| مجالس الشنافي وأخلاقه |
| الثلاثاء, 06 أكتوبر 2015 08:11 |
|
ملف خاص في الذكرى الثالثة لرحيل العالم والمفكر الكبير محمد ولد مولود ولد داداه (رحمه الله) أبو إسحاق الدويري
في مجلس العلامة اباه ولد عبد الله حفظه الله ليلة السبت في منزله الرحب بذات النبوغ – حرسها الله- تتزاحم أنواع شتى من محرَّر المنقول ومقرر المعقول، وغالبا ما تستبد مستجدات الساحات العلمية الإسلامية من بغداد إلى الرباط بذلك المجلس المغبون مَنْ حُرمه، في إحدى الليالي كان موضوع الجلسة تقويما لمكتوب التاريخ الموريتاني فذكر اسم محمد ولد مولود ولد داداه فأثنى عليه الشيخ اباه بقول عاطر واصفا إياه بالدقة والتحرير وعمق النظر والتحليل، وكان شيخنا اباه يقتصد في الحديث حين يقوِّم الرجال، وأنهى ثناءه عليه بتصنيفه ضمن طبقة العلامة المختار ابن حامد رحمه الله في التاريخ؛ وذلك غاية المنتهى لمن شدا شيئا من تاريخ بلاد البيظان، تاقت نفسُ من عرف دِقَّة لمرابط اباه ولم يحظ بلقاء ابن مولود بعدُ إلى لقياه والنهل من معين علمه.
2 حين تُخبَّر عن أي شخص تنطبع في ذهنك صورة محددة عنه من خلال المسموع، وقد انطبعت في ذهني صورة عن رجل من أهل بوتلميت يَعرفْ شِ، والأقرب في الذهن أن يكون ذا شبه بهيئة طلاب الشيخ عبد الله ولد داداه المعروفة، غير أن تلك الصورة تبددت حينما رأيت رجلا فارع القامة ذا شارب مشذب يضع فوق منكبه لثاما أسود، يجلس في وزارة الثقافة يقرأ عددا من جريدة "الأمل الجديد" حييته محاولا تقبيل يده إجلالا لعلمه وسنه فنزعها قائلا: هذه التصرفات لا يعبأ الله بها، كان ذلك اللقاء دينا للأستاذ الباحث محمد يحيى ولد احريمو، وما تلك بأول بركات آله! تجوذبت أطراف الحديث حول خصائص التسمية في الجهات الموريتانية ثم جاء الحديث عن غزو السعديين لتينبكتو وأسرهم لعلمائها وعلى رأسهم العلامة أحمد بابا رحمه الله، وما لقوا في تلك المحنة من ظلم وجور، وعن المنح التي كانت في طياتها كلقاء علماء المغرب وتبادل الأسانيد معهم، ختم الشنافي حديثه عن العلاقة بين العالم والسلطان قائلا إنه لا فرق بين عالم السلطان و"النادل" فعالم السلطان آلة تحركها رغبات متسلط يحكم بالقوة، بينما المفروض أن يتحكم فيه ما بين جنبيه، وبه يسوس السلطان؛ لكنها معادلات القوة ومنحنيات التاريخ الإسلامي الذي حن مسرعا إلى التصالح بين القوة والسلطان لسابق الألفة بين الاثنين في الأنظمة السياسية السابقة التي أثرت في مسار فكرنا السياسي تأثيرا سلبيا غالبا لا يزال التخلص منه مستعصيا على طول العهد ووفرة التجارب والعبر.
3 لا عجب أن يكون في حديث الشنافي شجا عن المتسلطين بالقوة، وعمن يشايعهم من الكهنة فهو حافظ للتاريخ الإنساني وتضاريسه مع رؤية نقدية لا تبخل عليه بحسن الاعتبار، وقد عانى هو نفسه من إقصاء فرضه رجال انقلاب 10 من يونيو فأقام في معتكفه العلمي بقريته الوادعة عين السلامة ليسلم عرضه وليصون علمه من أن تدنسه المطامع فـ"يتجهم" محياه، وما كانت علاقة الشنافي بنظام ابن عمه المرحوم الموقر إلا علاقة ضرورة، فمفتاح شخصية الشنافي هو التحصيل العلمي الذي توجه له مبكرا جدا في "المدينة الفاضلة" أبي تلميت، وبين أسرة جمعت السيادة والعلم المحقق مع أبعاد تربوية عميقة عليها من معالم التداخل القادري الشاذلي ميسم تَصالحَ مع سلفية الشيخ سيديا الثاني الإصلاحية، ولولا خداع التاريخ وظلم الجغرافيا لقدم الشيخ سيديا بابا على كثير ممن عُدُّوا إصلاحية عربية في المشرق والمغرب؛ فهو باللقب أجدر وله أنسب، لتحصيله العلمي الأصيل الذي أضاف له تعمقا في الوحيين اللذين لم يكن أهل تلك البلاد مهتمين بهما عملا واستنباطا، مع اطلاع واسع على المشكلات المعاصرة، مع تحليل منطقي حسب تقويم الرائد افرير جان. كما مارس السياسة الداخلية والخارجية بكفاءة قيادية عالية وبعد نظر جمع بين مثاليات النصوص الإسلامية وحتميات الواقع المتفلت في بلاد السيبة. في مناخ بابا الإصلاحي هذا نشأ حفيده الشنافي ومنه أخذ كره التقليد حدَّ الاستهزاء؛ فكان يسمي كثيرا من قارئي المتون الفقهية عندنا بـ"متفقهة البدو" ولا شك أن هذه الرؤية النقدية التي تنحو نحوا تحرريا واضحا اتسعت مع الزمن، وصقلتها تجاربه الدراسية في الغرب، ورشدتها كثرة مقروءات الشنافي في التراث الإسلامي وإن بقي طول حياته مغتطبا بعدم توغله في الدرس الفقهي الموغل في التقليد؛ فقد سأله صديقنا الباحث أحمدو بزيد في سنتيه الأخيرتين؛ هل درس "مختصر خليل" فقال معاذ الله!! مكتفيا بما درسه الفرنسيون من تاريخ نظريات الفقه.
4 بين كورة جيان الواسعة بالأندلس وغوطة دمشق الفيحاء – رفع الله عنها البلاء- كتب ابن مالك ألفيته السائرة وأراد نحوي بالمغرب الأقصى شرحها، (والمغاربة بتراث الأندلسيين أدرى) لكنه وجد عند أهل العراق بيتا ثامنا للخطبة ينشده أحد طلابهم (ويأتيك بالأخبار من لم تزود) فبينما كنا نذاكر أخبار الشنافي بمنكب الدنيا الشرقي ورد علينا باحث من أهل إگيدي يروي من نوادر الشنافي ثمانين خبرا متصلة السند فأوقد نار شوق ما انطفأت من قبل، وإلى هذا الباحث الأستاذ أحمدو بزيد والأستاذ الباحث محمد يحيى ولد احريمو ترجع جميع مروياتي عن الشنافي فما لقيته إلا مع أحدهما فسموا لنا رجالكم!!
5 كان الشنافي راهب علم منقطع النظير، سخر كل شيء في سبيل تحصيله؛ فما كانت السفارة والولاية إلا وسيلة لتتبع آثار العرب القدماء في جنوب جزيرة العرب، أو تتبع آثار ذوي المآثر من أولاد امبارك في الحوضين. ثم إنه كان من القلائل الذين واأموا بين الموسوعية والتدقيق؛ فما كان شيخنا يحدث بـ"الأغاليط" ولا يتعالم، بل يكره التعالم ويقمع أهله بصوته الجهوري الرزين. وكان وقورا حين يتحدث، يكره المقاطعة ويحسن الاستماع، أحاديثه تأسر المتلقي أسرا، فقد تكونت لديه ملكة الإلقاء الممتع بسبب اهتمامه بالتراث الشفهي للبيظان الذي جمعه من رواة مختلفي الثقافة كلويلد ولد دندني والقاضي الشيخ المحفوظ ولد بيه الذي يُكنُّ له ولابنه العلامة عبد الله احتراما مقدرا. اهتمامه بالمرويات الشفهية وخلفيته اللسانية وممارسته اللغات كونت لديه ملكة بضبط الأعلام وتحديد جهاتها، فلا تكاد تخطئ في مجلسه في لفظ علم حتى ينهرك بالتصويب، وقد كان مغتبطا بصدور فتح الشكور بتحقيق موريتاني قائلا: "ها قد تحررت ثقافتنا وضبطت أعلامنا من تحريفات ذو الناس". كان يرى أن أجمل الشعر شعر الفرس، وإن كان لا بد من قراءة شعر عربي فليعتن الناس بـ"غناء" البحتري، أما المتنبي فما أطاق كبرياءه وكان يرميه بالباطنية والقرمطة تبعا لبعض أساتذة الاستشراق. حدث أنه كاد يحضر صالون العقاد غير أن موانع منعته من ذلك، وكان يفضل عليه طه حسين ويراه أكثر ثراء وتحررا من صاحب العبقريات، ولكل وجهة هو موليها! كان منزعجا من تشدق العرب بابن خلدون ونظرياته مع عجزهم عن طبع المقدمة طبعة تليق بها، وكان كما روى "الإمام أحمدو في مسنده" يرى الاكتفاء بالمقدمة فقط من تراث ابن خلدون ذي الأهواء المتقلبة والغدر المتتابع!!
أخلاق شيخنا
نقرأ في تراجم الأقدمين عن مناقب بعض الأئمة والعلماء فنظن بعضا من تلك الصفات من خيالات المترجمين أو مثاليات السابقين؛ سيما في عصر الماديات هذا والتسابق نحو الظهور والتشبع بما لم نعط. من أحب أن يرى قول الإمام القرشي مجسدا أو يرى مثال الفراهيدي حيا فليتأمل سيرة الشنافي. يقول الشافعي: "وددت أن الناس تعلموا هذا العلم (يعني كتبه) على أن لا ينسب إلي منه شيء" (سير أعلام النبلاء 10/ 29) أما الخليل بن أحمد؛ فقد "أَقَامَ .. فِي خص بِالْبَصْرَةِ لَا يقدر على فلسين وتلامذته يَكْسِبُونَ بِعِلْمِهِ الْأَمْوَال" (بغية الوعاة 1/ 558). هكذا كان الشنافي في معتكفه بعين السلامة؛ تحمل بعمله الألقاب العلمية ويتبجح المتحدثون، وهو هناك غارق بين كتبه ومذياعه لا يبالي أنسب له أم نسي، كما أنه كان شديد الاحتفاء بمن يؤنس فيهم ذكاء ونبوغا كأحمدو ويحيى، فقد كان يسأل عنهما سؤال الصديق عن صديقه في نوع من التواضع غير المتكلف به اشتهر الشنافي. كما أنه كثير التفكر لا ينفك قارئا أو متأملا، والتفكر عبادته المفضلة، ورحم الله آده: وأفضل العبادة التفكر** وخيره الفنا المقام الأكبر. وهل بعد هذا فناء؟
في لقاء الوداع آخر مرة جئته مع يحيى والأستاذ محمد المختار ولد الدمين مدير الجزيرة نت، وكانت جلسة هادئة عاتب فيها يحيى على عدم كثرة الزيارات، وقد بدئ الحديث فيها عن لغة المسند المنتشرة في الآثار اليمنية وقد تحدث الشنافي حديث العارف المجرب بالمعاينة والمدارسة حديثا شيقا كالعادة، حاولت أن استفسر هل لغة المسند هي المقصودة بقول السيوطي وغيره: هذه لغة حميرية؟ فنهرني قائلا: "اسكت السيوطي اشيعرف!" ثم استدرك أن السيوطي مجاله النقليات والمرويات. ثم إن أحدنا سأله عن تقويم مشروع الدولة الوطنية الموريتانية؛ خيارات ومكتسبات ومستقبلا، فتحدث حديث الساخط على الحاضر والمتفائل بوجود مقومات وخصائص لو استثمرت، لكن أين المستثمرون؟ بين 1922 و2012 تسعون حولا قضاها الشنافي وما سئم من التحصيل والمدارسة والتفكر. أثابه الله ورفع درجته في عليين. بعد وداعه نبهنا الأستاذ الدمين أن ذوي العقول الكبار لا يسألون إلا عن الكليات النظرية، فهل يعتني طلاب الكليات بميراث الشنافي؟ ومتى يصدر طلابه المقربون دراسات تليق بجلال ومجالس شيخهم الشهم؟!! |
