محاضرة الشيخ عبد الله بن الشيخ المحفوظ بـن بيه و"تنبيه المَراجع على تأصيل فقه الواقع" (ح 2/ 8)
الثلاثاء, 13 مايو 2014 08:39

altمفاهيم كثيرة صنفناها في خمسة مجالات: في المجال السياسي، في المجال الاقتصادي، في المجال الاجتماعي، في مجال العلاقات الدولية، في مجال الاكتشافات العلمية. هذه خمسة مجالات.

انطلقنا من هذا مستلهمين من النصوص الشرعية، من الشريعة نصوصا وقوانين، نستنبط من رحم الشريعة الحلول لهذه القضايا، وليس من خارجها أبدا. فنتعامل مع المقاصد المعتبرة، نأخذ بوسائل الاعتبار؛ هل هذا المقصد معتبر شرعا؟ علة معتبرة أم ليست معتبرة؟ مسالك العلة؛ هل هي من المسالك المعتبرة أم ليست معتبرة؟ وما هي مرتبتها في الاعتبار؟

حاولنا أن نضع أمامنا خريطة واضحة لكل المفاهيم الشرعية التي وضعها الأولون، وأن نتعامل معها على ضوء الواقع الذي نعيشه، وأن نصحح الواقع الإسلامي بناء على الشريعة الإسلامية. هذا هو التحدي! أن نعمل لتقديم الحلول من داخل الشريعة لأن الكثير من هذه المفاهيم ملتبس على الناس. ولهذا ارتأينا أن تقوم نخبة {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم} أن يتفقه هؤلاء فيما بينهم، طبعا لا أحد يزعم أنه يفقههم، لكن ربما يُذَكِّر {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين} فإذا كانت مجموعة من خيرة علماء هذا البلد ومجموعة مثلها من المغرب، وبعض الإخوة من الجزائر أيضا، ومن مصر ومن السعودية ومن سائر بلدان العالم الإسلامي ثم بدأنا في هذه البرامج..

لكن الشيء الجديد هو أننا بعد الثورات شعرنا بانحراف شديد في المفاهيم وفي الطروح الفكرية وفي المسلمات. هذا الشعور تأكد يوما بعد يوم لأن سؤال "ماذا" كان أمامنا، ما الذي يحدث؟ دماء وأشلاء، خراب ودمار للديار، أرحام قطعت، حروب لها أبعاد غير مسبوقة. البعد التدميري لهذه الحروب، القدرة على إهلاك البشرية. البعد الزماني أيضا، الاستمرار والدوام. البعد المكاني،  تحركت في كل مكان بحيث لم يعد مكان من العالم الإسلامي في مأمن منها بالفعل أو بالقوة.

نسأل الله تعالى أن يؤمنكم ويؤمن سائر البلدان التي لم تكتو وتصطل بهذه الحروب. هذا البعد والاتساع المكانيان والبعد الزماني بالاستمرار والبعد في العمق؛ أي أنها مست روح الفكر والنفس، مست الإنسان في روحه وفكره وأصبحت المجتمعات منشطرة، فهناك انشطارات طائفية من إيران إلى لبنان إلى أي مكان آخر، وهناك مفاصلات أيديولوجية؛ الغرب الإسلام..

هذا كله أدى إلى شيء من الفزع ومن الاستنفار. وهذا الاستنفار هو استنفار في الطاقة الفكرية وليس استنفارا عسكريا؛ فنحن مجموعة من الذين يمكن وصفهم بالدراويش أو الناس الذين مهمتهم ليست حمل الأسلحة ولا حتى التحريض على ذلك. مهمتنا هي أن نفكر مع العلماء، مع الراشدين، مع أولي بقية حول هذا الوضع {فلو لا كان من القرون من قبلكم أولو بقية} يقول المفسرون: أولو عقل وتمييز.

هل ما نحن فيه هو مطلوب شرعا؟ هل البغضاء التي سادت العالم الإسلامي والانشطارات والاصطفاف والفسطاطات.. هل هذا هو المطلوب؟ أم أن المطلوب هو أن نبحث عما يسمونه بالمقاربات الأخرى، أو البدائل الأخرى، أو الطرق الأخرى، أو الدروب التي قد توصل إلى حلول؟

هذه كانت الأسئلة الأولى التي طرحناها بعد أن عرَفنا وعرَّفنا "ماذا" لأنه لا يحتاج؛ فماذا تتحدث عن نفسها، فالمشكلة واضحة أمامنا.

طبعا يبقى سؤال "لماذا".. لماذا هذا الوضع؟ هذا السؤال وجدناه عصيا في الحقيقة؛ فمن يحاول الإجابة على "لماذا" فإنه سيكون طرفا. لن يكون مظلة ولن يكون وسيطا، لأن الوسيط لا يكون خصما. ثم إن السؤال عن "لماذا" وهي تحمل قيمة، تحمل دعوى، يقتضي وجود الأهلية أولا؛ أي محكمة تحاكم الأطراف، وبالتالي تحكم على هذا، لأن "لماذا" تحمل العلة والسبب.

هذا الذي جعلنا بعد تفكير طويل، والإخوة هنا يعرفون ذلك لأنهم واكبوه. بعد تفكير واجتماعات مع العلماء ومع الفلاسفة أيضا؛ نحن أشركنا الفلاسفة. دعونا مجموعة من الفلاسفة للاجتماع بهم وقلنا لهم: أنتجوا شيئا. لا يمكن أن لا تهتموا بهذا الأمر «من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم» ولكن إذا نظرتم إلى أوروبا قبل مائتي سنة، إيمانويل كانت – وهذا فيلسوف ألماني- ألف كتابا عن السلام الدائم، مشروع كانت للسلام الدائم. لماذا أنتم لا تنتجون مشروعا؟

طيب؛ فليتكاتف العلماء والفقهاء والفلاسفة والنخبة المثقفة لإنتاج مشروع سلام للأمة الإسلامية.

إذا انتظرنا حتى نمر بكل ما مرت به أوروبا في مائتي سنة، بعد كانتْ مرت مائتا سنة، لأن خليفته هيغل كان سيئا - وربما كان هذا حكما قيميا- لأنه أتى بما يعرف بالجدلية، وهذه تقول إن الصراع هو الأصل وإنه المبدأ المحرك للبشرية، وإنه لا بد من حروب، وإن التدمير هو سبب للتعمير. وقامت على أساس هذا الفكر حروب استمرت إلى الحرب العالمية الثانية، وخاصة الألمان؛ لأنه كان متأثرا بهزيمة ألمانيا 1806 فجاء بعده كثير من الفلاسفة الذين نحوا نحوه.

لهذا أنا دائما أقول أحيانا لبعض إخواني: لماذا هذه الدعوة الدائمة إلى الصراع| أنتم تلبسون مبادئ هيغل لباس التقوى، وهذا ليس صحيحا! فالإسلام وضع كثيرا من الأسس للتسويات والحلول.

يقول العلماء إن الصلح يشمل أربعة أنواع، أو خمسة أنواع:

الصلح بين الدول المتحاربة التي ليست على دين واحد. مع ذلك الإسلام يقيم مسطرة ويقيم نظاما كاملا للمصالحة مع العدو الذي يحاربك على دينك، ويقيم أصولا للسلم {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها} بكسر السين لغير نافع والكسائي وابن كثير. هذه إشارة على الهامش لتوضيح المعنى.

كذلك الصلح يكون بين كل مختلفين؛ من الزوجين {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها} من البيت إلى الحرب مع الخارجيين إلى الديون والمنازعات في الأموال وفي الدماء، كل هذا يجعل الإسلام فيه صلحا. لا يقول: بمجرد كون الحق لي لا يجوز لي أن أتنازل. هذا ليس المفهوم الإسلامي. الإسلام دائما يبحث عن التنازلات. نحن نعرف الحديث الذي أصلوا فيه لقضية الديون، كان النبي –عليه الصلاة والسلام- في حجرته الشريفة فتخاصم رجلان –هما عبد الله بن أبي حدرد وكعب بن مالك- في دين، وكان كعب هو الدائن، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيته فكشف سجف حجرته فنزلت السكينة وهدأت الخصومة. قال: «يا كعب» قال لبيك يا رسول الله، فأشار بيده أن ضع الشطر من دينك، هذا حقه! ولكن مع ذلك أمره بالحط من أجل السلم والمصالحة. قال كعب بن مالك: قد فعلت يا رسول الله. فعلت! لم يتردد. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للآخر: «قم فاقضه».

لهذا قال الفقهاء الصلح يقع في الإقرار، يقع في كل شيء. يقع في الدماء {فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان} هذه المفاهيم غابت عن الناس فأصبحت قضية أن تتنازل.. التنازلات المتبادلة و{ادفع بالتي هي أحسن} والوصول إلى حلول، وقيم السلام والحكمة والعدل والرحمة والمصلحة أصبحت غائبة؛ بمعنى أن هذه المغالبات والحروب أحيانا لا تراعي المصالح، بمعنى أن الإنسان لا يجلس مع نفسه ليفكر هل هذه مصلحة أم لا؟ هذه النفوس والدماء التي تسيل هل هي في النهاية مصلحة؟ هذه ليست مصلحة! هل هي من الحكمة؟ ليست من الحكمة في شيء!

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

الآن في المكتبات

فيديو

المتواجدون الآن

حاليا يتواجد 1 زائر  على الموقع