| من يتهم من؟! |
| الأحد, 18 مايو 2014 08:59 |
|
بقلم: النائب البتول بنت عبد الحي
ولذلك فمن مصلحة الكل أن يكون تعايشا أخويا ومن يعكر صفوه سيتحمل وزره ولعنته دون أن يعفي ذلك غيره من الأضرار، على أن من فضل الحفاظ على ودية هذا التعايش لم يفعل منكرا ولم يُضع حقا يعاب عليه أو يجعله يرمى بالجبن أو الخوف. و"البيظان" بهذا المفهوم هي مجموعة مركبة من عدة مجموعات جزئية تجمعت حسب عامل حِرفي لا سلالي في الأصل ولكن التقارب في المكان والتشارك في المصالح فرضا ترابطا اجتماعيا تجذر مع الوقت؛ فابن الفلاح يتزوج ابنة فلاح وابن الراعي يتزوج ابنة راع وابن الصانع يتزوج ابنة صانع وابن المحارب يتزوج ابنة محارب وهلم جرا.. فتحولت العلاقات الحرفية إلى أواصر وعلاقات قرابة واتخذ التوزيع منحى سلاليا تطور بمرور الزمن إلى أن أصبحت كل مجموعة حرفية شبه مغلقة على نفسها وتضم مستويين على الأقل، لهما كذلك تراتبية كتراتبية المجموعات الأصل، ورغم هذا الانغلاق لم تزل جسور التواصل - بل والانتقال من مجموعة إلى أخرى- مفتوحة وبشروط تلقائية، والشواهد ماثلة على ذلك. وباستقراء الواقع نجد أن من احترف حرفة مجموعة ما يسهل عليه الاندماج مع أصحاب تلك الحرفة؛ فمثلا من تعلم العلم يمكن أن يدخل مجموعة الزوايا من بعض مداخلها المتدرجة، كذلك من أثبت جدارته في حرفة الحرب يمكنه أن يدخل مجموعة حسان بتدرج أيضا؛ فما إن يصل إلى الجيل الثالث حتى يصبح محسوبا في المجموعة على تفاوت في سهولة ذلك وصعوبته حسب نقطة المدخل وحسب درجات السلم الاجتماعي الذي أفرزه، والأمثلة كثيرة على هذا الانتقال؛ بل والتماهي مع المجموعة الجديدة بعد فترة، ولو شئنا لذكرنا أمثلة منها بالأسماء لكن بما أن الكل يعرف منها نماذج في محيطه، وبما أن ذكرها قد يثير حساسيات فسنكتفي بڮاف لأحد أوائلنا يرد فيه على خصمه ويعرًض به قائلا: "كن حسان أو لاهي رد** واعڮبن تبنا للسبحان كلحمد الِّ ما كنا بعد **ازوايه واعڮبنَ حسان. وفي اتجاه معاكس لفكرة الڮاف نجد المقولة المتداولة شعبيا وهي أن حسانية معروفة بعينها سألت زائرا قدم من جهة دخلها ابن عم لها وانقطع خبره (وهو معروف بعينه كذلك) سألته: هل لقيت ابن عمي فلانا؟ فأجابها بأنه يوجد في محظرة عالم كبير وقد تقدمت دراسته حتى اعتمد مؤذنا رسميا لمسجد الحي، فتوجعت لحاله وقالت قولتها المشهورة: "رب لا اخزيتنا"! وما ظاهرة التوبة المعروفة في البلاد (والتي تحمل مجموعات حتى اليوم اسمها) إلا مظهر من مظاهر الانتقال من فئة لأخرى، لكن تمتاز بأنها غالبا تكون قرارا معلنا ومبررا دينيا؛ بينما بعض يقع التنقلات الأخرى بعوامل وطرق أخرى مع أن النتيجة في النهاية واحدة، فكل مجموعة تعتبر من خرج عن نهجها ارتكب فعلا غير محمود على أقل تقدير، رغم اتفاق الجميع على مبادئ عامة كأهمية الدين الإسلامي والعلم وكل ما يرتبط بهما. وإذا ما نظرنا خارج التراتبية التي قلنا إنها قاعدة فيها استثناءات فإننا سنجد استثناءات كبيرة في خصوصية الحرفة الواحدة؛ فحرفة الرعي يمتهنها الجميع دون استثناء والفرق بين فئة الرعاة وغيرها ممن يمارسون الرعي هو أن هذه الفئة تحترفها مهنة للتكسب فيؤجر أفرادها لرعي حيوانات الغير؛ بينما يرعى غيرهم حيواناته هو أو حيوانات رب عمله عادة. وكذلك مهنة التعليم والتعلم؛ فجزء التعلم منها يشمل جل الفئات تقريبا (ولو في مستواه الأدنى) أما التعليم فتحترفه قلة من الزوايا، ويشاركها فيه بعض مجموعة الصناع (هذا طبعا قبل انخراط الناس في التعليم النظامي الذي خلط الحابل بالنابل فأصبح الحساني يدرًس الزاوي والحرطاني واللحمي كما أصبح الحرطاني يدرس الزاوي والحساني واللحمي والصانع كذلك.. إلخ). وفي هذا ما يؤكد أيضا أن التوزيع في الأصل كان لحاجة حرفية فلما زالت تلك الحاجة وحلت محل الحرف التقليدية حرف ومناشط أخرى تحلحلت تلك المنظومة التراتبية بشبه الطريقة التي تشكلت بها أصلا، وبمرور الزمن سيتلاشى ذكرها مع الجيل الثالث أو الرابع. ومن العبث محاولة القفز عليها بتصرفات غير مدروسة؛ سواء أكانت محقة في طرحها أم لا، فالظاهرة الاجتماعية لا تختفي بمجرد إصدار قرار ضدها؛ سواء أكان من السلطة أم من مجموعة ضغط ما. وكما كان التصنيف الحرفي للمجموعات - مع انغلاقه المذكور- يتسم بقدر من المرونة يسمح بالانتقال من مجموعة لأخرى فإن هناك داخل المجموعة الواحدة تراتبية أكثر مرونة وأبهت حدودا. وسنورد هنا قراءة شخصية للصنافة الداخلية لكل مجموعة، وتشمل مستويين لكل منها؛ وذلك على النحو التالي: حرفة الحرب والدفاع والتسلح: والمجموعة في مستواها الأول تسمى العرب، وفي مستواها الثاني تسمى حسان. حرفة التعليم والتعلم: والمجموعة في مستواها الأول تسمى الزوايا، وفي مستواها الثاني تسمى الطلبه. حرفة العزف والغناء والمحافظة على جوانب الثقافة والعادات الاجتماعية والقيم المرتبطة بها: وهي في مستواها الأول تسمى إيڮاون، وفي المستوى الثاني تسمى المداحه. وهذا المستوى يمتاز بأنه مفتوح لكل المجموعات؛ ربما نظرا لارتباطه بالرسول صلى الله عليه وسلم. حرفة التنمية الحيوانية: والمجموعة في مستواها الأول تسمى اللحمة، وفي مستواها الثاني تسمى ازناڮه أو الرعيان. حرفة الصناعة: والمجموعة في مستواها الأول تسمى الصناع، وفي مستواها الثاني تسمى لمعلمين أو لمشاغيل. حرفة الخدمة (رعاية وتنمية الممتلكات الحيوانية والزراعية وكذلك الخدمة المنزلية): والمجموعة في مستواها الأول تسمى الحراطين، وفي مستواها الثاني تسمى العبيد. والمستوى الأخير - بسبب الحاجة إليه- وُجد لدى كل الفئات الأخرى؛ فللعرب عبيدهم، وللزوايا عبيدهم، وللإيڮاون عبيدهم، كما أن للحمة عبيدهم، وللصناع عبيدهم، وللحراطين عبيدهم. فكما يقول المصريون "ما فيش حد أحسن من حد". ولو افترضنا أن فئة ما هي من قامت باستعباد الآخرين وحدها فإن ذلك أمر وقع في زمن ولى ومن مجانبة العدل تحميل ذنبه أو تبعاته لمن ولد بعد هذه الفترة؛ فالله تعالى يقول: {ولاتزر وازرة وزر أخرى} الزمر الآية 7 صدق الله العظيم. وعليه، فاتهام مجموعة معينة وحدها باستعباد الناس هو - كما نرى- أمر تنقصه الدقة وتشتم فيه رائحة التحامل؛ فتعبيد الناس في هذا البلد في وقت من الأوقات حقيقة لا مراء فيها، لكنها مشتركة بين الجميع، لأنه سلوك عند جميع البشر في تلك الفترة أملته ظروف وحاجات تنموية ورؤى فكرية، ومن الواضح أن تأخر اختفاء هذه الظاهرة في أي بلد له علاقة بتأخر اختفاء الحاجة إليه لضعف تيار النمو في ذلك البلد. هذا مع نسبية الانسلاخ منه في كل بقاع الأرض، فحب السيطرة والتملك غريزة بشرية ككل الغرائز التي ينبغي توجيهها، لكن لا يمكن القضاء عليها؛ لذلك نجد من يرفع راية الحرية اليوم قد استبدل عبودية العمل في المنازل والقصور بعبودية العمل في المعامل والمؤسسات وعبودية الفرد بعبودية دول بأكملها. وإذا كان الانسلاخ من ظاهرة الاستعباد متأخرا في موريتانيا فهو ككل مظاهر التخلف الاجتماعي الأخرى؛ ذلك أن القضاء على الظاهرة الاجتماعية يحتاج إلى وقت كاف لتغيير العقليات ومجهود توعية وتعليم حثيث، إضافة إلى تحسين ظروف العيش. والاهم من ذلك تقبل المجتمع - بما فيه المستعبدون أنفسهم- لمتطلبات الظرف الجديد (الحرية) حتى لا يبقوا كما يقول المثل الشعبي: "أنا عرفت أني لست حبة ذرة لكن المشكلة في الديك الذي ما زال يعتبرني حبة" وهنا مربط الفرس. فأهم ما تقدمه منظمات مناهضة العبودية والفقر والجهل هو مساعدة المستعبدين السابقين غير المتعلمين على أن يفهموا أنهم لم يعودوا عبيدا، ثم إيقاظ إرادة السلطة لتنفيذ برامج تساعد هؤلاء على التحرر من عبودية الحاجة التي لن تترك لهم خيارا غير الدخول من جديد في عبودية رب عمل تحت وطأة الحاجة مرة أخرى؛ وهم في ذلك سواء مع نسبة كبيرة من فقراء المجموعات الأخرى التي لا تجد من يدافع عنها البتة لحاجة في نفس من يراهنون على مبدأ فرِّق تسد. بل إنك لا تجد من يعترف بمشكلتها أصلا، وكأن الفقر والجهل والتهميش خاص بالأرقاء السابقين وحدهم، والحقيقة أن في كل المجموعات ضحايا للجهل والفقر والحرمان؛ لذا ينبغي أن تحدد أمور وتوضح مفاهيم، فليس العرق أو اللون عاملين حاسمين في توزيع المجموعات، فليس كل العرب بالمفهوم الحِرَفي عربا بالعرق، وليس كل الزوايا والعرب بيضا؛ بل جل الطبقات النبيلة من المجتمع كله (الأمراء، شيوخ التربية، الشرفاء) سود. وكذلك ليس كل الحراطين سودا بالعرق؛ بل من بينهم بربر وعرب وهم الأصل! (مجموعة "نانمه" مثلا هم أرقاء اصطحبهم المد القادم من البلاد العربية). بل وليس صحيحا كذلك أن كل الفقراء والجهال سود أو أرقاء سابقون؛ بل هناك أثرياء سود وبيض، وهناك فقراء وجهال بيض بنسب قد تتجاوز عدد السود الأغنياء والفقراء معا. أخيرا أرى أنه آن الأوان لجلسة مكاشفة بين مثقفي كل الفئات ليتفقوا على كلمة سواء تنصف الجميع؛ فلا ينبغي أن يتنازل أحد عن حقوقه إرضاء للأخر أو إشفاقا عليه، كما لا ينبغي أن يتمادى أحد في استجداء الشفقة من الآخرين؛ فلا أحد - في النهاية - يستفيد من "العذره" لأن "المعذور ماه افراحه" كما يقول المثل الشعبي. يجب أن ينال كل ذي حق حقه كاملا غير منقوص، لكن ليس على حساب الآخرين؛ فحقه ينتهي حيث يبدأ حق غيره دون أي تمانع، فرحمة الله وسعت كل شيء. وينبغي أن ينظر الجميع إلى المستقبل وأن لا يبقوا رهينة الماضي فـ{تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون} سورة البقرة 134. صدق الله العظيم. |
