في عيد الأضحى: خواطر.. ورؤى
الخميس, 09 أكتوبر 2014 08:47

 

بقلم: معن بشور    

altفي هذه اللحظات الدموية التي تعصف بأقطار أمتنا على امتداد الوطن الكبير، وفي هذه المرحلة العصيبة التي تأخذ فيها الحرب على الإسلام، كما على العروبة، أخطر أشكالها لأنها تستهدفهما في جوهرهما ومعانيهما، كعقيدة وكهوية، يطل عيد الأضحى المبارك، بكل معانيه ورمزيته ليُطرح على كل منا سؤال بديهي: هل نفرح بهذا العيد أم ننأى عن الفرح به ونحن نشهد الجرائم والمعاصي والمجازر والارتكابات تفتك يومياً بكل معاني هذا العيد والقيم التي يزخر بها.

وإذا كان السؤال بديهياً في كل مكان وزمان، فالجواب عليه مركبّ معقد لا ينبغي استسهاله ولا استعجاله، فحال أمتنا هذه الأيام كحال كأس نصفها ممتلئ ونصفها فارغ، وكل نظرة إلى أحد النصفين لا تصيب الحقيقة؛ فالممتلئ من هذه الكأس يملؤنا اعتزازاً وتفاؤلاً، فيما الفارغ منها ينتظر منا أن نملأه، عملاً دؤوباً، وجهداً مخلصاً، وكفاحاً أصيلا، ووعياً عميقاً لا تستقيم أمور أمتنا إلا به مهما ادلهمت عليها الخُطًب وتكاثرت الألاعيب واشتدت المؤامرات.

والنصف الممتلئ من الكأس هو إحساسنا أن أعداء أمتنا التاريخيين من صهاينة ومستعمرين وأدواتهما يعيشون الهزائم في أكثر من ساحة، ويعانون من أزمة بنيوية وقلق مصيري وارتباك في الرؤية والخيارات؛ فكل خطوة يخطونها تدخلهم في مأزق جديد، وكل مشروع يصوغونه تبرز فيه ألف ثغرة، والسلاح الوحيد بيدهم هو تدمير شامل لدولنا ومجتمعاتنا ومواردنا وجيوشنا وثقاتنا وهويتنا وصولاً إلى إسقاط رسالتنا الإنسانية الخالدة، وهو تدمير لا يسعى لإحباطنا في الحاضر والمستقبل، بل يحاول أيضا الانتقام التاريخي من كفاح طويل مديد لأمتنا، ومقاومة عنيدة متنامية لأبنائها الباسلين، أسهما بشكل خاص في إدخال أعدائنا جميعاً في الأزمة تلو الأزمة.

وهذا الكفاح الطويل والمقاومة المتعددة الأشكال للأعداء من زمن الفرنجة وحتى اليوم، ما كان له أن يستمر ويحقق ما حققه من انتصارات لولا التضحيات الجسيمة التي قدمها أبناء هذه الأمة، من مغربها إلى مشرقها، فأنهوا عصوراً استعمارية كاملة، وواجهوا غزوات دموية متنوعة.

أما النصف الفارغ من الكأس، والذي يتحدث عنه، كل يوم، كل أبناء الأمة وهم يتطلعون إلى ما حولهم من مظاهر التشظي والتفتت وانطلاق أبشع الغرائز العصيبة وأشنعها وأكثرها تخلفاً، فإن ملأه يحتاج إلى رؤية وجهد وكفاح لكي نستكمل ملء النصف الفارغ، بل لكي تخرج امتنا مما هي فيه وعليه.

في هذه الرؤية، لا بد من أن ندرك إن لا أحد قادر على حل مشكلاتنا وصراعاتنا الداخلية إلا نحن حين نغلب الرئيسي من التناقضات على الثانوي من التباينات والصراعات والخلافات، والجامع من الهويات والأفكار والمشاريع والبرامج على الفرعي من الهويات والمفرّق من الشعارات والمشتت من المؤامرات.

في هذه الرؤية، لا بد أن ندرك، ونحن نحتفل بعيد الأضحى، أن الرسالات لا تنتصر أو الأمم لا تنهض، إلا ببذل الغالي من التضحيات والنفيس، ولكن أن ندرك أيضا أن التضحيات وحدها لا تحقق لنا مبتغانا إذا لم تكن مقرونة بوعي تاريخي، وبحكمة تغنيها الخبرات والتجارب، وبمشروع نهضوي حضاري، وبسمو أخلاقي وروحي رفيع وبروح وحدوية مترفعة عن كل العصبيات.

في هذه الرؤية، لا بد أن ندرك أن أعداءنا مهما أظهروا من شراسة وحققوا من انتصارات جزئية هنا وهناك، وتمكنوا من تغليب خطاب الانقسام على ثقافة الوحدة والتلاقي والتواصل والتكامل وقبول الآخر في هذه الساحة أو تلك، فإنهم في الحقيقة الساطعة ضعفاء متراجعون، وأن الفرصة التاريخية لتحقيق اختراقات كبرى في صفوفهم باتت ممكنة.

بين هذه الاختراقات الممكنة إعادة الاعتبار لوحدة الأمة، كفكرة وكمشروع، وكخطوات ومبادرات تضع أي قطرين مؤهلين لبناء أي صيغة من الصيغ الوحدوية على طريق الوحدة؛ خصوصاً في سوريا والعراق، وفي سوريا ومصر اللتين اغتيلت وحدتهما في مثل هذه الأيام قبل 43 عاماً تماماً كما تم إجهاض قيام وحدة ثلاثية بين القاهرة وبغداد ودمشق عام 1963.

فوحدة ثلاثية أو ثنائية اليوم أياً كان شكلها الدستوري وتعبيرها السياسي تصبح قاعدة لاجتذاب كل الأقطار الأخرى، وتشّكل ركيزة لمشروع عربي مستقل يحاصر الأعداء ويتكامل مع دول الجوار لبناء إقليم الاستقلال والكرامة والتنمية.

بين القفزات الممكنة أيضا انتفاضة جماهيرية كبرى في أرض فلسطين المحتلة وانطلاقاً من القدس وحرمها الشريف ومقدساتها الإسلامية والمسيحية. وهي انتفاضة لا تحرر الأرض والقدس في الظروف الراهنة فحسب، بل تضع عدونا الصهيوني المأزوم في حال دفاع عن النفس بدلاً من أن يتفرّغ لحياكة كل أنواع المؤامرات ضدنا، والفتن بيننا، والحروب علينا.

في هذه الرؤية طبعاً ألف مشهد ومشهد، ولكنها جميعاً تندرج تحت عنوان واحد لخصته جماهير أمتنا في ميادين الثورة الشعبية في أكثر من قطر (قبل أن تغتال روحها وأحلامها مخططات الأعداء وقواها المشبوهة) وهو لا للتبعية، لا للفساد، لا للاستبداد.

في عيد الأضحى المبارك، وفيما ملايين العرب والمسلمين يجتمعون في حجيج إلى بيت الله الحرام، يبقى الدعاء الأقوى: يا رب ساعدنا في تحرير هذه الأمة، يا رب ساعدنا في توحيد هذه الأمة، يا رب امنحنا القوة والقدرة على مواجهة أعدائنا ومراجعة أخطائنا والتبرؤ من خطايانا والتوحيد.

نعم كيف نوّحد من في السماء، ونفرق بين من هم على الأرض.

كيف نحطم أصنام الكفر وأزلامه التي انتصبت في قلب مكة المكرمة قبل 15 قرناً، ونسكت اليوم عن أصنام التبعية للاستعمار وأزلام التواطؤ مع الأعداء والفساد بين الناس وهي مغتصبة حولنا كل يوم.

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

الآن في المكتبات

فيديو

المتواجدون الآن

حاليا يتواجد 1 زائر  على الموقع