سكان شمال إفريقيا: الأصول الحضارية (ح2)
الأحد, 16 نوفمبر 2014 09:12

 

اللغة العنصر الحي الباقي بين أيدينا:

altعنصر اللغة هو العنصر الحي الباقي بين أيدينا، وهو يؤكد ما نقوله، يقول أحمد سوسة: "إن اللغة العربية (لغة جزيرة العرب الأمّ) حافظت على نسبة كبيرة من خصائص اللغة السامية الأصلية أكثر من أية لهجة من اللهجات السامية الأخرى، لأن بلاد العرب لم تخضع يوما من الأيام للأجنبي وسلطانه". (ص19).

ويوضح أحمد سوسة موقفه من مصطلح سامي وسامية، فيقول: "إن تسمية سامية أطلقت على شعوب تزعم أنها انحدرت من صلب سام بن نوح، وكان أول من أطلقها بهذا المعنى العالم النمساوي شلوتزر عام 1781 للميلاد فشاعت منذ ذلك الحين وأصبحت عند علماء الغرب علَما لهذه المجموعة من الشعوب، وسرت إلى المؤرخين العرب وباحثيهم بطريق الاقتباس والتقليد، على الرغم من أن هذه التسمية لا تستند إلى واقع تاريخي أو إلى أسس علمية عنصرية صحيحة أو وجهة نظر لغوية. لذلك يرى بعض الاختصاصيين وجوب تسمية هذه الأقوام بالأقوام العربية لتشمل كل من سكن الجزيرة العربية وهاجر منها لأن العرب والساميين شيء واحد".(9)

ويتفق مع أحمد سوسة العالم الفرنسي بيير روسيه (Pierre Rossi) في كتابه "وطن إيزيس تاريخ العرب الصحيح" فيقول: "إن التسمية السامية خالية من كل معنى، لدرجة أن الموسوعة الإسلامية نفسها - التي نسبت العرب للساميين- لم تفرد لكلمة سامية مادة في فهرس موادها.. إن كلمة سامية لا أثر لها في المعجم اليوناني ولا في المعجم اللاتيني.. لو أن اليونان لم يتكون في الثقافة العربية لما ظهر البتة أرسطو إلى الوجود، إن اليونان لم يكن سوى شرفة أو ملحق للبناء العربي بالشرق.. إن روما أسست في بوتقة الثقافة العربية.. لا بد أن نحدد العروبة كثقافة وحيدة للشرق..".(10)

العالم اللغوي الجزائري عبد الرحمن بن عطية في كتابه الأخير بالفرنسية، المعنون بـ"العرب والهندو أوروبيون: هل تكلم الهندو أوروبيون العربية في الأصل" والصادر في الجزائر سنة 2008، يثبت فيه من خلال المؤرخين الأوروبيين والنقوش المكتشفة بأوروبا، أن أوروبا قبل غزو القبائل الهندو أوروبية في نهاية القرن الثاني قبل الميلاد، كانت تتكلم اللغات العروبية، (أي السامية وفقا للمصطلح غير العلمي). فقد انتشرت اللهجات العروبية ابتداء من الأكادية، فالبابلية، فالكنعانية وغيرها. ويذكر أن "لاروس الكبير الموسوعي يضع النقوش الفينيقية ابتداء من الألف الثالثة ق. م، ويحدد أن نقوش النصوص الهوريغليفية البابلية تحمل تواريخ بين 2100 و1600 ق. م، المحفوظة على حجارة أو برونز بحروف توحي بالهوريغليفية المصرية وأخرى بالأبجدية الفينيقية".

ويذكر ابن عطية أن وادي الهندوس يضم شعوبا تحمل اسم "عربيتا" كما تحمل شعوبا بالبنجاب بباكستان اسم "عربي" مثلما أورد المؤرخ L.de la Vallée-Poussinالذي يؤكد أن هذه الشعوب ليست هندو أوروبية. ويقول ابن عطية إن اللغة العروبية الأمازيغية كانت منتشرة بالقوقاز وإيبيريا ويسميها اللغة البربرية الإيبيرية.

ومن الغريب أني عندما كنت طالبا بجامعة القاهرة سمعت أرمنية تقول لرفيقتها: "أوقور" فسألتها ما معناها فقالت: تعالي، ونفس الكلمة بنفس النطق تعني بالأمازيغية اذهب.

اسكندر المقدوني يلقب في القرآن الكريم بذي القرنين، الحروف الثلاثة لاسم اسكندر (إسك) وتعني بالأمازيغية القرن.(11)

 ولقد وجد نقش كنعاني فينيقي في البرازيل في "بارايبا" سنة 1874م، ويذكر المؤرخون أنه كتب في القرن السادس قبل الميلاد. وقد تمكن العالم السوري المتخصص في الخطوط العروبية (أي العربية القديمة) الأستاذ الدكتور بهجت قبيسي من قراءة للنقش وتحويله إلى حرف الجزم العدناني.(12)

 

 الكنعانية اللغة الفصحى بالمغرب:

أدت اللغة الكنعانية الفينيقية قبل الإسلام بالمغرب العربي دور اللغة الفصحى، محاطة باللهجات الأمازيغية العروبية القحطانية الشفهية، كانت اللغة المكتوبة: لغة الحضر، والعبادات، ودواوين الدول الأمازيغية، فموسوعة يونيفرساليس الفرنسية تقول: "صارت اللغة البونيقية اللغة المشتركة لا يتحدث بها القرطاجيون فحسب، لكن يتكلم بها سائر سكان المدن؛ بل كانت لغة الملوك الأفارقة أنفسهم، مثلما تشهد على ذلك العملة المضروبة في عهد مِسَنْ سِنْهثمْ (ماسينيسا) وسيفاكــس".(13)

دمر الرومان مدينة قرطاج سنة 146 ق. م، واستمروا يحكمون المغرب العربي ثمانية قرون دون أن تتمكن لغتهم اللاتينية من التغلغل في الذات المغاربية، واستمرت اللغة الكنعانية هي السائدة بشمالي إفريقيا، حتى الفتح الإسلامي، حيث حدث الربط بين الكنعانية والعدنانية التي أتى بها القرآن الكريم، وهذا هو الذي يفسر لماذا انتشرت اللغة العربية بسرعة بالمغرب العربي.

ويحدد سيطرة اللغة الكنعانية على الحضر والساحة الثقافية قبل الفتح الإسلامي العالم الفرنسي هنري باسيه (H.Basset) بسبعة عشر قرنا يقول: "إن البونيقية لم تختف من المغرب إلا بعد دخول العرب، ومعنى هذا أن هذه اللغة بقيت قائمة هذه المدة بالمغرب، سبعة عشر قرنا، وهو أمر عظيم".(14)

 يمثل أبو ليوس المولود سنة 80 ميلادية في مدينة مداوروش بالشرق الجزائري، والمقيم بليبيا والمتزوج بسيدة ليبية، الكاتب العروبي الأصيل؛ كان يكتب بالكنعانية وباللاتينية، وما وصلنا من كتاباته باللغة اللاتينية، أشهر كتاب له "الحمار الذهبي" الذي ترجمه الدكتور علي فهمي خشيم تحت عنوان "الجحش الذهبي" والكاتب الجزائري أبو العيد دودو تحت عنوان "الحمار الذهبي" وهي أول رواية في تاريخ الرواية بالعالم، وتروي قصة إنسان مُسخ حمارا، واستمر يناضل إلى أن استعاد صفته البشرية. وقد حللت ذلك في كتابي "الجزائر في التاريخ" بما يلي: "المثقف المغاربي المُتَرَوْمِنُ تحول بالرَّوْمَنَةِ إلى حمار، ويقصد سائر مظاهر الثقافة الرومانية باحثا عن عودته لأصله البشري، فتفشل، فيقصد في النهاية الربة الشرقية المصرية إيزيس، فتتمكن من إعادته إلى بشريته".

ومعنى هذا أن المثقفين المغاربة المترومنين تحولوا بثقافتهم إلى أحمرة، وأن عودتهم لأصلهم البشري لا تتحقق إلا بعودتهم لمشرقيتهم. وقد أدرك الرومان ما يرمي إليه أبو ليوس فحاكموه ودافع عن نفسه في كتاب عنوانه "دفاع" اعتبره النقاد في مستوى واحد مع كتاب شيشرون اللاتيني.(15)

والمثل الثاني هو الأب دونا الذي عاش بالقرن الرابع الميلادي، المولود بمدينة نقرين شرقي الجزائر الحالية، كان أكبر قسّ مسيحي لمدة أربعة عقود، ثار على استغلال الرومان للمسيحية في تثبيتهم لاستعمارهم بشمالي إفريقيا، فقال قولته المشهورة: "لا علاقة للمسيحية بالإمبراطورية، الله أرسل المسيح لإنصاف المظلومين من الظالمين". فنفاه الرومان إلى إسبانيا حيث مات في سجونهم سنة 355م. وكون أتباعه مذهبا مسيحيا سموه باسمه (الدوناتية) ناضل ضد الاستعمار الروماني، ونشر الثورة بين الفلاحين الأمازيغ الذين سرق منهم أرضهم الكولون الإقطاعيون الرومان وكونوا منها اللوتيفوندات وهو اسم المزرعة الرومانية. كان الدوناتيون يصلون بكنائسهم بالكنعانية الفينيقية، بينما يصلي الرومان في كنائسهم الكاثوليكية باللاتينية، وهذا يؤكد عروبة الأمازيغ وسكان المغرب العربي عبر التاريخ.

الأب دونا كان يصلي بالكنعانية ويخطب في الجماهير بالأمازيغية. ومن الغريب أنه في نفس القرن ظهر قسّ أمازيغي اسمه أريوس في برقة بليبيا التي كانت تسمى قورينا (CYRENAIE) وكون مذهبا مسيحيا نسب له (الأريوسية) توفي سنة 336م؛ أي قبل تسعة عشر عاما من وفاة دونا، ومن غير شك فإن تنسيقا ما كان قائما بين أريوس ودونا الأمازيغيين، هذا بالجزائر الحالية وذاك بليبيا الحالية ثم بالإسكندرية تحت الاستعمار الروماني. وتتفق الأريوسية، مع الدوناتية في الطبيعة الواحدة للمسيح، أي في نكران صفة الألوهية عن المسيح، ويرتبط المذهبان بمذهب الأنطاكية مذهب بولس الأنطاكي السميساطي الموحدة أيضا.

وفي أثناء بعث الإسلام في القرن السابع الميلادي، كانت الأريوسية منتشرة بالشام وبشمال الجزيرة العربية، وفي مراسلة محمد صلى الله عليه وسلم لهرقل، إمبراطور الرومان، ذكر سيد المرسلين الأريوسية.

من أراد الاستزادة عن الأب دونا فليطلع على بحث مطول عنه نشره المؤلف في حولية مجمع اللغة العربية الليبي العدد السادس.(16)

ومالنا نذهب بعيدا فسبطيم سفير الإمبراطور الروماني العروبي الذي حكم العالم من مدينة لبدة بليبيا في القرن الثاني الميلادي، كان يتكلم في بيته الكنعانية، وغيره من الأباطرة الرومان العرب التسعة، الذين كانوا كنعانيين يتكلمون الكنعانية.

__________________

9. أحمد سوسة، مرجع سابق، ص 18.

10.Pierre Rossi La Cité D’ISIS: Histoire Vraie des Arabes,Paris 1976 P 12,18,24,29-33

11.Dr Benatia Abderrahmane: Arabe et Indo-Européens , Alger 2008 , P16-18

12. عثمان سعدي: الجزائر في التاريخ، تحت الطبع.

13.عثمان سعدي: بحث عن اللغة الكنعانية بالمغرب العربي. كتاب مجمع اللغة العربي بليبيا: النقوش العروبية

القديمة في المشرق والمغرب، صفحة 247، طرابلس 2007.

14.H.Basset: Les influences Puniques Chez Les Berberes Revue Afriquaine V62 P340.

15. عثمان سعدي: الجزائر في التاريخ، تحت الطبع.

16. حولية مجمع اللغة العربية بطرابلس عدد 6، صفحة 217.

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

الآن في المكتبات

فيديو

المتواجدون الآن

حاليا يتواجد 1 زائر  على الموقع