلاتها المتنوعة".
وتعتبر هذه خطوة مهمة في درب التحرر، في تلك الفترة التي تتجه فيها المرأة إلى أحلك مراحل تاريخ إقصائها، لكن الوضع الاجتماعي والسياسي الذي تعيشه الأمة وقتئذ لا يسمح بتفعيل هذه المحاولة التحررية، رغم أن مذهب الحنفية من أكبر المذاهب الإسلامية وأكثرها اتساعا في رقعة العالم الإسلامي. ومع ذلك فالمجتمعات التي تعتنق هذا المذهب من أكثر المجتمعات الإسلامية تقييدا للمرأة وكبتا لها؛ مما يعني أن محاولة أبي حنيفة لم تفلح في التخفيف من الحصار عن المرأة الضحية وقتئذ..!!!
وجاءت الخطوة الموالية مع أحد أهم سدنة العلم والفقه والتاريخ؛ إنه محمد بن جرير الطبري (ت 310هـ) الذي أجاز للمرأة القضاء مطلقا، لكن هذا المذهب لم يكتب له الانتشار فانحسر وتراجع، وربما كان ذلك راجع لعدم تقبل مجتمعنا الإسلامي لقضاء المرأة وجلوسها على المنابر الدينية ذات المستوى الرفيع مثل القضاء..!!!
وبعد الطبري جاء علي بن حزم الأندلسي الظاهري (ت465هـ) الذي أعلن ثورته ضد حرمان المرأة من منصب القضاء، في أمر لم يرد نص قرآني ولا حديث نبوي بمنعه..!!!
وبعد هذه المحاولات نامت أمتنا على إيقاع التخلف والجمود..!! فتكالبت الدول الغربية التي استيقظت لتوها من سبات كان هو الآخر عميقا، لكنها كانت جادة في منهجها، فصارت انطلاقتها قوية.. فأصبحت بذلك دول عظمى، فهجمت على فريسة أمة تحولت إلى ركام..!!
وفي بحر القرن الميلادي التاسع عشر بدأت ملامح النهضة العربية الإصلاحية تلوح في أفق العالم الإسلامي الملبدة بغيوم الجمود والتبعية، كان ذلك مع رفاعة الطهطاوي (ت1873م) الذي ألف كتابه "المرشد الأمين في تربية البنات والبنين" بعدما تشبع بفكر الإصلاح، لكنه واجه نقدا من طرف الدوائر التقليدية التي لا ترى في تعليم المرأة ضرورة.
ومن تونس كانت محاولات الطاهر حداد (ت1835م) الذي ألف كتابا بعنوان "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" فكان -هو الآخر- شذوذا يؤكد قاعدة عريضة اتخذت من تجهيل المرأة عقيدة وقربانا..!!
يقول عنه أحد المفكرين المصريين إنه سبق أهل زمانه بقرنين من الزمن، فانتقده الجميع ورموه بالزندقة والكفر.. وربما كان منهجه في التجديد متأثرا بالغرب أكثر من اعتماده على منهجنا الحضاري، فوقع في الفخ مرتين..
وأثناء هذه الفترة انبثقت مدرسة المنار التي تزعمها محمد عبده (1849-1905) الذي كان شيخا أزهريا جليلا، ومصلحا اجتماعيا عظيما، وقد حظيت المرأة بحيز كبير من فكره الإصلاحي، فكان قاسم أمين من تلامذته..