بقلم الولي ولد سيدي هيبه
داخل المكاتب في الإدارات وعلى موائد الصالونات في كل أحياء المدن وأرجاء الوطن لا اهتمام يرمي بثقله على أحاديث الكثيرين ومن دون شجون إلا عن تشكلة الحكومة المرتقبة:
- ما لونها وما طعمها وكيف هي رائحتها؟
- من سيقودها؟
- من هم الوزراء الذين سيشكلون مجلسها بالأسماء والانتماءات العشائرية والعرقية والطبقية والجهوية؟
ولكن لا أحد يسأل في كل هذه المحافل عن ملامح البرنامج العملي الذي ستعكف هذه الحكومة على تنفيذه لصالح تنمية البلد وخدمة مواطنيه، وما هي مرتكزات هذا البرنامج. كما أن هذه الأحاديث المسهبة لا تهتم بالوقوف عند نقاش أو رصد الآراء حول المعيارية التي يجب أن تتبع في اختيار "خدم الدولة" المقبلين هؤلاء، الفنية والعلمية وتلك المتعلقة بالكفاءة والخبرة والتجربة والمصداقية والجدارة وروح المبادرة وخدمة المواطن والدفاع عن مصالح الوطن وفهم توازنات البلد والإخلاص في الحفاظ عليها؟
إنها حالة فريدة لترقب تشكلة حكومة منوط بها حمل أعباء الكيان بكل أوجهه جملة وتفصيلا، سواء ما تعلق منه بـ:
- وحدة ولحمة نسيجه،
- أمنه الداخلي وعلى حدوده،
- بنائه أفقيا وعموديا،
- إشاعة العدالة والديمقراطية،
- توطيد أركان دولة القانون للجميع،
- تنقية تاريخ الأمة جمعاء من شوائب الماضي المخلة بمفاهيم الوحدة والسلم الاجتماعيين،
- وضع مخططات اقتصادية من خلال استغلال خيرات البلد الوفيرة استغلالا رصينا وتوزيعها بعدالة ومنطقية على كل ولايات الوطن بشكل يضمن تداخل وتشابك المصالح بينها وترابط الأوصال في تناغم وانسجام التبادل والإثراء.
ترى ما هي الأسباب الكامنة وراء هذه الحالة الفريدة التي تتعارض في شكلها ومضمونها مع مفاهيم الدولة الحديثة ومتطلبات قيامها على أسس صلبة وضمان ديمومتها متوازنة وآمنة من الارتجاجات التي تصل في بعض حالات الاختلال الشديدة إلى الانهيار والتفكك والتلاشي؟
هل هي - ومن دون لف أو دوران- نتيجة لعجز الذهنية العامة عن مصاحبة معطيات الدولة العصرية والتشبث في استماتة بعرى المفاهيم التقليدية المتجاوزة ومحاولة إضفائها على منهجية الحداثة عبثا ومكابرة ومغالطة مكشوفة للحاضر الطافح بالمتغيرات العملية في حيز الثورة الجديدة على الظلامية المتجاوزة بأسلحة التنوير والتمكين التي بات يمتلكها عقل تبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود من فجر الإنسانية الجديد؟
وإذا لم يكن الأمر كذلك فكيف يعقل إذن أن لا تنبري من بين الجماهير المتنورة بإيحاءات الحداثة والمتعلمة المتشبعة بمعارف العصر والمخضرمة المنخرطة في تيارات صناعة وقراءة المعطى السياسي ومضامينه الإيجابية المحفزة على توسيع آفاق انعكاساته البناءة على مسار الوطن إلى استكمال نهضة الحداثة عنده وبناء الدولة السياسة المستكملة الخيارات في:
- التعيينات عند اللزوم.
- والمخططات التنموية المتقنة والفعالة المبنية على المعطى الرصين، والمعتمدة على الاستشراف العلمي الدقيق الذي يرسم الآفاق المستقبلية الواعدة التي تخدم بدورها الوطن كيانا وتستهدف المواطن غاية.
هو إشكال لا بد من الاهتمام بقراءته من كل الزوايا لما يرتبط به من جمود الحراك السياسي القائم ولما له، إن ظل قائما، من تقويض العمل على بناء وتأصيل مبدأ وقيم المواطنة التي بها وتحت ظلها تقوم دولة العدل والمساواة وتتشكل الحكومات من صفوة أبناء الوطن دون أي اعتبار للون أو العرق أو الطبقة وتباشر عملها خدمة للدولة القوية وللمواطن المتوازن الذي يقدر ذلك فيصونه ويدعم قواعد البناء والتنمية التي هو محورها ومبلغ أدائها. وهي أيضا القراءة التي لا بد أن يشارك فيها الجميع بتجرد وبشجاعة أدبية غائبة عن الخلق السياسي العام.
ولما أن تكتمل هذه القراءة، التي قد تأخذ حيزا من الوقت وكثيرا من التفكير، فإن تشكيل الحكومات من بين تشكيل الأطقم لتوجهات أخرى لا تقل أهمية لإسناد عديد المسؤوليات الجسام في كل أوصال الدولة ومراكز تحركها وثقلها، سوف تتم كلها في سياقات عملية وموضوعية لن يكون للموازين البشرية التقليدية دخل فيها، وإنما تخضع فقط لضوابط المنطق والعلمية من ناحية، وتستجيب لمتطلبات التنمية المنسجمة والديمقراطية الانسيابية التي هي صمام أمان وضعية التوازن والاستقرار الجديدين من ناحية أخرى.