القدس بشطريها المحتلين مدينة عربية إسلامية (1 / 3)
الاثنين, 05 أغسطس 2013 23:22

 

د. غازي حسين


altتعتبر مدينة القدس مدينة المسجد الأقصى المبارك من أهم الأماكن المقدسة التي ارتبط بها العرب والمسلمون على مر العصور. فالقدس عندهم رمز الأرض والوطن والقومية والدين، ومدينة الإسراء والمعراج، وأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ومهد السيد المسيح، وجوهر قضية فلسطين والصراع العربي الصهيوني وتحتل القدس مكانة مركزية في قضية فلسطين لأهميتها الدينية والتاريخية عند العرب من مسلمين ومسيحيين، وعند المسلمين في جميع أنحاء العالم.

فالعرب هم أول من أسس المدينة حوالي 3000 ق. م، ومن اسمها العربي أوروسالم جاء اسمها الحالي جيروزاليم.

وجاء الفتح الإسلامي للقدس على يد الصحابة. وحرروها من الرومان. واستلم الخليفة عمر بن الخطاب مفاتيح المدينة من بطريرك القدس الدمشقي سفرونيوس.

ووقع العهدة العمرية للبطريرك وضمنها شرطاً بناء على طلبه وهو أن لا يسكنها اليهود.

وحافظت على طابعها العربي الإسلامي حتى إبان احتلال الفرنجة لها الذي دام حوالي مائتي سنة. واستعادها صلاح الدين الأيوبي سنة 1187م. واستولى عليها العثمانيون في العام 1517م.

وأعاد سليمان القانوني بناء سور المدينة وطوله أربعة كيلومترات مربعة وارتفاعه اثنا عشر متراً وله ثمانية أبواب، ووصلت فيما بعد إلى 14 باباً.

وبنى المسلمون العديد من القباب والمآذن والأروقة والأبواب والسبل في صحن الصخرة المشرفة وبجوارها وفي ساحة الأقصى وحوله.

وبنوا في مختلف العهود الإسلامية مساجد بلغت 34 مسجداً معظمها داخل المدينة القديمة وعدداً كبيراً من الزوايا يؤمها الحجاج من مختلف البلدان الإسلامية، كالزاوية النقشبندية للحجاج القادمين من أوزباكستان، وزاوية الهنود للحجاج القادمين من الهند، والزاوية القادرية للحجاج الوافدين من أفغانستان، ولكل زاوية أوقاف ومسجد وغرف نوم.

وأنشأ المسلمون مدارس لطلب العلم بلغت 56 مدرسة. وأصبحت المدينة غنية بالأبنية والنقوش والزخارف الإسلامية والقناديل النادرة.

أما الآثار المسيحية العربية، فهي آثار السيد المسيح والحواريين والشهداء، ولا مثيل لها في أي بقعة من بقاع العالم ومنها: كنيسة القيامة، وطريق الآلام، وما شيدت فيه من كنائس.

فالمدينة القديمة مملوءة بالمساجد والكنائس والمدارس والزوايا والمقابر. وأسندت حراسة كنيسة القيامة، وهي أعظم المقدسات المسيحية في العالم إلى أسرتين مسلمتين مقدسيتين ومعهما مفاتيح الكنيسة.

إن تاريخ المدينة يثبت أنها مدينة عربية إسلامية، أسسها العرب، ودمرها الرومان ثم شيدوها. وازدهرت في العهد الإسلامي. فهي بحكم التأسيس والبناء والتاريخ مدينة عربية إسلامية. وتاريخها لا ينفصل عن تاريخ فلسطين وعروبتها والأطماع الاستعمارية واليهودية في أهميتها الدينية والإستراتيجية والسياسية والتجارية منذ القدم.

حكم المسلمون القدس ثلاثة عشر قرناً. وكانت اللغة العربية، لغة القرآن الكريم هي السائدة حتى إبان الحكم العثماني. فالحضارة التي عرفتها القدس ترجع إلى فترة الحكم الإسلامي فيها.

كان سكان المدينة عرباً لساناً وحضارة. وكان رؤساء بلدية القدس خلال المائة سنة الأخيرة قبل احتلال اليهود للشطر الغربي من المدينة في عام 1948 عرباً منهم: حسين الحسيني، موسى كاظم الحسيني، راغب النشاشيبي، مصطفى الخالدي وحسين فخري الخالدي.

وظلت القدس عربية الغربية منها والشرقية، أي القدس القديمة والجديدة بعدد سكانها وملكيتها ورئاسة البلدية فيها وما يحيط بها من قرى إلى أن جاء قرار التقسيم رقم /181/ وحرب عام 1948 التي أشعلتها العصابات اليهودية الإرهابية المسلحة.

 

الأطماع اليهودية في القدس

 

طالب الاستعمار والصهيونية بتأسيس دولة لليهود في فلسطين انطلاقاً من مصالحهما الاستعمارية ومن المزاعم والأكاذيب التي رسخها كتبة التوراة والتلمود، كأسطورة أرض الميعاد وأكذوبة الحق التاريخي المزعوم لليهود بالقدس وفلسطين ومعزوفة اللاسامية والهولوكوست.

وانطلقت الصهيونية لدعم مزاعمها الاستعمارية من وعود يهوه لشعبه المختار، وهو زعم أو ادعاء ديني، والدين ليس مصدراً من مصادر القانون الدولي، فلا يجوز الاستناد إليه في المطالبة بمصادرة الأراضي والممتلكات الفلسطينية وترحيل الشعب الفلسطيني وإقامة دولة يهودية عنصرية على أنقاض فلسطين العربية.

إن جميع الأسباب التي يوردها الصهاينة حول أرض الآباء والأجداد التي يتحدث عنها نتيناهو لا تشكل حقاً من الحقوق إذا انطلقنا من القانون الدولي الذي كان سائداً في الماضي أو في الحاضر فالوعود اليهودية والبريطانية والاضطهاد الذي لقيَه اليهود في أوروبا، لا يمكن أن تشكل حقاً من الحقوق؛ كانت فلسطين منذ فجر التاريخ وقبل وصول العبرانيين إليها كنعانية، أي عربية. واعتنق سكانها الديانة المسيحية إبان الإمبراطوريتين الرومانية والبيزنطية ولم يغيّر ذلك من طابعها العربي.

واحتفظت بطابعها العربي الإسلامي بعد الانتصارات العربية في القرن السابع. فاليهود انطلاقاً من روايتهم لم يكونوا أول من سكن فلسطين، وإنما هم دخلاء عليها غرباء عنها، وانتهى كيانهم السياسي فيها منذ أن احتلها الرومان.

كيف يمكننا أن نتصور عالم اليوم لو أعدنا عقارب الساعة (3000) سنة إلى الوراء؟ منذ ذلك الوقت لم يبق لليهود صلة بفلسطين وسقط حتى التذرع بالحق المزعوم لهم فيها. ويتذرع الصهاينة والاستعماريون في المطالبة باستعادة القدس وبناء الهيكل المزعوم في صلواتهم، ولكن هذا العنصر عنصر ديني وليس سياسياً، وبالتالي لا قيمة قانونية له على الإطلاق لذلك أكد المؤرخ الإسرائيلي شلومو ساند الأستاذ في جامعة تل أبيب في 8/12/2009 "أن" إسرائيل، قامت على أسس ومبررات وذرائع واهية لا أساس لها من الصحة، وإن ولدت بفعل اغتصاب أرض الفلسطينيين المواطنين الأصليين سنة 1948.

إن استغلال الصهيونية العالمية الخرافات والأكاذيب والأطماع اليهودية التي رسخها كتبة التوراة والتلمود لتبرير الاستيلاء على القدس وفلسطين ليس إلاَّ استعماراً استيطانياً مغلفاً بقناع ديني صهيوني، وليس للادعاء الكاذب بملكية اليهود لحائط المبكى ولقدسيته المزعومة في نظري أي قيمة.

لقد حوّل القادة الصهاينة والحاخامات الدين اليهودي إلى سلاح لسلب الفلسطينيين، سكان فلسطين الأصليين وأصحابها الشرعيين حقوقهم في وطنهم فلسطين. وسخروا الدين في خدمة الاستعمار الاستيطاني اليهودي وخدمة الأطماع الاستعمارية السياسية والاقتصادية لدولة اليهود والإمبريالية الأمريكية، لفرض هيمنة الصهيونية العالمية على البلدان العربية والإسلامية وعلى بقية بلدان العالم.

صنع الحاخامات والقادة الصهاينة أهمية بالغة لمدينة القدس ورسخوها في نفوسهم ونفوس مؤيديهم بسبب مكانتها الدينية والسياسية لدى العرب من مسلمين ومسيحيين ولدى المسلمين في جميع أنحاء العالم، لتحقيق الأطماع الصهيونية ولإذلال العرب والمسلمين وإخضاعهم والسيطرة عليهم.

خططت الصهيونية منذ تأسيسها لتهويد الأماكن الإسلامية والمسيحية في القدس حيث كتب هرتسل مؤسس الحركة الصهيونية قبل تأسيس الكيان الصهيوني بخمسين عاماً قائلاً:

"إذا حصلنا يوماً على القدس وكنت لا أزال حياً وقادراً على القيام بأي شيء فسوف أزيل كل شيء ليس مقدساً لدى اليهود فيها وسوف أحرق الآثار التي مرت عليها قرون".

وجاء في دائرة المعارف اليهودية تحت كلمة الصهيونية "أن اليهود يبغون أن يجمعوا أمرهم وأن يذهبوا إلى القدس ويتغلبوا على قوة الأعداء وأن يعيدوا العبادة إلى الهيكل ويقيموا مملكتهم هناك".

ويزعم قادة الصهيونية والحاخامات ورؤساء الأحزاب الصهيونية "أن المسجد الأقصى القائم على قدس الأقداس في جبل الهيكل إنما هو لليهود".

لقد أعلن بن غوريون بعد تأسيس الكيان الصهيوني "أن لا معنى لإسرائيل دون القدس ولا معنى للقدس دون الهيكل".

ووصلت الأطماع الوحشية اليهودية حداً طالب فيه بن غوريون مؤسس الكيان الصهيوني في كلمة ألقاها في العشرين من حزيران عام 1967 بهدم سور القدس التاريخي للأسباب التالية:

أولاً: لأننا نريد قدساً واحدة لا اثنتين يهودية وعربية.

ثانياً: يجب هدم السور فهو غير يهودي، إذ بناه سلطان تركي.

ثالثاً: سيكون لهدم السور قيمة سياسية عالمية إذ عندها سيعرف العالم أن هناك قدساً واحدة يمكن أن تعيش فيها أقلية عربية.

حاول اليهود في آب 1929 إبان الانتداب البريطاني الاستيلاء على حائط البراق، أي الحائط الغربي لحرم المسجد الأقصى، وهو ما يسمونه بحائط المبكى فتصدى لهم العرب واندلعت ثورة البراق.

نص قرار التقسيم رقم /181/ والذي بموجبه أقيم الكيان الصهيوني على الوضع القانوني لمدينة القدس ككيان منفصل تحت نظام دولي خاص تشرف عليه الأمم المتحدة وبالتحديد مجلس الوصاية الدولي، وحماية جميع الأماكن المقدسة وعدم المساس بالحقوق المكتسبة فيها ولكن الأمم المتحدة فشلت في حماية القدس ومواطنيها والأماكن الإسلامية والمسيحية المقدسة فيها بسبب الأطماع اليهودية والانحياز الأمريكي والأوروبي للكيان الصهيوني ومعاداتهم للعروبة والإسلام.

 

ملكية حائط المبكى المزعوم

 

حاول اليهود في آب 1929 الاستيلاء على حائط البراق، أي الحائط الغربي لساحة المسجد الأقصى بحجة أنه جزء من هيكل سليمان المزعوم وبدعم من حكومة الانتداب البريطاني.

تصدى الفلسطينيون لمحاولتهم واندلعت ثورة البراق. وعرضت حكومة الانتداب القضية على عصبة الأمم.

وجاء في قرارها الصادر في كانون أول 1930 ما يلي:

أولاً: للمسلمين حق الملكية وحدهم، دون منازع في امتلاك الحائط الغربي (البراق) كجزء لا يتجزأ من منطقة الحرم الشريف.

ثانياً: تعود ملكية الساحة أمام الحائط الغربي للمسلمين أيضاً وكذلك حي المغاربة المجاور والمقابل، الذي يعتبر وقفاً ثابتاً وفق الشريعة الإسلامية.

وهكذا جاء قرار لجنة التحقيق الدولية ليؤكد بجلاء أن ما يسميه اليهود بحائط المبكى هو وقف إسلامي لا علاقة له بهيكل سليمان المزعوم ولا يمت لليهود بصلة.

وسمح المسلمون لليهود بدافع من تسامح الدين الإسلامي بالبكاء وقوفاً أمام حائط البراق منذ عام 1930.

 

في الحلقة القادمة: احتلال اليهود للقدس الغربية

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

الآن في المكتبات

فيديو

المتواجدون الآن

حاليا يتواجد 1 زائر  على الموقع