| نبي الإسلام وحرية التعبير.. قراءة سيكولوجية في حرية الاعتقاد.. |
| الثلاثاء, 04 أكتوبر 2016 07:56 |
|
أحمد سالم ولد عابدين
إن منع الناس من "الكلام" هو أحد أهم الاستراتيجيات التي لجأ إليها كفار مكة لمحاربة الدعوة.. لقد عمدوا إلى صرف الناس عن الاستماع إلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ بل ومعاقبة من يثبت أنه استمع إليه.. لكنهم لما استمعوا هم أنفسهم للقرآن بدر منهم إجلال عظيم له (و الله إن له لحلاوة..). لقد اتخذ كفار مكة شعارا لهم {لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون} لقد عرفوا أن الفيصل هو الكلمة؛ وبالتالي رفضوا الدخول في قانون الكلام {و جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم}.. لقد كانت حياة الرسول ومواقفه تطبيقا عمليا متمركزا حول القضية الكبرى التي تحتل أساس الصراع في العالم اليوم، كما احتلته منذ فجر التاريخ. إنها القضية التي ركزت عليها الرسالة المحمدية التي استغرقت كل حياته صلى الله عليه وسلم.. إنها حرية الكلام: حرية التعبير العقدية.. ذلك أن حرية الكلام هي الوجه الظاهر لحرية التعبير وحرية الاقتناع العقدي التي دعا إليها رسول الله.. العنف هو الوجه الآخر لفرض الصمت، لأن الصمت (بما هو تكميم للأفواه) هو كبت للطاقات الكلامية التي ستنفجر لاحقا على شكل أفعال عنف عند ما لا تجد لها مخرجا عبر اللسان. حرية التعبير لا تعني التعدي على الآخرين {وقولوا للناس حسنا} بمعنى أنها تظل مطلبا مشروعا ما لم تتعد "الذاتُ" فيها على "الآخر" عقديا أو فكريا {فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة} هكذا كانت رسالة الإسلام مطبقة في حياة الرسول الأعظم الذي بين أن حرية التعبير هي صمام أمان وحدة المجتمع البشري، حيث يشكل الاعتراف بحق كل فرد في الكلام قانونا كونيا (يمكن تسميته بقانون الكلام) وهو قانون يمكن إبصاره في كل دعوات الرسل. كل مواقف الرسول كانت تقول: خلوا بين الناس وبين حرية اعتقادهم.. إنه القانون العام لرسالة الإسلام.
إنه قانون حرية الكلام، أي حرية التعبير والاعتقاد.
هذا القانون الدعوي في حرية الكلام ينبني عليه وجود وحدة اجتماعية وثيقة بين أفراد المجموعة الواحدة. إن المجتمع يفرض الاعتراف - من خلال هذا القانون- بالحق في التنوع الخطابِي؛ فهذا التنوع هو ما يضمنه قانون الرسالة المحمدية في الأساس، حيث إنه من خلال انتفاء "الكلام " يتفكك الرابط الاجتماعي وتتحول أسس الوحدة البشرية إلى عقبة تعترض تحرر الإنسان. حرية التعبير هي إحدى أكبر الأسس التي قامت عليها وحدة الرسالات {أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله} ومما لا شك فيه أن حق "الكلام" هو أحد الأمور التي يسعى البشر غريزيا إليها بوصفها تجسيدا وتأكيدا لباقي الحريات، أليس قمع التعبير هو أكبر تهديد لوحدة البشر؟! أليست الدكتاتوريات هي أكبر عدو للتطور البشري؟! أوَليست الكلمة هي أكبر سلاح تسعى من خلاله الدكتاتوريات لتثبيت أركانها وتقويض كل تعبير آخر؟! وفي المقابل، أليس الكلام هو السلاح الأكبر لأي دعوة تحرر أو ثورة؟! أوليس الكلام المجسِّد للمعتقد والفكر هو أكبر رابط للتماسك الاجتماعي؟! حرية الكلمة هي المظهر الأول لحياة الرسول: إعطاء الناس الحرية في قول لا اله إلا الله أو عدم قولها دون إرغامهم على أي شيء آخر غير الذي تجله قلوبهم وتنطق به أفواههم {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}. لقد أُمِر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله إلا الله، وذلك على اعتبار اليقين في أنه لو أعطيت لهم الحرية لقالوها ولَمَا حدث أي قتال، حيث لم يشرع القتال إلا ضد من يقف في وجه حرية التعبير؛ فالعنف لا يجوز إلا إن كان سبيلا لتأمين حرية الكلام.
أهل مكة، الذين لم يبرعوا في شيء مثلما برعوا في فن الكلام الذي أعطوه أبرز مكانة في حياتهم ومجَّدوه واحتفظوا به في أقدس أمكنتهم، عجزوا عن الدخول في قانون "الكلام" مع محمد رسول الله، امتنعوا من إعطائه حرية الكلام. لقد تفطن الخليفة معاوية بن أبي سفيان داهية العرب المعروف بذكائه إلى أنّ الشرط الأساسي في السياسة وشؤون الحكم هو إعطاء الحرية للآخر "المعارِض" في الكلام حتى لا ينفجر هذا "الآخر" معترضا على وضعه في مجالات أخرى في وجه الحكام كان بالإمكان بقاؤها في حيز المسكوت عنه أو المكبوت لو أتيحت له حرية الكلام. لقد أعلن معاوية أنه "يسمح بحرية الكلام ولا يضيره في شيء أن يتكلم (...) المعارضون لسياسته بما قد ينفِّسُ عليهم؛ فهو (أي معاوية) يجعل دبر أذنه وتحت قدمه ذلك النوع من الكلام الذي يستشفي به قائله".1 إن من شأن إتاحة الكلام والسماح بحرية التعبير في الفضاء الاجتماعي العام أن يوجِد عددا كبيرا من التعابير المختلفة والمنتمية إلى وجهات نظر متعددة.. منها الغث ومنها السمين. هكذا تتوفر منتجات كثيرة من التعابير، سيسعى الفرد إلى اختيار بعضها والانجذاب إليه على حساب البعض الآخر. هكذا تقف "الذات" في معرض سوق كلامية.
إن حرية الكلام توفرها "سوق الكلام" التي يعرض فيها الجميع عقائدهم ودعواتهم ويشعر فيها كل واحد بالرابط الإنساني يقوى بين البشرية. أما حين تحتجب هذه الحرية فسيشعر الأفراد بضعف الرابط، فنحن كبشر "من دون التعبير والتفكير نكون بصدد الموت الكياني، ولا يتبقى لنا سوى الحياة البيولوجية".2 ذلك أنه في الحقيقة، وفي ظل عالَم مكتظ بأفراد لديهم معتقدات ورغبات مختلفة واتجاهات متنافرة، فإن قانون الوحدة البشرية هو نفسه "قانون الكلام" {تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم}: حين يلتزم كل واحد بإعطاء الحجة الكلامية قوة أكبر من كل حجة أخرى يكون العالم بخير {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه}. إن حرية التعبير حق طبيعي للبشر، وهي التي تبني وتجذر التفاعل بين الذوات، وتمكّن الوحدة الاجتماعية من الاستمرار من خلال نبذ العنف الذي دائما ما يتأسس ويظهر حين تنتفي إمكانية الكلام. إن فرض الصمت على البشر يعني النكوص عن "قانون الكلام" الذي هو حاجز بين النظام والفوضى، بين السلم والعنف. وعند ما يفرض الصمت على "الذات" يبدأ العنف بالظهور لسببين: 1. من خلال من يَفرِض هذا الصمت، بحيث يعلن - بمنعه كلام الآخر- استباحة "التنكر لإنسانية [هذا الآخر] وصولا إلى هدره وقهره واستغلاله، وحتى إبادته"3 فحرية الكلام بهذا المعنى هي دائما إقرار بالحق في الوجود و"حصانة الآخر ومنع قتله أو الاعتداء عليه"4. 2. من خلال الذي يُفرَض عليه الصمت، إذ تبدأ المكبوتات في التراكم دون أن تجد لها مصرفا، وعندما تبلغ هذه المكبوتات درجة لم تعد معها الذات قادرة على الاستمرار في الحياة بهذا الكم من التراكم نتيجة ثقل أعباء تراكمات هذا الكبت، تبدأ في هذه اللحظة خيوط العنف بالبروز كتصريف ومخرج وحيد لهذه المكبوتات. ولكن كيف يتغلب بعض الكلام على بعض؟ إن الوجه الآخر لقوة "قانون الكلام" والذي يجعل هذا الكلام شيئا معترفا بقوته ومصداقيته، هو صدق هذا الكلام نفسه {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا}. لا ينبغي أن يدخل الكذب في تجاذب الكلام {فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم} لأن الكذب تحريف للحقيقة، ولأنه يُنبئ عن نية مبيتة في إحلال العنف؛ إذ ينتفي قانون الكلام بدخول الكذب عليه {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك}.
إن منع الكذب إذن يصبح ضروريا من ثلاثة أوجه: 2. لكي ترتاح الذات إلى أنها تستند إلى أرضية ثابتة تنطلق منها كل الذوات الأخرى بالتوافق والإقرار المسبق: إنها أرضية الصدق. 3. وبالنتيجة، لكي تطمئن الذات إلى أن الآخر لا يُبَطِّنُ العنف.. لا يبطن الكذب الذي هو دلالة عنفٍ واضحة، ويمكن الدخول مع صاحبه في عملية تواصل يرتكز على حسن النية المسبق في إقامة وحدة اجتماعية تجمع كل الذوات المتكلمة تحت هذا القانون (قانون الكلام). وبناء عليه، فإن الاحتكام إلى معيار موحد فيما يتعلق بـ"الصادق" و"الكاذب" لن يكون متاحا للبشر ومُرضيا لهم إلا إذا قبلوا جميعا بتحديد معياره من طرف سلطة هي أصدق شيء ولا يمكن أن يتطرق الزيف إلى أحكامه {ومن أصدق من الله حديثا}.. {ومن أحسن من الله حكما}. قوة الله المتعالي أسمى من الكل {سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا). هي الضامن لصدق "قانون الكلام" المعترف به من طرف الكل بوصفه شرطا تأسيسيا لقيام المجتمع وضمان لمصداقيته. يكفي لكي تتعرض وحدة الرباط الاجتماعي للتهديد والتفكك أن ينظر إلى هذا المعيار الأسمى بالتشكيك (الكفر) أو رميه بتهمة الانحياز. إنها قوة التشريع الربّاني الذي جاء ليعطي البشر وحدة ثقافية تعلو فوق كل الخصوصيات {الله رب كل شيء} تلك الخصوصيات هي السبب الأول في انبعاث العنف دائما عندما تلجأ كل واحدة منها لفرض نفسها على الآخرين {و لو أن أهل القرى آمنوا واتقوا}.. {إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم}.
2. مصطفى صفوان: الكلام أو الموت، ترجمة د. مصطفى حجازي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى مايو 2008، ص7. 3. مصطفى صفوان، مرجع سابق، ص 8. 4. نفس المرجع، ص 8. |
