تعقيب على ما ورد في الحلقة الثانية من برنامج "الصفحة الأخيرة"
الثلاثاء, 09 ديسمبر 2014 08:59

 

عبد الرحمن ولد سيدي حمود    

altلقد تابعت باهتمام برنامج "الصفحة الأخيرة" مع الأستاذ محمد المصطفى ولد بدر الدين، لقد أعاد إلى الذاكرة بملكة سردية مشوقة فصول تاريخ نضالي خضنا غماره بكل ما يميز الشباب من مثالية وعطاء واندفاع. لقد أعجبتني قدرته على إعادة شريط الأحداث محترما تسلسل حلقاتها وعارضا بدون تهيب ولا تنازل في قراءته الشخصية لها ولدلالات رموزها.

غير أنني أرى أنه أراد أن يعرض تاريخ مرحلة حساسة ما زال شهودها والفاعلون في حقلها حاضرين من خلال مقاربة ذاتية تسلط الأضواء بعاطفية جياشة على المحيط الخاص للضيف، وتحيل إلى سلة النسيان فصولا كاملة من النضال والمناضلين لا يغتفر إهمالها.

إن حركة الكادحين هي -وبدون شك- أعظم وأوسع الحركات التي عرفها الوطن تأثيرا وانتشارا، وقد لاقت تعاطفا منقطع النظير في صفوف الشباب والطلاب والتلاميذ والنقابيين؛ مما شكل قوة ضغط جبارة يعود لها الفضل في نشر الوعي السياسي وتغيير العقليات، كما يعود لها الفضل بالتأكيد فيما عرفه البلد من إصلاحات ساهمت في تعزيز سيادته واستغلاله (تأميم ميفرما، إنشاء العملة الوطنية، ومراجعة الاتفاقيات مع فرنسا).

إن هذه الحركة هي - بالإضافة إلى ذلك- من أشد حركات الوطن تنظيما وانضباطا، والتزاما بقواعد السرية؛ الأمر الذي أكسبها حصانة في وجه الحملات البوليسية المتلاحقة، فلم تخترق قياداتها ولم يعثر على أجهزتها السرية.

كل هذا يدل على كثرة وتنوع الفاعلين في حقلها، وصعوبة رسم لوحة كاملة عن كل أوجه نضالها.. لوحة تفي بحق المناضلين الفعليين فيما ينبغي من ذكر وتمجيد.

إن ضيف البرنامج لو كان تقصيره في هذا المجال عابرا ومحدودا لهان الأمر، ولكن يعتب عليه أن ظل حديثه عن الحركة مقتصرا على هوامشها ومتحاشيا الدخول في صميم حياتها النضالية والفكرية.

إن الحديث عن حركة الكادحين من زاوية نضال نقابة المعلمين العرب مفرط في الاختزال؛ لاسيما أن تلك النقابة ما لبثت أن انقسمت على نفسها، وأن أفقها النضالي ظل مطلبيا، وإلى حد ما طائفيا.

لا أريد هنا أن أقلل من شأن النضال النقابي ولا من فاعليته، لأنني خضته بإيمان وعانيت من كل تبعاته: سجنت ثلاثة أشهر متوالية في ألاك, وأبعدت سنتين إلى مدينة تيشيت، وفصلت عن العمل ولم أستعد وظيفتي إلا بعد قرار العفو العام سنة 1976.

إن من وراء هذا النضال النقابي والطلابي والعمالي جمع غفير لا يكل من الشباب؛ شباب هجر الدراسة والوظائف والأصحاب ليتفرغ للعمل الثوري, شباب يحلم بتحقيق الثورة الحقيقية.. ثورة تقضي على البؤس والتخلف، ثورة تزيل كل مظاهر التفاوت الطبقي، ثورة تنزع السلطة من أصحابها ليحل مكانهم الممثلون الحقيقيون لطبقة العمال والفلاحين.

ثورة كما يصفها أحمد ولد عبد القادر حين يقول:

قولي لنا إنها والدهر يثبت ذا ** ليست مزاحا ولا لهوا ولا تيها

وإنها روضة غناء وارفة ** تضاحك الشمس والأندا روابيها

ودونها مسلك وعر ومنعرج ** فكيف نقطعها حتى نلاقيها

روح الكفاح وأنات العبيد ودو ** رات الزمان وما تخفي لياليها

ستطحن الشوك عن منهاج ثورتنا ** ويطلع الفجر رقراقا يباريها.


إن هؤلاء الشباب هم الذين يقضون أوقاتهم في توعية الجماهير وإقامة الخلايا الثورية وتعبئة كل الجهود ليظل الاستياء متصاعدا والروح النضالية متوهجة.. إنهم وراء كل وقفة احتجاج، أو تظاهرة، أو كتابة على الجدران، أو منشور يوزع. ولا يجوز أن تنثر الزهور على رؤوس النقابيين دون ذكر نزر من أسماء هؤلاء المناضلين.

لذا سأسمح لنفسي بذكر أسماء بعض شباب قريتي (مقطع لحجار) الذين قادوا العمل الثوري في أماكن متعددة من الوطن، والذين تعرضوا للمضايقات والاعتقال في سجون السلطة، وهنا أذكر إسلمو ولد سيد حمود الذي تولى قيادة النضال في ولايتي لعصابة وگورگول. والأخ مد الله ولد بلال الذي قاده حقبة من الزمن في مدينة كيهيدي، والمرحوم يحيى ولد عمر الذي يمكن وصفه بأنه أوفى وأثبت المناضلين، وكذلك محمد المختار ولد محمد ولد أحمد، وإنجيه السالم ولد بلال، وولد أحمدو، والناجي ولد محمد ولد أحمد، وواه ولد محمد باب. كل هؤلاء ظلوا مرابطين في الخطوط الأمامية للنضال، وباشروا أصعب المهمات؛ الخاص منها والعام.
وأذكر من نزلاء السجون حمزة ولد سيد حمود الذي أمضى الشهور في سجن ألاك وهو ما يزال في سن الرابعة عشرة من العمر، وإبراهيم ولد سيد المصيوب، والشيخ ولد سيدي ولد عبد الرحمن، وسيد محمد ولد محمد السالم من معتقلي سجن بيله. ومن سجناء شباب مقطع لحجار في نواذيبو اسماعيل ولد اطفيل ومحمد محمود ولد العيل، ومن قادة النضال الطلابي أذكر عبد الله ولد كبد والكارزمي الشهير محمد شين ولد محمادُ رحمه الله.

وبعد ذكر  بعض من شباب قريتي أتحول إلى أقصى الشمال حيث أمضيت سنوات أربعا مع كوكبة من الرفاق قادت النضال هنالك دون أن تظهر في صفوفها حالة ضعف أو كلل أو تململ. من هؤلاء أذكر قادة لجنة العمل الثوري في الشمال؛ وهم على التوالي: يبه ولد البشير المنسق العام، والسالك ولد الحاج المختار عن مدينة انواذيبو، والقاسم ولد بلاّلَ عن أطار، وشداد عن أگجوجت، وأنا عن ازويرات.

وأخص كذلك عناصر تميزوا بالشجاعة والحماس  والاندفاع؛ وهم رفيقي وحميمي الشيخ ولد محمد لمام ومحمد الأمين الملقب (Petit rouge) الذي عارض فيما بعد بشدة خط الحركة الداعي إلى التصالح مع حزب الشعب. وذهب ليخوض النضال المسلح مع ثوار الصحراء.

ومنهم أيضا أخي أحمدو السالم ولد أحمد، ومنهم حامد الذي ما إن خرج من سجن انواذيبو حتى أعيد إليه بعد ذلك بأقل من أسبوع، حيث داهمته الشرطة وهو يكتب على الجدران إحياء لذكرى أحداث ازويرات. ومنهم قادة آخرون بارزون أذكر من بينهم سدن وميلود ولد لكحل..

ومن الوارد أيضا أن أخص بالذكر شباب تجگجه؛ ذلك الشباب الذي لا يقهر، والذي أفرز شخصيات قيادية فذة أذكر من بينها محمد ولد مولود، الطالب محمد ولد لمرابط، الداه ولد عبد الجليل، سيد ولد اخليف.. إلخ.

ومن شباب وادي الناقة يتعين ذكر أولاد عابدين، وأولاد زين، وأولاد حي، وأولاد لبات، وأولاد حماد..

ومن مدينة المذرذرة أذكر: مالو كيف ولد الحسن، وباگاه، والحسن ولد الطالب، وأسرة أهل خبّا رجالا ونساء.

وما هذه إلا أمثلة لإعطاء صورة عن قوة المد الثوري في تلك الفترة، وعن مدى تجاوب الشباب مع الخطاب السياسي الذي كانت تحمله الحركة الوطنية الديمقراطية.
أما فيما يتعلق بما تقدم به ضيف البرنامج من ملاحظات في الشكل والمضمون حول الاستقلال فلا يمكن لأحد أن ينكر صحتها.

إن موريتانيا، شأنها في ذلك شأن أغلبية الدول الخاضعة للاستعمار الفرنسي، حصلت على الاستقلال بقرار من الحكومة الفرنسية. إن هذا الاستقلال - وإن كان في ظاهره ممنوحا- هو في جوهره ثمرة نضال الشعوب  والطلائع الثورية لكل من آسيا وإفريقيا والمغرب. ولم تتخلف الطلائع الموريتانية عن ذلك الركب.
إن الاستعمار الفرنسي لم يتصرف بدافع من الكرم والتعاطف مع شعوب المستعمرات؛ بل أراد أن يستبق العاصفة، في خطوة تكتيكية تحاول تفادي القطيعة التامة مع المستعمرات وسقوط السلطة في أيدي الجماعات الأكثر تطرفا ونفورا من المستعمر، وهكذا كانت السلطة في موريتانيا من نصيب الفئة الأكثر تآلفا وانسجاما مع الأطروحات الأجنبية في ظاهر الأمر. وأقول "في ظاهر الأمر" لأن الأيام أظهرت بعد ذلك أن المختار ولد داداه رجل وطني في الصميم. رجل لم يضيع فرصة يمكن أن تقربه من استكمال سيادة البلد وتخلصه من وطأة الوصاية الاستعمارية.

لقد أظهر ذلك عندما فضل سياسة التقشف والاستغناء عن المساعدة المالية التي كانت تمنح من طرف الدولة الفرنسية، وأظهره فيما بعد بجلاء عندما اتخذ قراراته الجريئة المتمثلة في: تأميم ميفرما، وإنشاء العملة الوطنية، ومراجعة الاتفاقيات مع فرنسا. وأتذكر أننا حينها في حركة الكادحين لقبناه "نوردوم سيهانوك" ودعونا إلى الالتفاف حوله ودعمه.

إن المختار ولد داداه لم تزل به خطواته حتى أصبح رمزا في أعين الجميع وحتى ألد أعدائه من أبرز قادة العالم الثالث. إن المختار ولد داداه رجل إصلاحي مستنير لم يتوقف لحظة عن تجذير السيادة الموريتانية بتمهل ومثابرة منقطعي النظير.

أما محمد المصطفى ولد بدر الدين فهو الثوري الذي لا يرضى بأنصاف الحلول، الثوري الذي يطمح إلى التغييرات الجذرية والحاسمة، ولا يتحمل سياسة الخطوات البطيئة؛ فخطابه خطاب لا يعرف التلميح ولا المراوغة، خطاب لا يخضع حتما لمقتضيات الأعراف التقليدية. إنه خطاب تجديد ومراجعة، إنه خطاب قد يزعج البعض، ولكنه ضروري جدا في مجتمع كمجتمعنا ميال إلى الجمود وتقديس القادة.

وخلاصة القول هي أن كلا من الرجلين لعب ويلعب دوره بجدارة، وكل منهما يستحق التقدير والإجلال.

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

الآن في المكتبات

فيديو

المتواجدون الآن

حاليا يتواجد 1 زائر  على الموقع